fbpx
ربورتاج

معذبو الشتاء والصيف

نساء ورجال يواجهون قساوة الطبيعة ومسلسل الإهمال بكبرياء وشموخ

«رجعوا راه الطريق مقطوعة ماكاينش فين تدوزو»، “الثلج قطع الطريق حسن ليكم ترجعوا لجماعة زايدة تال الصباح”، من بين العبارات التي واجهنا بها عدد من الدركيين وكذا التقنيين المكلفين بتأمين الطرق أثناء سقوط الثلج، مساء الأحد الماضي، بعد مغادرة زايدة بإقليم ميدلت في اتجاه تمحضيت بإقليم إفران. وتسببت الثلوج في انقطاع عدد من الطرق واضطراب حركة المرور، كما أثرت الثلوج على الحياة العامة في بعض المناطق بجبال الأطلس، حيث اضطر عدد من المسافرين إلى الاستعانة بالفنادق لقضاء ليلتهم، بينما اختار آخرون العودة إلى منازلهم، في انتظار استئناف حركة السير بعد مجهودات كاسحات الثلوج.
إنجاز: محمد بها / تصوير : (عبد المجيد بزيوات) (موفدا الصباح إلى إقليم إفران)

لم يكن الوصول إلى بيت محمد بتمحضيت، إقليم إفران، سهل المنال، بعد أن عاشت المنطقة، الأحد الماضي، عزلة بسبب التساقطات الثلجية التي شهدتها المناطق الجبلية.
واستلزم التنقل إلى القرية انتظار قيام كاسحات الثلوج بفتح الطريق الوحيدة المؤدية إليه، وهي طريق تتميز بمنعرجات خطيرة، تحف جانباها الثلوج التي يتجاوز ارتفاعها المترين في بعض الأماكن.
وتتناثر المنازل المتباعدة والمبنية بالطين والحجر على الجبال، تغمرها الثلوج فيكسوها بياض يراه أهل المدن جمالا ومتعة وسحرا، لكنه بالنسبة إلى سكان الجبال من القرويين، يشكل قساوة ومعاناة وعزلة.

وسيلة لإعالة الأسرة
يحكي محمد البالغ من العمر 48 سنة، وهو من الرحل ويتخذ من رعي المواشي، وسيلة لإعالة أسرته الصغيرة المتكونة من الزوجة وثلاثة أبناء، أكبرهم يبلغ 15 سنة وأصغرهم يبلغ سنتين.
وكشف المتحدث نفسه، أنه قدم من أكلمام سيدي علي بإقليم خنيفرة، إلى تمحضيت بإقليم إفران من أجل رعي قطيع الأغنام والماعز، مشيرا إلى أنه يعمل أجيرا لدى صاحب المواشي.
وأضاف والد الطفل عمر “جئت إلى تمحضيت بعدما اكترى مشغلي بيوتا مبنية بالتراب والقصدير والبلاستيك لاتخاذها مسكنا لي وزريبة للمواشي وخم الدجاج».

“كاينة ظروف”
«ماشي حنا اللي ختارينا هاد العيشة ولكن كاينة ظروف»، من الأجوبة التي تلفظ بها محمد وجيرانه جوابا عن سؤال “الصباح”، حول أسباب تحملهم العيش وسط الثلوج، متنقلين بين الجبال والسهول وما يرافق ذلك من مخاطر المرض والموت والبعد عن الأهل والأحباب.
وأوضح محمد الذي فتح قلبه ل”الصباح”، بعد الحديث إليه باللغة الأمازيغية، أن خوضه مغامرات الترحال في الصيف والشتاء، سببه الرغبة في العيش بعزة وكرامة عوض الاستسلام للبطالة، مشيرا إلى أن حياة الرحل رغم قساوتها فإنها تخفي حكايات إنسانية لأناس اختاروا إعالة أسر وعائلات.
وأضاف المتحدث نفسه، وهو يحمل طفله ذا العامين، “واخا الأجرة قليلة، مقارنة مع تمارة ولكن ما كاينش البديل، بلا الرعي ما نعرف ما ندير، هادشي علاش رباونا والدينا، وهذي هي خدمتنا اللي بيها كنوكلو ولادنا وكونا أسرة”.

النار لتجنب الموت
يكشف محمد، أنه في ظل الصقيع المرتبط بسقوط الثلوج، يضطر إلى التحلق رفقة زوجته وطفله الصغير، حول موقد النار، بحثا عن فرصة للدفء هربا من البرد القارس الذي تتميز به تمحضيت وباقي المناطق الجبلية في كل فصل شتاء.
وكشف الرجل الخمسيني وهو يغالب دموعه “إلى ما سخناش بالعافية فهاد البرد اللي كيجمد الما، غادي نموتو».
وبدورها حرصت المرأة العجوز على حمل الحطب الذي جمعت أكواما منه لتدفئة بيتها المبني بالقصدير والبلاستيك، وإعداد طعام يسد رمقها ويسخن جسمها النحيل الذي يرتجف من الصقيع والثلج الذي غمره، معتبرة أن النيران خير منقذ للرحل.

خارج التغطية
«تليفون ديال الهضرة صافي، ماكاين لا أنترنت لا تصاور»، هكذا يلخص محمد حياته البعيدة عن العالم الخارجي والتطور التكنولوجي، فبالنسبة إليه هو خارج التغطية عما يجري بالعالم المتحضر.
وكشف محمد أنه للتواصل مع مشغله، وكذا للاطمئنان على أبنائه الموجودين لدى شقيقته بزايدة نواحي ميدلت، يستعين بهاتف محمول من النوع العادي، يستقبل ويحول المكالمات فقط.
بعربية ممزوجة بلكنة أمازيغية، يقول محمد إن الثلوج عزلتهم عن العالم الخارجي لأيام، إذ لا يفارقون بيوتهم ويقضون يومهم قرب موقد النار الذي لا ينطفئ طيلة فصل الشتاء ولا يخرجون إلا لرعي الماشية أو تقديم العلف لها.

عزلة لشهرين
إذا كان المسافرون العالقون بسبب تساقط الثلوج قد عاشوا لحظات من الخوف الممزوجة بالارتجاف من الصقيع، فإنه لا يمكن تصور حجم المعاناة التي يعيشها الرحل وأبناؤهم وزوجاتهم، بجبال الأطلس، فهم معرضون لأنواع شتى من المخاطر التي تتأرجح بين المرض والموت من البرد، إذا ضل أحدهم الطريق خلال مصادفته تساقط الأمطار والثلوج، كما حصل لأحد الرعاة في 2018 الذي عثر عليه جثة هامدة رفقة قطعانه، بمحيط جبل “بويبلان» بإقليم تازة، بعدما لم يعد يستطيع السير لمسافات طويلة وهو محاصر لأسبوع.
وأبرز الرعاة الذين تحدثت إليهم “الصباح”، أنهم قدموا إلى المنطقة منذ 20 يوما، لقضاء شهرين بتمحضيت، في رعي المواشي، قبل الانتقال إلى منطقة أخرى.
ومن الصعوبات التي تزيد الرحل معاناة، تداعيات تساقط الثلوج، إذ بعد كسوها الجبال في فصل الشتاء تنعدم فرصة الرعي، ويضطرون إلى اقتناء علف المواشي التي تظل طيلة مدة تساقط الثلوج حبيسة الحظائر، بعدما لم تعد أمامها فرصة لرعي العشب الذي أصبح مكسوا بالثلج، باستثناء إخراجها للتحرك عوض البقاء مقيدة.
ولضمان عدم الوقوع ضحية العزلة بسبب انقطاع الطرق التي يتسبب فيها تساقط الثلوج بكثافة، ولاتقاء شر الصقيع في فصل الشتاء، يضطر الرحل المرابضون بجبال الأطلس إلى اقتناء ما يلزمهم من المواد الغذائية الضرورية، إذ يصحبون معهم ما يكفيهم لشهر، بينما يستعينون بالبغال والحمير للوصول إلى الأسواق الأسبوعية لشراء بعض المستلزمات التي تنفد، سواء بالنسبة إليهم أو لماشيتهم.

“مرا وقادة”
زوجة محمد وجارتها المرأة العجوز الطاعنة في السن، نموذج للنساء اللواتي يحملن لقب “مرا وقادة” ليس تشريفا وإنما عن جدارة واستحقاق، إذ تضطلعان بأدوار متعددة من بينها حمل الحطب والمساعدة على إخراج الماشية من الحظيرة وإطعامها والتكفل بشؤون البيت المتواضع.
وإذا كان من حظ أهالي تمحضيت مجاورتهم لغابة الأرز التي يجمعون منها الحطب لمواجهة البرد القارس، فإن حصولهم على الماء الصالح للشرب يضطرهم للمشي مسافات طويلة على ظهر الدواب، وهو ما يجعل زوجة محمد وكذا المرأة العجوز وبعض الأطفال يقطعون مسافات طويلة على الدواب تقدر بالكيلومترات، وهو ما يهددهم، لما تسوء الأحوال الجوية.

أسلوب حياة
رغم قساوة الظروف المناخية وتداعياتها على حياتهم ومستقبلهم، فإن الرحل يتمسكون بنمط عيشهم، إذ يعتبرون حياة الجبال وسط الثلوج والصقيع، لا يمكنها أن تكون دافعا للهروب نحو المجهول، لأنهم لا يعرفون سوى الترحال لامتهان تربية الماشية.
«هذي حرفتنا وبلا بيها ما يمكنش لينا نعيشو، اللهم الثلج والبرد ولا نمدو إدينا”، من بين العبارات التي أجمع عليها الرحل أثناء فتحهم قلوبهم ل”الصباح”، مشيرين إلى أنه رغم صعوبة العيش التي ألفوها ومازالوا يقضون فيها أيامهم، فإنهم راضون عن حياتهم التي يعتبرونها قدرا محتوما، عليهم التعايش معه.
وهي تتأمل في الثلوج بشموخ قالت “هو أسلوب حياتنا الذي فتحنا عليه أعيننا، الرعي والترحال صيفا وشتاء وما يصاحبهما من معاناة لا يمكنهما أن يوقفا مسيرتنا التي ورثناها أبا عن جد، في انتظار أن يكون أبناؤنا وأحفادنا أفضل حظ بنجاحهم في التحصيل الدراسي”.

مبتسمون رغم المعاناة
من بين السلوكات التي جعلت طاقم “الصباح”، يقف مشدوها، حفاوة الاستقبال التي يخص بها الرحل ضيوفهم، بل الأكثر من ذلك الابتسامة التي يحرصون على توزيعها عليهم، وعبارات الحمد والشكر لله التي يختمون بها حكايات صعوبات العيش بين قساوة الطبيعة وإهمال البشر.
وتبقى ضحكة محمد وهو يختم حديثه في كل مرة بالقول “الحمد لله على كل حال راضين بما قسم الله لنا”، وضحكة المرأة العجوز أثناء توديعها لنا وهي تقول باللغة الأمازيعية “إلا أوصميد، نوضن ولكن الحمد الله “، بما معناه باللغة العربية “البرد قارس ونعاني لكن حمدا لله”، خير مثال على أناس يستحقون التكريم بالالتفات إليهم ونصب تذكار يكرمهم لصبر قل وجوده في زمننا هذا.

“كورونا هي اللي عايشين فيها”
في ما يتعلق بتخوفاتهم من عدوى فيروس كورونا، قال عدد من الرحل، إنها لا تشكل خطرا عليهم لأنهم في الأصل ملتزمون بإجراءات التباعد بشكل طبيعي قبل ظهور الوباء، باعتبار أن نمط عيشهم يعتمد على الترحال والعيش بشكل متباعد بين الجبال.
وفي ما يخص التلقيح قالوا «ما مسوقين لا لكورونا ولا للتلقيح»، حيت كورونا هي اللي عايشين فيها وسط الثلوج»، متسائلين “واش كاين شي خطر الموت كثر من بنادم وسط الثلج ليل ونهار؟”.

“بغيت ولادي يقراو”
لأن الترحال من منطقة إلى أخرى يؤثر على الاستقرار العائلي ويمس بالدراسة، كشف محمد أنه اضطر لترك أبنائه لدى شقيقته لمتابعة دراستهم، حتى لا ينقطعوا عنها، ويصبحوا أميين مثله، مشيرا إلى أنه أمام الواقع الذي يعيشه ومعاناته، قرر بذل الغالي والنفيس لأجل تعليم أبنائه، مقابل الاكتفاء باصطحاب زوجته وطفله الصغير.
“بغيت ولادي يقراو باش ما يضيعوش بحال باهم»، يقول محمد، الذي كان يتحدث والدموع تنهمر من عينيه.
وأوضح المتحدث نفسه، أن الترحال من شأنه أن يؤثر سلبا على مستقبل أبنائه، لأن امتهان الرعي لا يشكل مدخولا قارا، إضافة إلى أنه محفوف بالمخاطر، مضيفا “كنحيد النص من المعيشة ديالي وكنصيفطها لولادي باش اقراو حيت بغيتهم اعرفوا شوية، باش اضمنوا مستقبلهم وما يضيعوش بين الجبال والرعي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى