fbpx
مقالات الرأي

الصادقي العماري: المرأة الصحراوية في ظل التحولات المجتمعية

كيف استفادت المرأة الحسانية من التحولات المجتمعية؟
أصبحنا نلاحظ تطورا ملموسا في تمدرس الإناث، يصل إلى حد منافسة الذكور، ولعوامل التربية ووسائل الإعلام والعمل المأجور والاحتكاك بالوافدين على المجتمع المحلي دورا هاما في ذلك التحول الذي انعكس على مكانة المرأة بصفة عامة منذ السبعينات من القرن الماضي إلى اليوم، ذلك أنه: “أينما وجدت سياسة يد عاملة وحركة تحضر يوجد خلل عددي ملحوظ بين الجنسين، فيحصل هناك اتجاه إيجابي في مكانة المرأة على الرغم من تعدد العلاقات الممأسسة الموجودة داخل إطار المجتمع التقليدي” ، ولم تعد “البنت” تتربى في أحضان الأم فقط، وتقوم هذه الأم بعملية “تسمين” (لبلوح) مثلا، لأن السمنة في الصحراء تعبير عن الرفاه وعن المكانة الاجتماعية للنساء، حيث يعبرون عن ذلك بقولهم الشعبي: “كلمت لمر كد كعدتها” ، كما لم تعد ترتدي “دراعة” سوداء أو زرقاء بل صار يتقاسم معها تلك التربية المسيد (لمحضرة)، والفضاء العمومي، والمدرسة، والجامعة، وجماعة الأقران، والإعلام (الميديا)، بل أصبحت هناك بعض القيم والسلوكات غير المألوفة في المجتمع الصحراوي من قبيل جلوس الفتاة مع والدها وجها لوجه، أو الكلام معه، أو مع من يكبرها سنا من الرجال، والاختلاط بالذكور والتعامل معهم.
في ظل التطور الذي حصل في التغير الاجتماعي من داخل المجتمع الصحراوي، لا يخفى أن المرأة أصبحت تلعب دورا هاما من داخل المجتمع على جميع الأصعدة، نجدها في التطبيب والهندسة والتعليم العالي والقيادة السياسية، واستطاعت أن تخترق بعض القطاعات التي كانت حكرا علي الرجال كالسياقة في المجال البحري والجوي..، والاشتغال بمؤسسات كان من الصعب الولوج إليها في السابق كالإدارة السجنية، والخروج للعمل في مشاريع خاصة ذات طابع سياحي يعرف بتراث المنطقة، وهو ما عكس صورة ايجابية للرأي العام المحلي والوطني والدولي بخصوص الأدوار الطلائعية المتميزة التي ساهمت في دور المرأة الصحراوية، لتتبوأ المكانة الاستراتيجية للنهوض بمقاربة النوع لاجتماعي بالصحراء.
بالإضافة إلى وجود بعض العوامل التي تساهم في تحديد وضعية المرأة الصحراوية من منطلق المقاربة الكلاسيكية، كعامل المكانة الاجتماعية للعائلة، وتموضع المرأة في نسق دورة الحياة سواء متزوجة، مطلقة، عازية، أرملة..، لكن مع هذا لم يعد واردا اليوم في ظل التحولات الآنية التي نعيشها. أصبحت في سباق مع الزمن لتحقيق طموحها الذي رسمته من أجل تحقيق ذلك و بناء مستقبل مشرق يضمن لها حياة كريمة.
وعلي الرغم من تعدد وتنوع وسائل وآليات الاشتغال لدى المرأة بالجنوب المغربي من أجل الحصول علي المكانة اللائقة داخل المجتمع الصحراوي، تبقي دوما في صراع مع الزمن للتصدي لشتي أشكال التهميش والإقصاء التي تعمل على إسكات صوت المرأة الفاعلة وفرملة عملها الدؤوب من داخل المساهمة في الأدوار الاستراتيجية على المستوي السياسي والثقافي والاجتماعي والديني والاقتصادي.. للحفاظ علي الموروث القيمي للمرأة الصحراوية، وهو ما يعتبره “كلود ليفي ستروس” أن: النساء معتبرات كقيم” ، وإن كانت المرأة البدوية بالصحراء تقوم بأعمال ذات نشاط فاعل في تربية النشء وفي حماية الأسرة بتوفير الغداء، والعلاج، ومساعدة الرجال لخلق منتجين جدد يساهمون في إعادة الإنتاج الاجتماعي والبيولوجي للمكون القبلي، في ظل اقتصاد السوق، استطاعت أن تخرج إلى ميادين العمل المختلفة رغم أن خروجها كانت تطبعه في البداية الريبة والحذر وحتى “العار” أحيانا، نظرا إلى أن التصور التقليدي السائد حول المرأة بالمجتمع الصحراوي يمنع عليها العمل خارج البيت وزوجها وأبوها أو من يعيلها موجود على قيد الحياة، لكن نتيجة الضغوط السياسية والاقتصادية والتحولات في ميدان التعليم والأسرة ووسائل الإعلام و الاتفقات الدولية جعل من خروجها للعمل وممارسة السياسة كالترشح في الانتخابات مثلا معطى مقبول ولو على مضض أحيانا.
بالإضافة إلى أن هناك مجالات أخرى كان للمرأة فيها حضور فعال خاصة مجال الدراسة والتحصيل العلمي والتدريس والتدوين وحفظ القران والمتون ومحاورة العلماء والفقهاء، وفي هذا الإطار عرفت منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب طيلة القرن التاسع عشر الميلادي والنصف الأول من القرن العشرين مجموعه من النساء الحافظات المدرسات مثل: “لآلة النايرة بنت الشيكر السباعية (زوجة العلامة القاضي الشيخ ولد حامني)، كانت فقيهة وعالمة بالأصول والفروع، وكانت تجادل زوجها في الأحكام الشرعية وأمهات الكتب، وهناك الحافظة حبيبة بنت سيدي علي المساوية الركيبية، والفقيهة الخطاطة فاطمة بنت الحاج البشير ولد عبد الحي البربوشي” ، وأم المؤمنين بنت المامي السباعية: كانت صاحبة محضرة (1920م)، والأستاذة فاطمة وبنت محمد الأمين بن أبا حازم الجكني نسبة لقبيلة تجكانت التي أنجبت العديد من العلماء والمشايخ، و التي كانت فقيهة في العلوم الشرعية من جملة المجاهدين الذين أقاموا بجبل كردوس بسوس أيام تولي الشيخ مربيه ربه بن ماء العينين قيادة حركة المقاومة بالجنوب المغربي. ومن الواليات الصالحات: أمنتو بنت يوسف، والعيافة التيدرارينية (ولية صالحه من قبيلة أولاد تيدرارين، يوجد مزارها عند مصب واد الساقية الحمراء، غرب مدينة العيون)، وعائشة بنت أحميدة السباعية، وأم فاطمة الفلالية (ولية صالحه سمي عليها واد أم فاطمة جنوب مدينة طانطان حيث مدفنها)، وشامنة الدليمية وغيرهن كثير″ . كان هذا النوع من النساء هو ذاكرة المجتمع الصحراوي وخزان أرشيفاته الشفوية نظرا لقدرتهن علي الحفظ وحماية الموروث الثقافي، وكذا لحضورهن في المجالس العلمية وارتباطهن بالمحادثة والحكي كعادة يومية.
إن حضور المرأة الحسانية القوي والبارز في مجموعة من الميادين جعلها ركيزة أساسية في بنية المجتمع الصحراوي، سواء زمن الترحال (البداوة) أو الاستقرار(التمدن)، وعلى الرغم مما اعترى حياتها من تحولات وتطورات وتغيرات جمة، فإنها استطاعت الحفاظ على مكانتها واستغلال واستثمار المتغيرات الطارئة حولها، مما ساهم في تقوية حضورها وتعزيز وجودها في مجتمعها الراهن. كون المرأة هي رمز من رموز المجتمع الحساني، وركيزته الأساسية، تستدعي بذلك معاملة متميزة وتستحق الاحترام والتقدير وتحظى بعناية فائقة ومكانة مرموقة، لذلك “تتميز حياة المرأة الحسانية في مجتمعها بالاحترام، والبعد عن الطابع الصدامي وكأنها خلقت للتبجيل والإكرام، “فلا تكلف ولا تعنيف ولا تثريب”.

الصديق الصادقي العماري: باحث في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى