fbpx
الصباح السياسي

الاتحاد الاشتراكي في الميزان

 

البرامج السياسية تجمع حول التشخيص والحلول وتداعيات المؤتمر تنعكس على المشهد الحزبي

يبدو أن قدر الاتحاد الاشتراكي ألا يستريح من المعارك التنظيمية. فالحزب، منذ رحيل عبد الرحمان اليوسفي، مع إنهاء تجربة التناوب، لم يأخذ ما يكفي من الوقت ليعيد بناء ذاته. ووجد نفسه يخرج من كبوة انتخابية ليدخل في معركة المؤتمر. السباق نحو الكتابة الأولى قد يفتح الباب مجددا أمام تصدع، بعد تعايش هش، ما بين المؤتمرين ، لم يمر دون أن يجمد ثلاثة أعضاء في المكتب السياسي عضويتهم، ويغضب آخرون بسبب دعم الكاتب الأول، عبد الواحد الراضي، لترشيح فتح الله ولعلو نائبا له.

مخاوف من انعكاسات الصراع الداخلي

أعلن حبيب المالكي، نيته الترشيح لخلافة الراضي، تبعه بعد ذلك أحمد الزايدي، رئيس الفريق النيابي، مدعوما بالمجموعة نفسها التي رشحت أحمد رضا الشامي في وقت سابق، ثم بعد أعلن إدريس لشكر ترشيحه، بوصفه واحدا من الآلات التنظيمية التي تتحرك بقوة داخل الاتحاد الاشتراكي، ويملك امتدادات تنظيمية وولاءات حزبية لا تبارحه. في وقت لاحق، سوف يعلن فتح الله ولعلو ترشيحه بدوره للكتابة الأولى، ترشيح مدعوم بتخلي الأشعري عن الترشح وبتحركات مقربين من ولعلو منذ كان وزيرا للمالية والاقتصاد، ثم أخيرا، عضو المكتب الوطني السابق للشبيبة الاتحادية، محمد الطالبي، يلعن ترشيحا، هو أقرب إلى الترشيح النضالي، بالنظر إلى قوة الأسماء التي توجد على خط السابق نحو الكتابة الأولى للاتحاد الاشتراكي.
بقراءة الخطابات السياسية التي ظل يروج لها المرشحون الأربعة، يتضح أنها تقتسم الدفاع عن فكرة مشتركة، مفادها إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي، واستعادة بريقه الذي خفت بفعل سنوات من المشاركة في الحكومة. المرشحون يتفقون أيضا حول تقييم نقاط الضعف داخل الحزب، ومكامن القصور التي ساهمت في تأزيم وضع الحزب، انتخابيا وسياسيا ودفعت بقياداته إلى اختيار العودة إلى المعارضة حفاظا على ما تبقى من إرث نضالي ورصيد تاريخي استهلك الحزب جزءا كبيرا منه.
هنا بالذات، يطرح السؤال، ما الذي يختلف فيه المرشحون للكتابة الأولى؟ وهم الذين يتقاطعون في التشخيص والحلول والأفق (إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي)، لا شيء حوله الخلاف تقريبا. وهنا يُطرح السؤال بصيغة أخرى، هل سيؤدي التنافس الانتخابي حول الكتابة الأولى إلى تصرع جديد للحزب؟ وما هي حدود هذا التسابق؟ وهي سيخرج منها الاتحاد الاشتراكي قويا منتصرا، أم سينتج مشاكل أخرى وخلافات شخصية؟

تداعيات نتائج المؤتمر على المشهد السياسي

نتائج المؤتمر لن يكون لها تأثير على الحزب فقط، بل سيكون لها على موقع الاتحاد داخل المشهد السياسي. فالحزب الذي يؤمن الجميع، بمن فيه خصوم الاتحاد، أنه حاجة وطنية قبل يكون تنظيما سياسيا، يقود اليوم فكرة توحيد اليسار، في أفق تشكيل الحزب الاشتراكي الكبير، ونتائج المؤتمر التاسع قد يكون له انعكاس على هذه الفكرة التي لم تجد طريقها إلى النور، وظلت حبيسة طموحات يسارية تكبحها الخلافات الشخصية. مبادرات الاتحاد، نحو اليسار، لم تأخذ شكلا علنيا وبقيت على مستوى نقاشات اجتماعات المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي. وبالعودة إلى الفكرة فإنها تبدو مهمة تتطلب نوعا من التحديد والتدقيق، فإعلان الحزب الاشتراكي الكبير يقتضي أولا تحديد طبيعته التنظيمية، إن كان سيتخذ شكل جبهة للاشتراكيين أو تجمع وحدوي، يضمن الحفاظ على الهوية السياسية والتنظيمية، أم تنظيم حزبي فيدرالي، فيما تبقى الصيغة الأصعب هي تذويب باقي الأحزاب في حزب واحد، اشتراكي كبير.
بالمقابل، يفرض الموقع الجديد للاتحاد الاشتراكي، داخل المعارضة، أن يكون الحزب في المستوى، لتشكيل بديل سياسي للتناوب حول السلطة، في حال انحصرت تجربة العدالة والتنمية. ولعله التاريخ يعيد نفسه، لأن الاتحاد قام بهذا الدور، في مارس 1998، حين وصل المغرب مرحلة السكتة القلبية، وإن كانت المؤشرات الحالية تشير إلى أن «الحاجة الوطنية» تنتظره مرة أخرى، ليلعب الدور نفسه، في انتظار ما ستؤول إليه تجربة الإسلاميين في سياق الربيع العربي.

 

الحزب الاشتراكي الكبير.. رهان الاتحاد

كان حضور قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية واضحا في مسيرة «الكرامة» التي دعت إليها المركزيتان النقابيتان، الكونفدرالية والفدرالية الديمقراطية للشغل، وكان إنزال أحزاب اليسار أكبر في هذه المسيرة التي جمعت، لأول مرة، بين مختلف أطياف اليسار في جبهة واحدة، جابت شوارع الدار البيضاء، لتتحول المسيرة من حالة اجتماعية إلى تعبير سياسي في مواجهة حكومة العدالة والتنمية. أطراف أخرى من اليسار وجدت نفسها خارج هذا التحول بفعل موقعها الحالي في الحكومة، من قبيل التقدم والاشتراكية، الذي يشارك في حكومة يقودها الإسلاميون. المسيرة جددت الرهان على قيادة الاتحاد الاشتراكي لتوحيد اليسار، وإن كان الأمر يتوقف على تنازلات متبادلة بين مختلف مكوناته ونكران الذات والتفكير في مستقبل هذا القطب السياسي. بعض المتتبعين رأى في مسيرة «الكرامة» التي دعت إليها المركزيتان النقابيتان، الكونفدرالية والفدرالية الديمقراطية للشغل، المدخل الحقيقي لكل تقارب بين قوى اليسار، بما أن العودة إلى الشارع من شأنها أن تعيد الالتحام بين القوات الشعبية والأحزاب اليسارية التي دافعت منذ نشأتها عن هذه الطبقات الاجتماعية، فالمسيرة أحيت فكرة الحزب الاشتراكي الكبير، قبل أن ترسل إشارات تشكيل جبهة معارضة قوية إلى الحكومة.

إحسان الحافظي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق