fbpx
مقالات الرأي

المكلاوي: ماذا لو كانت الحاجة الوحيدة التي تنقصنا هي التعرف على ذواتنا؟ (الجزء الأول)

“من أكون؟” أو “شكون أنا” – بالعامية المغربية- سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا في كل لحظة نعيشها وفي كل مرة نواجه فيها حدثا جديدا عابرا أو معمر لوقت محدد. هذا السؤال سيعمل على تحديد من تكون الذات بمعزل عن الآخرين وتحديد احتياجاتها بارتباطها معهم والدور الذي يلزمها لعبه. هذا السؤال يمكنه أن يذهب بنا قبل كل شئ للتساؤل حول من نكون فعلا وبصيغة المفرد، هل فعلا أعلم من أكون؟ ماذا لو كان ما أعرفه عن ذاتي مجرد أكاذيب صدقتها نتيجة آراء الآخرين وأن حقيقتي هي بالأساس ما تزال مجهولة وبه يجب التنقيب عنها؟ وما سبب وجودي؟ والهدف من بقائي حيا؟ ما هو دوري في حياتي أولا وحياة الآخر القريب والآخرين الذين معهم أتشارك الرقعة الجغرافية؟ وما الدور الذي ألعبه كذات لخدمة نفسي أولا ثم الآخرين؟ ومن هو الآخر بالنسبة لي؟ كيف يمكنني التفاعل معه وحماية نفسي منه؟ كيف يمكنني تجنب أذيته؟ وهل بالفعل هو سبب الأذى أم أن الأذى أبعد من أن يكون “هو” وقريب من أن يكون “أنا” بالأساس؟
هذه الأسئلة تبدو من الوهلة الأولى فلسفية، وهي تشكيكية بشكل منهجي وتجعل الفرد دائما في دوامة من الحروب الذهنية والتفكير المنقطع النظير والمتسلسل الذي لا ينفك ينتهي من التوصل لإجابة معينة حتى ينتقل بشكل مرن لطرح سؤال به يبدأ شوطا آخر من البحث والمعالجة النقدية والتحليلية لكل جواب يتم التوصل إليه. رغم ذلك، ومشقتها تبقى هذه التساؤلات واجبا يجب الالتزام به لمساعدة أنفسنا على إتقان فن الحياة بمنظور حيادي فيه نعزل الذات عن الآخرين ونبحث عن حقيقة إرادتها وتطلعاتها الخالصة بمعزل عن كل المثيرات الخارجية والثقافة والأيديولوجيات المتناثرة، ومن جهة أخرى ننظر إليها في إطار تشاركي فيه تخوض الذات غمار الحياة الاجتماعية لكن بنظرة تضفي نوعا من الإيجابية والعقلانية والتفرد الذي يطبع الشخص والدائرة الاجتماعية التي يتفاعل معها ويعيش وسطها. بالإضافة لذلك، مسألة مهمة يمكن الوصول إليها هي تمكننا من آلية المراقبة الذاتية والتحكم في تصرفاتنا ومحاولة بناء معارفنا بشكل متجدد خارج عن إرادة الآخرين ومنبثق من إرادة أذهاننا التي ألفت السؤال والبحث والتطلع للجديد في كل مرة تصل لإجابة معينة.
هذه الأسئلة بالضرورة ستقودنا لطرح أسئلة من قبيل كيف يمكنني التعرف على ذاتي؟ هل بهدم معارفي وإعادة بنائها؟ أو بمحاولة التخلص من سلبياتها والاحتفاظ بايجابياتها؟ أو ماذا؟وما الذات في الأصل؟ وكيف يمكنني بناء خطة تتوافق معها؟ وهل فعلا يمكنني فعل ذلك وأنا في هذا السن؟ وما موقعي في الحياة بعد ذلك؟ في الحقيقة، إن محاولة التعرف كلها أسئلة متسلسلة مع إجابات قصيرة تنتهي بعلامة استفهام. وهذا ما يعطي لعملية استكشاف الذات مغامرة شاقة وجميلة في نفس الوقت، مليئة بالمفاجآت وفي بعض الأحيان تجعلنا منغلقين على أنفسنا ومنعزلين اجتماعيا نقوم بعملية المراقبة الذاتية والمقارنة عن بعد مع ما يفعله الآخرون، ومدى توافق ما نعتقده عن أنفسنا وما يعتقده الآخر عنا. إنها خطوة ستمكننا من استعادة كينونتنا التي فقدناها جراء انغماسنا في الجماعة التي في الغالب تحاول تطبيعنا بأمور لا تتوافق مع ميولاتنا الحقيقية ومع حقيقة رغباتنا وتطلعاتنا.
فعملية التنقيب عن الذات هذه تبقى من الأسس التي تؤدي بالفرد للتوافق الذاتي من خلال تحقيق الذات والذي بدوره يمكن الفرد من الشعور بالرضا وتقدير نفسه. فهي تدخل ضمن آليات الدفاع والمقاومة التي يجب أن يتمكن منها الفرد في كل مرحلة خطر يواجهها أو وضعية جديدة لم يألف العيش فيها. هي سلاح ذو حدين يجب صقله لكي نحمي به أنفسنا والمحيطين بنا في سيرورة تفاعلية بشكل إيجابي فيه نحصن مساحتنا الشخصية ونحميها من أي انحراف خارج عن إرادتنا ما أمكن، ونساهم في تفعيل قاعدة الحفاظ واحترام خصوصيات المجتمع الذي نفعل فيه والزاخر بالتنوع والاختلاف عن من نحن عليه.

فاطمة الزهراء المكلاوي: ماستر في علم النفس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى