fbpx
مقالات الرأي

ايت اباحمو: العقل العربي قبل و بعد الاسلام

رحلة في كتاب تاريخ الفلسفة العربية لـ د. جميل صليبا.

لا شك أن لكل فلسفة منبع شربت منه في البداية، وبعدها تقوم بصرخة وجودية لأفكارها، كذلك الفلسفة العربية احتست من الفكر اليوناني، الفارسي، الهندي، و السرياني، لكن أهم مصدرين هما المصدر اليوناني و المصدر الاسلامي. وعملية نقل هذه الفلسفات الى اللغة العربية، كان بواسطة الترجمة، ولابد أن تكون لنا لاحقا زيارة تاريخية للدّور الهام الذي أدته الترجمة في الفلسفة العربية. قبل أن نشير بأقلامنا الى هذه الفلسفة، من الضرورة أن تكون لنا اطلالة على ما قبل متجهين الى ما بعد.

ونحن نقلب صفحات التاريخ، لن نعثر على فلسفة معينة للعرب قبل اتصالهم بالحضارة اليونانية، ونعلم علم اليقين أن كلمة ” فلسفة ” هي كلمة دخيلة عن اللغة و الثقافة العربية، وهي ذات أصل يوناني ( فيلو صوفيا )، تحمل معنى ؛ محب الحكمة، وهي تدل على علم الاشياء بمبادئها وعللها الاولى. واذا كان المؤرخين العرب يطلقون على العلوم الفلسفية بالعلوم الدخيلة. لكن لا نغفل أن عرب الجاهلية كان لهم ارتباط وثيق بمختلف حضارات العالم، وقد كان مسرح التيارات الفكرية و العقائد الدينية قبل الاسلام في الجزيرة العربية، وعديدة هي المعارف التي كان بحوزتهم، معارف فلكية، طبية، اساطير شعبية، وامثال، وأشعار،…وهذا يدل الى ميولهم الى تعليل الاشياء بالعلل المادية تارة والعلل الروحية تارة اخرى.

كان عرب الجاهلية، بعضهم يؤمنون باله واحد، والبعض الآخر كانوا طبيعيين او جبريين ؛ ينكرون بقاء النفس بعد الموت، ويجحدون الآخرة، ولا يكترثون بالأقاويل الميتافيزيقية حول يوم القيامة، و الحساب، و الجنة والنار،…لكن هذه الافكار والمعتقدات الصادرة من التجارب اليومية، لا تدل على التفلسف الحقيقي. حتى ان صاعد الاندلسي قال في كتاب طبقات الامم، ان علوم العرب كانت علوم لسانها، واحكام لغتها، وتنظم الشعر و تأليف الخطب. و بهذا الصدد قال الجاحظ : ” كان العرب في البداية أمرهم أميّين لا يكتبون، و مطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر و أكثر، وهم عليه أقدر واقهر “، وقوله أيضا : ” كل شيء للعرف فهو بديهة و ارتجال، و كأنه الهام، وليس هناك معاناة ولا مكابدة، ولا اجالة فكرة ولا استعانة”.

لابد لي الإشارة الى خصلة من خصال الفكر العربي وانا أحذوا حذو تاريخ فكره؛ وهي تكمن في أن مجمل بحثهم في ماهية الأشياء والحقائق يحتكمون الى ما هو روحاني وبذلك تكون وسليتهم المعرفية هي أمور روحانية، عكس الأمور المادية، وقولي هذا يدعمه الشهر ستاني في كتاب الملل و النحل : ” من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأمم، فقال كبار الأمم أربعة: العرب، و العجم، والروم، والهند. فالعرب و الهند يتقاربان على مذهب واحد، و أكثر ميلهم الى تقرير خواص الأشياء، و الحكم بأحكم الماهيات و الحقائق، و استعمال الأمور الروحانية، و الروم و العجم يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم الى التقرير طبائع الاشياء و الحكم بأحكام الكيفيات و الكميات و استعمال الأمور الجسمانية ”

إن هذه اللمحة التاريخية للعقل العربي قبل الاسلام، ما تؤكد الا عدم اكترث العرب في جاهليتهم بالعلوم الفلسفية، رغم ازدهارها في الوسط اليوناني، لكن احاديثهم تعج بالعزائم و تمائم، وأساطير مغمورة بالجن، و الغيلان، وشياطين، وامثل و حكم تدل على منازعهم العقلية. لكن بعد ظهور الاسلام بدأت الملامح الاولى للفلسفة العربية تظهر، ولم توطد اركانها الا بعد ترجمة كتب اليونان.

بعد هذه التوطئة التاريخية، يمكنني أن أشير بقلمي الى الفلسفة العربية ؛ اي العقل العربي بعد الاسلام حيث بدأ التفكير الفلسفي. جاء الاسلام وجمع الأفكار و العواطف العربية المبعثرة، ووحدّ شمل العرب ، وألف بين قلوبهم، واخرجهم من الحياة القبلية الى الحياة القومية والانسانية. وبعث معه فكر جديد تمثل في : علوم التفسير، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، والمذاهب والفرق الاسلامية. واتى ببعض القيم الانسانية، والتي فيها حض على تحرير النفس والعقل، وامر بالمعروف والنهي على المنكر، و الشورى والتعاون والمسؤولية…وفي هذا الشأن يمكن استحضار عدة آيات من القرآن الكريم تِؤكد على النظر العقلي؛ بقوله : ” الذين يذكرون الله قياما وقعودا و على جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض وربنا ما خلق هذا باطلا “، وقوله : ” هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون “. والاحاديث النبوية كانت غزيرة بالحديث عن القيمة العقل و فضل العلم؛ كقول الرسول (ص) : ” لا دين لمن لا عقل له ” ، وقوله : ” افضل الناس أعقل الناس “. كذلك نظم العرب شعرا يمجد العقل، كقول ابي علاء المعري :

كذب الظن لا امام ســــــوى العقل مشيرا في صبحه والمســـــاء
وقول صالح بن القدوس :
إذا تم عقل المرء تمت أمـــــوره وتمت أمانيه وتم بنــــــاؤه

في وسط هذه كومة الفكرية العربية الاسلامية، التي جعلت من كمال العقل مقترنا بالدين الصحيح، رأينا فرقا تدعو الى جعل العقل محور الحياة الانسانية، كالمعتزلة الذين ذهبوا الى ان العقل نور في القلب يعرف الحق من الباطل، و الخير من الشر، و الحسن من القبح. وكعلماء الكلام الذين سلموا اولا بصحة العقائد تسليم مؤمن بها من الشرع، ثم حاولوا دعمها بالأدلة عقلية.

لابد من أن نعلم بأن مصدر فكر المسلمين هو القرآن، في نظرهم امنية النفس البشرية، والقانون الكامل الذي منّ الله به على النوع البشري ليقيم أود حاله، ويغنم سعادة نفسه. وفي نظرهم أن القرآن هو كلام الله، وكل كلمة من الكلمات لها معنى وجودي، او جوهر حقيقي، يعني هذا ان كل تفسير قرآني يشتمل على اتجاه فلسفي، ويختلف الاتجاه باختلاف موقف التفسير. والتاريخ خير شاهد على اختلاف المسلمين حول المعنى الحقيقي لكلام الله، وهو الذي أدى الى ظهور بعض الفرق الاسلامية: كالخوارج، والمرجئة، و الشيعة، وأهل الحديث ، و المعتزلة، وغيرهم من اهل الظاهر والباطن، كاختلافهم في مسألة الجبر والاختيار، ومسألة رؤية الله وغيرها، حتى أن بعض الفرق الباطنية والفلسفة عدت تأويل الآيات القرآنية أصلا من أصولها، فالقرآن عند هؤلاء ظاهرا و باطنا، فالباطن هو تلك الحقائق الروحية التي لا تتجلى الا لأهل البرهان، اما الظاهر فهو تلك الأمثلة المضروبة لتلك المعاني. وبالضرورة الاشارة الى الفرق بين التأويل والتنزيل، ان التنزيل هو الدين الوضعي او الكلام الذي أملاه جبريل على النبي، على حين أن التأويل هو كشف عن المعاني الحقيقية المطلوبة.

فما سلف ذكره هو لتبيين أن التفسير الحقيقي للآيات القرآنية حمل بعض النظار المسلمين الخوض في المسائل الالهية. وأحيطكم علما أن القرآن نفسه يشمل على الكثير من المبادئ الفلسفية:
– الايمان بالتوحيد، اي ان الله واحد بالعدد، ومنزه عن كل صفة يتصف بها خلقه.
– الايمان بان الله خالق قديم، و أن العالم مخلوق حادث.
– الايمان باليوم الاخر، وان الله يبعث الناس يوم القيامة للحساب و الجزاء.
– الايمان بالقضاء والقدر، وان الله وهب الانسان احساس وعقلا بديهيا الى الخير.
ولعل الحقائق الوجودية و القيم الاخلاقية التي تضمنها القرآن، واذا فسرت على طاهرها، ألفت مذهبا فلسفيا متماسكا يمكننا أن نسميه بالفلسفة القرآنية، وان سلكت طريق التأويل البرهاني على النحو الذي سار عليه اهل العقل، والذين وجدوا تأويل الآيات القرآنية مؤيد لمذاهبهم المختلفة.
هنا نخلص الى القول أن القرآن الكريم هو مصدر اساسي من مصادر الفلسفة العربية. ولولا حاجة الفرق الاسلامية الى دعم حججها بالبراهين المنطقية لما أقبل العرب على ترجمة هذه الكتب، بالعلم أن الخلفاء شجعوا العقل العربي على الاقتباس من العقل اليوناني.
وفي رحلتنا مع هذا الكتاب – تاريخ الفلسفة العربية، د جميل صليبا – لنا موعد لا يقل أهمية عن هذا المقال هو دور الترجمة، ونحن نبحر في التاريخ مستعينين بأقلامنا، ومن الأكيد سنرى الاتصال الثقافي بين الحضارات راجع بالأساس الى ترجمة الكتب.

بقلم: محمد ايت اباحمو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى