ربورتاج

“تشـرنـوبل” مـراكـش

مطرح عمومي “غير مراقب” على 182 هكتارا يوزع الموت بالتقسيط على سكان 32 دوارا بالمنابهة

استوردت مراكش التجربة الفاشلة نفسها للبيضاء، حيث تُلقى أطنان الأزبال والنفايات المنزلية ومخلفات الوحدات الصناعية والفضاءات التجارية والمراكز الاستشفائية، دون فرز أو معالجة، في الخلاء، وسط 32 دوارا أصيب أغلب قاطنيها بأمراض جلدية وأمراض العيون وتعفنات في أجهزة التنفس، وينامون كل يوم ويستيقظون على سحب روائح كريهة طالعة من أحواض «عصير» غير مراقبة.فما الذي يجري في أكبر مطرح للنفايات، والأول من نوعه من الجيل الجديد بجهة مراكش-آسفي؟ ولماذا تصرف الدولة والقطاع الخاص ملايين الدراهم على مرفق تحول إلى كارثة بيئية بكل المقاييس، على مشارف عاصمة النخيل والرحامنة وعبدة؟ ولماذا لم تنفذ الجماعة الحضرية التزاماتها المالية والتقنية المحررة سوادا على بياض على عقود التدبير ودفاتر التحملات، حتى تحولت وحدة الفرز والتثمين والحرق إلى هيكل مغلق دون فعالية، أو مناصب شغل؟ وكيف تركت السلطات الإدارية والمنتخبة تسمح بالموت بالتقسيط لآلاف السكان نزعت أرضهم غصبا وعوضت بروائح قاتلة تفتك بالبشر والحجر والحيوان؟

إعداد: يوسف الساكت (موفد الصباح إلى مراكش) تصوير عبد الرحمان مختاري

إسماعيل بلبشير، طفل في عمر الزهور من دوار نزالة سي أحمد بمنطقة المنابهة/قيادة قطارة بجهة مراكش-آسفي، تحول جسمه إلى خارطة من أمراض «الحكة» و»الكزيمة» و»الجربة»، امتدت إلى وجهه وعنقه اللذين يخفيهما على زملائه في المدرسة حتى لا يتحول إلى تلميذ منبوذ، موضوع للتنمر والوصم.
كشف إسماعيل عن بطنه وظهره اللذين يحملان آثار عدوان حقيقي، بسبب تسربات رياح كريهة آتية من المطرح القريب الذي لا يبعد عن منزل والديه إلا بأمتار، وقال لنا إنه لا ينام في الليل من شدة «الحكة»، ولحظات عصيبة يهرش فيها جلده حتى يسيل دما، عل الطفليات المعششة فيه تهدأ وتستكين، لكن دون جدوى.

مراوح الموت

والده عبد الرحمان بلبشير الذي يعرضه أمام كاميرا «الصباح»، دليلا قاطعا على الكارثة التي حلت بهم منذ خمس سنوات، ظل يتحدث دون انقطاع، وهو يحكي كيف انقلبت حياة ابنه إلى جحيم، وأصبح يخجل من الخروج إلى الزقاق للعب من أقرانه، اتقاء لشبهة العدوى، مؤكدا أن آخر طبيب مختص في الأمراض الجلدية، حرر له شهادة طبية، تؤكد أن ابنه مصاب بطفح جلدي تلزمه عناية طبية دائمة وأدوية وكشوفات بمراكش تكلفه أموالا كل شهر.
وليس إسماعيل وحده من يحمل في جسمه آثار عدوان وخيم، هناك 15 طفلا ويافعا على الأقل يعانون أمراضا جلدية مختلفة، يتهمون المشرفين على المطرح الجهوي بالتسبب فيها، دون أن يملكوا أي دليل مادي على ذلك، إذ يرفض الأطباء تحرير شهادات طبية تبين العلاقة بين هذه الأمراض الطارئة على الدوار، وبين السحب العطنة التي تتجول في الليل فوق سماء الدواوير المجاورة.
وتشتد حدة هذه الروائح في فصل الصيف، وخلال اشتغال المراوح الضخمة المبثوثة قرب صهاريح «الإكسيفيا»، ووظيفتها خفض منسوب العصير في هذه الصهاريج، باستعمال تقنية التبخر الإصصناعي، إذ يتطاير رذاذ «العصير»، حرا طليقا، فوق رؤوس المواطنين، حاملا معه أنواع الميكروبات والفطريات التي تؤثر على الرضع وتحد من نموهم الطبيعي.

في بلادي ظلموني

منذ ثلاث سنوات، اجتمع عبد الرحمان بلبشير مع شباب دوار نزالة، وأسسوا جمعية اسم «الرحمة»، عل المسؤولين ينظرون إليهم ذات يوم بعين الرأفة، ويرحموهم من عذاب يومي، حول حياتهم وحياة أبنائهم إلى حجيم، إذ لا حديث هنا إلا عن الروائح الكريهة والأمراض المزمنة التي خلفتها منذ أن قررت الجماعة الحضرية وباقي جماعات الجهة تسييج 182 هكتارا من الأراضي الفلاحية لإنشاء مطرح ضخم يستوعب آلاف الأطنان من أزبال المنازل والنفايات المشابهة والأزبال التي تلفظها المصانع والمستشفيات والفضاءات التجارية الكبرى والمطاعم والفنادق.
«قررنا أن نتحرك لضمان حقنا في الحياة، وأسسنا جمعية تكون المخاطب الرسمي لدى الجهات الرسمية لإسماع صوتنا»، يقول عبد الرحمان الذي قادنا، رفقة ابنه البكر وعضو الجمعية نفسها، في جولة حول محيط المطرح العمومي الذي نبثت قربه وحدة صناعية لتجفيف مياه التطهير السائل تشرف عليها الوكالة المستقلة للماء والكهرباء.
«لا أحد يريد أن يستمع إلينا، أو يأخذ مطالبنا على محمل الجد، رغم معاناتنا اليومية مع الروائح الكريهة التي قيل لنا بخصوصها قبل بداية المشروع إن هناك آليات علمية للتحكم في منسويها، قبل أن نكتشف أن الأمر مجرد كذب وبهتان، والدليل القاطع أمراض العيون والحساسية والأمراض الجلدية التي تصيب سكان الدوار».
يسترسل عبد الرحمان أن الكارثة البيئية تصيب مئات القاطنين بـ32 دوارا تقريبا بقيادة قطارة/المنابهة، منها دواوير أولاد الشيخ وولاد نجيم، والخويمات، والصفصافة، والجبالة ونوهة العقارب والغريب ومريس الرماد والحبيشات، كلهم أسسوا جمعيات وحرروا مطالب للإنصاف وطرقوا أبواب المسؤولين دون أي رد إلى حد الآن.
حين تشتد حدة الروائح وتغلق جميع الأبواب والنوافذ في وجوههم، يجتمع أهالي الدواوير والشيوخ والأطفال والنساء والتلاميذ أمام الباب الرئيسي للمطرح العمومي، ويحملون لافتات وشعارات، وحنارجهم تلهج بأغنية «في بلادي ظلموني»، التي أبدعتها إلترات الرجاء البيضاوي، معتبرين أن كلمات الأغنية فُصلت على مقاس محنتهم.

ســـر الفــــضــــيــــحـــة

لمعرفة كيف وصلت الأمور إلى تخوم الفضيحة، ينبغي أن نعود 11 سنة إلى الوراء، وبالضبط في 2009، حين شرعت الجماعة الحضرية لمراكش في تنزيل عدة إجراءات لمطابقة المطرح العمومي، مع المقتضيات الواردة بالقانون رقم 00.28 بشأن تدبير النفايات والتخلص منها، توج في يونيو 2016 بإغلاق المطرح العشوائي الواقع بجماعة حربيل والشروع في استغلال مطرح جديد مراقب ومقنن (مركز الطمر والتثمين)، شيد بمنطقة المنابهة، وفوضت تدبيره إلى شركة «إيكوميد» لمدة 20 ســـــــنة.
يقع المطرح الجديد، على مساحة 182 هكتارا، أخذت غلبها من الفلاحين وأصحاب الأراضي بمساطر مبهمة، مازالت تداعياتها مستمرة إلى اليوم. ويوجد بجماعة المنابهة، بالضبط بجنوب غرب قرية صفصفة وفي الشمال الغربي لدوار بوبكر على بعد 35 كيلومترا من مراكش. وتصل الشاحنات القادمة من المدينة إلى المطرح باستعمال الطريق الوطنية رقم 7 إلى غاية دوار سرت، ثم عبر الطريق الإقليمية 2002 على مسافة 11 كليلومترا.
وتوقع المسؤولون على المشروع الذي انطلقت الدعاية له، على نطاق واسع خلال استعدادات المغرب لاحتضان قمة المناخ العالمية كوب 22، أن يستقبل المطرح الجهوي حوالي 900 طن، قادمة من عمالة مراكش تتكلف بتجميعها أربع شركات، ثم حوالي 70 طنا أخرى قادمة من الجماعات المحيطة بمراكش في إطار اتفاقيات استغلال.
ومقابل استغلال الشركة للمركز وإنجازه للاستثمارات المنصوص عليها في دفتر التحملات، حدد عقد التدبير لفائدة المفوض له أجرا يحتسب حسب كمية النفايات المودعة في المطرح، على أساس تحديد سعر الطن الواحد في 12.99 درهم خلال السنة الأولى والثانية، ثم يرتفع إلى 24.198 درهما ابتداء من السنة الثالثة.
وبغض النظر عن الكمية المودعة بالمركز، فإن العقد يلزم جماعة مراكش بدفع مقابل مالي سنوي للشركة يتراوح بين 74.29 مليون درهم في السنة الأولى 93.188 مليون درهم في السنة الأخيرة من عقد التدبير المفوض.

مركز فرز لا يشتغل

وظلت أطنان الأزبال منذ 2016، تلقى في المطرج دون معالجة أو فرز، إلى حين الانتهاء من إنشاء وحدة ضخمة للثثمين، جاءت نزهة الوافي، كاتبة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة السابقة، من الرباط إلى مراكش بتاريخ 4 أبريل 2019، من أجل تدشينها رفقة والي جهة مراكش آسفي عامل عمالة مراكش ورئيس المجلس الجماعي لمراكش وعدد من مسؤولي الجماعات المحيطة، والمدير العام لشركة «إيكوميد».
والتقطت، في حينه، عدد من الصور لعمال بملابس موحدة يضعون أقنعة على وجوههم، ويشتغلون في عمليات فرز وتثمين الأزبال، ليتأكد بعد ذلك أن العملية لم تكن سوى مسرحية، انتهت فصولها، مع مغادرة الوفد الرسمي.
ولحد الآن تحول المركز، الذي يقع على مساحة 10 آلاف و629 متر مربع وشيد بغلاف مالي يقدر بحوالي 63 مليون درهم، إلى أطلال، بعد أن سرح العمال، في انتظار تسوية المشاكل المالية مع الجماعة الحضرية، إذ ارتفع المبلغ المالي السنوي من خمسة ملايير إلى سبعة ملايير تقريبا، باحتساب سعر معالجة الطن الواحد.
وللخلاص من هذه الورطة، استنجدت الجماعة الحضرية بالجماعات الحضرية والقروية المحيطة بالمدينة، من أجل تشكيل مجموعة تعاون للنظافة والمطرح، والاتفاق على مسطرة لاقتسام تكاليف الطمر والفرز والتثمين، وهي المجموعة حديثة العهد التي شرعت، قبل أيام، في عقد اجتماعاتها الأولية، في انتظار البحث عن حلول حقيقية وآنية، تعيد تشغيل المركز المعطل، وتحمي السكان المجاورين، نسبيا، من تصاعد الروائح الكريهة من أحواض «ليكسيفيا».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق