fbpx
ربورتاج

طريق ليساسفة … المصيدة

تحولت إلى شبح يقض مضجع السائقين والمستثمرين بسبب تقاعس المنتخبين عن إصلاحها

«الداخل ليها مفقود والخارج منها مولود»… قولة يصلح إسقاطها على طريق الجديدة بليساسفة، ضواحي البيضاء، الرابطة بين العاصمة الاقتصادية والجديدة، وعدد من المحاور الطرقية الأخرى، بسبب تردي وضعيتها رغم أنها تعتبر المنفذ والمسلك الوحيد الذي يستعمله السائقون للوصول إلى الأماكن التي تتضمن مصالح، لا يمكن الاستغناء عنها بأي وجه كان. بعد التوصل بعدة شكايات حول تلك الطريق التي لقبها مستعملوها ب”مقبرة السيارات” لكثرة الحفر بها والتي تجعل مستعملها يهوي في خندق خطير، انتقل طاقم “الصباح”، إلى المنطقة، وهو ما مكنه من الوقوف على حجم المعاناة الكبيرة والخطر المحدق الذي يداهم كل من فكر في المرور من طريق أصبحت عبارة عن حفر، ولا تصلح إلا لأن تصبح ملعبا للكولف.
إنجاز : محمد بها / تصوير : (عبد اللطيف مفيق وعبد الحق خليفة)

«وليت كنخمم ألف مرة قبل ما ندوز من طريق ليساسفة”، “بسبب حالة طريق الجديدة ندمت على النهار اللي درت فيه مشروع فالمنطقة”، “كل نهار كنعيشو على الأعصاب والخوف من الحوادث والمسؤولين آوت”… من بين العبارات التي تؤكد حجم المعاناة التي يعيشها سائقون، قدرهم أن يسلكوا طريق الجديدة باعتبارها المعبر الوحيد للوصول إلى وجهاتهم المختلفة. وإلى أن يستفيق المنتخبون والمسؤولون من سباتهم يظل مستعملو الطريق من سائقين وركاب ومستثمرين يعيشون أياما من الجحيم، في انتظار التفاتة تنهي معاناتهم مع طريق ليس لها إلا الاسم.
ويكفي السائق الوصول إلى ليساسفة قادما من وسط المدينة أو عائدا من مناطق دار 16 والعراقي وحد السوالم والمحاور الطرقية المؤدية إلى الجديدة، حتى يتحول يومه إلى جحيم لا يطاق، بفعل التدهور الكبير لحال الطريق التي تعتبر منفذا يربط بين البيضاء والجديدة وغيرها من المدن، نتيجة لعدم تزفيتها منذ سنوات، إذ أدى إهمالها إلى تحولها إلى حفر كبيرة.

هزات وأوحال
بمجرد توغل السائق داخل طريق الجديدة يتلقى ترحيبا غير عاد، بإشعاره بهزات تجعل سيارته أو شاحنته على وشك الانقلاب بفعل سقوطها وسط حفر عميقة وأخرى مملوءة بالأوحال وفضلات الواد الحار.
وأصبح استعمال الطريق شبحا يقض مضجع السائقين والمارة، فعلى امتداده يصادف السائقون بمختلف أنواع المركبات، حفرا صغيرة وكبيرة الحجم، وأوحالا وبركا مائية تحول دون قدرتهم على مواصلة السير بشكل عاد وسليم، فمهما كان شكل السيارة والشاحنة إلا وتجد صعوبة كبيرة في السير، أما أصحاب السيارات الفخمة والرباعية الدفع فلن يستثنوا من المعاناة، إذ يكفي سائقها السير بسرعته التي اعتاد السياقة بها في الطريق المعبدة حتى يسقط في حفرة عميقة أو تحتك عجلات سيارته بحدة، إذا ما فكر في كبح السرعة لتفادي خطر انقلابها أو اصطدامه بعربات أخرى.

مقبرة المشاريع
بعدما كانت طريق الجديدة موقعا إستراتيجيا بسبب ضمها لشركات كبرى ومصانع ومستودعات تجارية ومطاعم وقاعات أفراح باعتبارها منفذا يؤدي إلى البيضاء والجديدة ومحاور طرقية أخرى وصلة وصل بين القرية والمدينة، ازدادت وضعيتها سوءا بسبب عدم صيانتها من قبل السلطات المختصة، بعد تساقطات مطرية مهمة، حولتها فضلات الواد الحار والحفر العميقة إلى برك دائمة.
عادل، مستثمر مغربي من ديار المهجر، كشف في تصريح ل”الصباح”، أنه عاد إلى وطنه للاستثمار فيه بفعل ما وجده من تحفيز من ناحية تبسيط المساطر الإدارية، إلا أن العائق الذي اصطدم به، يتمثل في ضعف البنية التحتية، ومنها الطرق التي لا تساعد على نجاح المشاريع التي استثمر فيها أموالا طائلة، بعد سنوات من الاغتراب.
وأوضح المتحدث نفسه، “بعد إخراج مشاريعنا إلى الوجود، لا يمكن لنا الاشتغال وتحقيق الأرباح في ظل وضعية طريق الجديدة التي نفرت منا الزبائن وعطلت مصالحنا وحولت عددا من الصفقات إلى أحلام مؤجلة. فلكي يصل الزبون ويطلع على ما يبحث عنه، عليه أن يعيش ساعات من الجحيم مصدرها الغضب والارتباك في السياقة والتوقف المتكرر لوقت طويل لتفادي حوادث السير أو خسائر بسيارته، وهو ما يجعل الشركاء الذين نطمح للاشتغال معهم يؤجلون تعاقداتهم، أو يصرفون النظر عنها، ويوجهون طلباتهم إلى منافسين يوجدون بأماكن أكثر راحة”.
“اللي كتجبد ليه ليساسفة كيتخلع وكيدير بناقص باش إجي عندك”، جملة قالها عزيز صاحب مستودع تجاري وهو يصرخ، مشيرا إلى أن إهمال الطريق وعدم الاكتراث بمعاناة المستثمرين من أصحاب المصانع والشركات والمطاعم والتجار وزبنائهم وأصحاب سيارات الأجرة، جعل عددا من المستثمرين يفكرون في بيع محلاتهم بعدما تكبدوا خسائر كبيرة جراء الإهمال من قبل مسؤولين عديمي الضمير أو يعيشون في كوكب آخر، حسب تعبيره.

ضغط وتهديدات
كشف عدد من مستعملي طريق الجديدة غير المعبدة، في حديث مع “الصباح”، المعاناة اليومية التي يعيشونها في رحلة الذهاب والإياب، فهناك التوتر وحرق الأعصاب الدائمين اللذين يسيطران عليهم، بسبب الخطر الذي يهدد حياتهم بشكل يومي نتيجة الضغط بسبب حفر أحدثت أعطابا بسياراتهم وكذا شاحناتهم، دون ذكر حوادث سير تسببت فيها، وهي الوضعية التي صارت تهدد التلاميذ خاصة الذين يستعملون النقل المدرسي التابع للمدارس الخصوصية، إذ يعني تكدسهم تعرضهم لخطر حوادث أو انقلاب سيارات نقبهم.
وأضاف السائقون أن كثرة الحفر التي تصادفهم في الطريق، جعلتهم يعانون الأمرين، فإما انقلاب العربات التي يسوقونها وارتكاب حوادث سير باصطدامها مع سيارات قادمة من الجهة المعاكسة أو دراجات نارية تحاول تفادي الوقوع ضحية برك الواد الحار، أو إحصاء الخسائر المادية الجسيمة نتيجة تضرر العجلات وباقي مكونات العربة.
ومن الضحايا المتضررين بشكل يومي فئة الموظفين والعاملين الذين أصبح عليهم الاستيقاظ باكرا والخروج ساعات قبل موعد انطلاق العمل، لركوب سياراتهم الخاصة أو الاستعانة بسيارات الأجرة الكبيرة للالتحاق بمقرات عملهم، تفاديا للوصول متأخرين وسماع عبارات التأنيب، أو تلقي إنذارات شفوية وتهديدات بالفصل نتيجة تأخر لا ذنب لهم فيه، وتفادي لحظات من القلق والخوف الممزوجين ب”الفقصة”.

خسائر يومية
«القفوزية ماخداماش مع طريق الجديدة» من بين العبارات التي صرح بها عدد من سائقي الدراجات النارية، الذين كشفوا أنه مهما بلغت درجة ذكاء السائق المستعمل للطريق «المنكوبة» وخبرته في التعامل مع مطباتها، إلا أنه لا يمكن أن ينجو من السقوط في إحدى الحفر التي تفاجئه لكثرة عددها، بل الأكثر من ذلك توقع وقوع حوادث سير بالاصطدام مع سيارات أو شاحنات، تتوقف دون إشعار، بعد وقوعها في الأوحال.
بدوره قال عمر سائق شاحنة من الحجم الكبير، إن استعماله بشكل يومي الطريق من وسط البيضاء إلى منطقة دار 16 التي يوجد بها المستودع الذي يعمل به، جعله مضطرا إلى استبدال العجلات بشكل متكرر، نظرا للضرر الذي يلحقها بفعل الحفر المنتشرة بشكل مثير، والتي من تداعياتها ضياع الوقت وإلغاء الزبناء لطلبياتهم أو تكلفة استبدال العجلات وإصلاح الأعطاب التقنية التي تصيب العربات.
وليس سائقو السيارات الخاصة والشاحنات التابعة للشركات والمصانع من تكبدوا الخسائر فحسب، فالمصير نفسه أصبح يعيشه سائقو “الطاكسيات” الذين يجدون أنفسهم زبناء لمحلات إصلاح السيارات بعد تضرر العجلات أو الإطارات نتيجة حوادث الاصطدام مع بعض الدراجات النارية، أو ممتهني النقل السري الذي يتسابقون للوصول إلى وجهاتهم والعودة إلى ليساسفة لحمل زبائن آخرين تحقيقا للربح السريع، دون الحديث عن سائقي سيارات الأجرة الصغيرة الذين يمتنعون عن نقل الزبون إلى وجهة محفوفة بالأخطار والمصير المجهول.

“خاوية فعامرة”
أدى الوضع المتردي الذي أصبحت تعيش على وقعه طريق الجديدة، إلى إلحاق أضرار كبيرة بسيارات وشاحنات، وتهديد حياة مستعمليها بفعل وقوع حوادث سير خطيرة.
ولأن مستعملي تلك الطريق يخافون المصير المجهول، اضطروا إلى ممارسة لعبة «خاوية فعامرة»، بمراوغة الحفر التي تتوسط الطريق أو جنباتها، وهو ما حول المكان إلى صورة مصغرة لسباق “الفورميلا وان”.
ويضطر عدد كبير من سائقي الشاحنات أو سيارات الأجرة إلى تعريض سلامتهم للخطر أو الإضرار بمركباتهم، بمتابعة السير في الطريق المتضررة تحت شعار “دقة بدقة اللي زربوا ماتو” أو سلوك مسالك أخرى غير معبدة للوصول إلى وجهتهم تجنبا لاستعمال الطريق السيئة، في انتظار تحرك المسؤولين لإصلاحها.

المسؤولون “أوت”
رغم الضجة الإعلامية التي حولت طريق الجديدة إلى قضية رأي عام محلي ووطني، بعد أن سلطت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الوطنية الضوء على تداعيات الحفر المنتشرة، وما تسببه من حوادث سير يومية وحرق أعصاب السائقين الذين ينزعجون من قضاء ساعات طويلة في مسافة قصيرة، إلا أن دار لقمان مازالت على حالها، بعدما فضل المسؤولون والمنتخبون التفاعل مع انتقادات المواطنين ونشطاء الفيسبوك بالركون إلى الصمت تطبيقا لحكمة “كم حاجة قضيناها بتركها”.
وإلى حدود إنجاز الربورتاج، لم تحرك المصالح المعنية ساكنا في ما يتعلق بإصلاح الطريق عبر ترقيعها إلى حين وصول موعد تزفيتها، إذ هناك من يتحجج بأن الطريق سيتم إصلاحها بعد الانتهاء من البنيات التحتية التي تخص إنجاز قنوات الصرف الصحي ومعالجة المشكل المتمثل في الواد الحار الذي يجعل الحفر تظهر بعد مدة إصلاح قصيرة. ورغم المطالب البسيطة المتمثلة في “وضع أتربة وحجارة صغيرة لملء الحفر الكبيرة”، يظل الوضع كما هو، فتستمر معه سلسلة تآكل العجلات وحوادث السير و”غصة” السائقين والركاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى