fbpx
ربورتاج

الملائكة تحلق في سماء إسطنبول

مدينة مثل حلوى ״الحلقوم״ كلما تذوقتها طلبت أكثر وجولة في تقسيم وجادة الاستقلال فرض عين

لا يمكن “التهام” اسطنبول في وجبة واحدة، ولا حتى في عشرات الوجبات/الزيارات، إذ تستطيع هذه التحفة الحضارية والتاريخية أن تفاجئك بالجديد في جميع حالات مزاجك، وتمنحك نفسها لتفتحها عدة مرات، دون أن تفقد “لذة” الفتح الأول. فمهما كانت جولاتك وصولاتك وغزواتك لدروبها وساحاتها وأسواقها وحدائقها ومآثرها التاريخية مبرمجة ودقيقة وموجهة، ستجد من يذكرك، دائما، أنك لم تفعل غير أضعف الإيمان، ساردا أمامك لائحة طويلة من الأماكن والمزارات والقصور والأسوار والمساجد والكنائس التي لم تطأها قدماك، دون أن ينسى أن يُقلي لك السم بكلمات من قبيل: “لما شفتيش هاد شي، راك ما شفتي والو أحنيني”.

يوسف الساكت (موفد الصباح إلى إسطنبول)

العاشرة والنصف من مساء الاثنين الماضي. حطت الطائرة القادمة من البيضاء بمطار إسطنبول، أو “إسطنبول هافاليماني”، باللغة التركية. بناء بُويضي الشكل، يشبه مدينة ملاعب ضخمة تتلألأ من بعيد وتضفي جمالية خاصة على منطقة “أرناؤوط كوي” في الجانب الأوربي من العاصمة الاقتصادية.
فعلى امتداد البصر، تنتشر أسراب من الطائرات من مختلف الجنسيات وسط تشكيلات من الأضواء الجذابة، وأخرى تستعد إلى الإقلاع، في مطار ممتد الأطراف بمرافق ومخازن وتجهيزات مختلفة، يصفه رجب أردوغان، الرئيس التركي، بالمشروع “المجنون” الذي يعد لاستقبال 200 مليون مسافر في العشر سنوات المقبلة، وهو عدد لم يصله مطار في تاريخ الطيران المدني.

مطار “مجنون”

في الملصق الأنيق المعلق قرب الدرج الكهربائي، كتبت عبارات ترحيب بجميع لغات العالم، تخبر المسافرين أنهم في حضرة واحد من أكبر المطارات في العالم، لكن في الواقع، الأمر يتعلق بواحد من “أشرس” المطارات في العالم الذي يفتح شهيته، منذ اليوم حتى نهاية 2030 للاستحواذ على حركة الطيران والمسافرين بمطارات إقليمية ودولية حديثة وعريقة كمطار دبي بالإمارات المتحدة وفرانكفورت بألمانيا ومطار هيثرو في بريطانيا فضلا عن مطار باريس، بحكم موقعه الإستراتيجي الذي يربط شرقي الكرة الأرضية بغربيها وشماليها بجنوبيها.
في أغلب الممرات الفارهة لهذا المرفق الضخم، الذي يستريح على آلاف الهكتارات، تستشعر إحساس الفخر الذي يعلو وجوه آلاف الموظفين ببذلات موحدة يشتغلون بنشاط منقطع النظير، ومستعدون في أي ساعة من اليوم لتقديم المساعدة للراغبين فيها دون كلل.

جيش من العمال

في كُتيب صغير موضوع على رف خشبي في باحة استراحة، كُتب باللغة الإنجليزية أن المطار يضم عددا كبيرا من العاملين والموظفين، ومن المفروض أن يصل عددهم، في السنوات المقبلة، إلى 3500 عنصر من أمن الحدود، و1850 من عناصر الشرطة، منهم 750 من ضباط الهجرة، ويؤمن محيط الموقع باستخدام رادار أرضي وكاميرات تلفزيونية ثابتة كل 60 مترا، وكاميرات تكبير/تصغير كل 360 مترا، وكاميرات حرارية وأجهزة استشعار الألياف البصرية في كل 720 مترا.

مترو “غيرت تبه”

كل شيء، منذ البداية، يترك في نفسك انطباعا مختلفا، وأنك في حضرة دولة مختلفة، تخضع لتنظيم دقيق لا مكان فيه للخطأ، وهو التنظيم الذي يمتد إلى خارج المطار، حيث تلسعك نسمات برد قارسة، سرعان ما تشعر بعدها بالدفء، حين تحظى بترحيب الضيوف الكبار من سائق طاكسي أنيق بسيارة صفراء نظيفة مستعد أن يوصلك إلى الوجهة التي تريد بسعر العداد الموضوع في مكان بارز أمام الزبون، ودون احتساب فارق الفترة المسائية.
قرب المطار، يشتغل عدد كبير من سيارات النقل السياحي المصطفة في طوابير طويلة قرب المداخل الأساسية، كما توجد سيارات أجرة بعدد وافر، يمكن للمسافر أن يختارها وسيلة نقل إلى وسط المدينة، أو يميل إلى الجهة الأخرى، قصد استعمال مصاعد توصل مباشرة إلى الطابق الأرضي، حيث توجد خطوط المترو السريع. ويوصل المترو السريع إلى منطقة “غيرت تبه” في مدة زمنية تقل عن 35 دقيقة، ويعبر من 9 محطات توقف على امتداد 37.5 كيلومترا، يمكن أن تستمتع فيها بالقراءة أو متابعة فقرات من برامج تلفزيونية، أو فيلم قصير، أو حتى تصفح هاتفك المحمول الذي يرتبط بشبكة “ويفي” مجانا، شرط إدخال معلومات تخصك.

الطريق إلى “إليت”

عمار، سائق الطاكسي، شاب كردي في الثلاثين من عمره. بلحية سوداء مشذبة على طريقة أبطال الأفلام التركية وشعر مصفف على شكل مثلث معقوف إلى الأعلى. لم ينتظر طويلا، حتى سألني عن جنسيتي، وهي طريقة مؤدية، تفتح شهية الكلام والحديث و”التقشاب” الذي يتميز به أغلب سائقي سيارات الأجرة من الحجم الصغير.
قال لي عمار إن الجو بارد هذا المساء على غير المعتاد قد يصل إلى درجة واحدة تحت الصفر، ربما تنزل الثلوج بكثافة في المناطق الجبلية المحيطة بإسطنبول، ثم استأذنني في الضغط على زر رفع الحرارة في السيارة، دون أن ينسى تنبيهي بضرورة شد أزرار المعطف، ووضع قبعة صوفية قبل النزول، خوفا من نزلة برد.
الطريق السيار الدائري من المطار إلى فندق “إليت وورد أوروب” بمنطقة مرمرة، شبه فارغة إلا من بعض شاحنات التصدير الذي تتجه إلى مناطق الحدود أو الموانئ، أو القادمة منها، وهي توجد بأعداد كبيرة ملفتة للانتباه، كما هيأت السلطات المحلية بإسطنبول لسائقيها ومساعديهم استراحات صغيرة بجنبات الطريق مجهزة بكافيتريات ودورات للمياه.
مازالت سيارة الأجرة تذرع الطريق السيار الالتفافي الذي يخترق أغلب مناطق وأحياء إسطنبول،
وهي (الطريق) جزء من شبكة متطورة ومنظمة من الطرق تخفف حركة السير في مدينة مليونية (حوالي 20 مليون نسمة دون احتساب عدد السياح بالآلاف).

طرق عنقودية

تشهد أغلب الطرقات توسعا مستمرا وأشغالا لا تنتهي، وهي تصل المدينة من ناحية الشرق بأنقرة وأدرنة، كما يوجد طريقان سريعان يحيطان بالمدينة، يسمى الأول “حزام اسطنبول الداخلي” ويستعمل للتخفيف من الاختناق المروري وتسهيل إندماج آلاف السيارات والشاحنات والحافلات والمركبات الأخرى، أما الآخر الأحدث، فهو “حزام اسطنبول الخارجي”، ويُستغل للتخفيف من زحمة السيارات الداخلة إلى المدينة أو العابرة منها. ويشكل جسر البوسفور الواقع ضمن الحزام الداخلي، وجسر السلطان محمد الفاتح الواقع ضمن الحزام الخارجي، صلتي الوصل بين الجانب الأوربي والآسيوي من البوسفور، كما توجد جسور صغيرة أخرى (جسر غلطة، جسر أتاتورك، وجسر الخليج..) تسهل حركة المرور السلس، دون اكتظاظ ملاحظ حتى في أوقات الذروة.
ووحدها الطرق الدائرية والإلتفافية والجسور والقواطع والممرات والمخارج، تشكل تحفة فنية في حد ذاتها، إذ تتحول رحلة من المطار إلى الفندق إلى لحظة استمتاع لا يقطعها سوى إجراء مقارنة بليدة مع الموجود “هنا”، لكن سرعان ما تنتشلك أضواء العلامات التجارية الضخمة من هذا الامتحان العسير.
كل شيء هنا يعطيك دليلا قاطعا أن اسطنبول مدينة النشاط التجاري والصناعي والثقافي والخدماتي بامتياز، إذ يخيل لك أنك تتجول في “مول” كبير من العلامات التجارية العالمية (التركية المنشأ) التي تعلو بأناقة واجهات العمارات الشاهقة ذات الطراز الهندسي البديع.
قال لي عمار إن هناك أكثر من 180 علامة تجارية فقط في قطاع الملابس الجاهزة بمختلف أنواعها ولجميع الأعمار، لها شركات ضخمة وواجهات عرض وعمارات و”مولات” خاصة بها، دون الحديث عن العلامات الأخرى في قطاع النسيج والتجهيز المنزلي. كان عمار يتحدث وأنا أتطلع من زجاج النافذة إلى أسماء العلامات الضخمة التي تعلو الواجهات والألوان والأضواء التي تضفي على القلعة العثمانية مسحة خاصة، سرعان ما “تتواضع” حين تمر سيارة الأجرة من قرب القلاع التاريخية الضخمة التي تشكل حصون المدينة القديمة.

“تقسيم ميداني”

من الفرائض الكبرى لزيارة إسطنبول القيام بجولة في ميدان تقسيم وبعض الشوارع والأزقة المتفرعة عنه. وإن لم تفعل، فتكون زيارتك باطلة، يستحب إعادتها في المرات المقبلة. ولا يعتبر ميدان تقسيم فقط مجرد محطة رئيسية للمترو، بل رمزا لإشعاع مدينة بحمولة حضارية وتاريخية وثقافية كبرى، وهمزة وصل بين طفرتها السياحية الهائلة، وبين الحياة اليومية لأغلب الأتراك الذين يعشقون ساحة احتضنت أغلب نضالاتهم واحتجاجاتهم منذ الستينات.
في الأصل، كانت “تقسيم” عبارة عن نقطة تجميع خطوط المياه الرئيسية من شمال إسطنبول وتفرعها إلى أجزاء أخرى من المدينة في عهد السلطان محمود الأول في العصر العثماني (ومن هنا جاء الاسم).
كما يمكن أن تشير كلمة “تقسيم” إلى نوع من المقامات الموسيقية الارتجالية التركية الكلاسيكية. من المباني الهامة الأخرى التي كانت تقف على الساحة في القرن التاسع عشر ثكنات تقسيم للمدفعية التي أصبحت في ما بعد ملعب تقسيم، لكنها هدمت في 1940 أثناء أعمال بناء المنتزه القائم مكانها حاليا. نحن في مركز الساحة، وبالضبط قرب مدخل النفق المؤدي إلى خطوط “المترو”، حيث يبدو الميدان مثل محور تحيط به العلامات التجارية الكبرى لوكالات السفر والفنادق والمطاعم والحانات، وسلاسل الوجبات السريعة الدولية والمحلية، كما توجد به أكبر الفنادق في اسطنبول مثل “إنتركونتيننتال” و”ريتز كارلتون” و”فندق مرمرة”.
من المكان نفسه، يمكنك أن تشاهد، أيضا، مركز أتاتورك الثقافي ودار الأوبرا والمقر القديم للتلفزيون، ثم بداية عدد من الشوارع والجادات المزينة بالأضواء والمصابيح على مدار السنة، وأهمها شارع الاستقلال.

في حضرة السلاطين

من المدينة القديمة، انطلقت أولى جولات “الصباح” في الصباح. فقبل أن أودع عمار، صاحب الطاكسي، طلبت منه انتظاري أمام الفندق في الحادية عشرة صباحا، وهو الوقت الذي انهي فيه عملا خاصا.
بين الفندق بمنطقة مرمرة والمدينة القديمة المطلة المتاخمة لميدان تقسيم، حوالي 14 كيلومترا، وصلنا إليها في نصف ساعة تقريبا، بسبب زحام المواصلات. في تلك الأثناء، اقترح علي عمار الاتصال بأحد أصدقائه لمرافقتي في جولة سريعة وسط القلاع والمساجد والمتاحف، ثم تناول وجبة غداء، على أن يعود إلى المكان نفسه بعد ثلاث ساعات.
بعد خمس دقائق، يصل الصديق الذي يتحدث بلغة عربية متقطعة. في لحظة، بدا لي أنه يشتغل بقطاع السياحة، أو أنه، على الأرجح، “فوه كيد”، إذ شرع في سرد عدد من المعطيات عن المكان، مقترحا أن نبدأ الزيارة الخفيفة بقرب أسوار وأبواب قصر “التوب كابي”، أو قصر الباب العالي، مفسرا ذلك بأن الزيارات ممنوعة أيام الثلاثاء. وظل قصر “التوب كابي”، على مدى 400 سنة، واحدا من رموز الخلافة العثمانية، كما يوجد فيه المتحف الإسلامي الذي يحتوي على العديد من الآثار الإسلامية التي حملها سلاطين من الدول العربية والإسلامية التي وصلوا إليها في فترات متفرقة.
كان الصديق مستعجلا، وينظر إلى هاتفه المحمول بتوتر كأنه ينتظر مكالمة أو رسالة نصية مهمة، وحين لاحظ بأني انتبهت إلى توتره، رفع رأسه إلى الأعلى وقال لي إنها صومعة جامع السلطان أحمد والمعروف باسم الجامع الأزرق، مقترحا أن نقترب منه لمشاهدة الخزف الأزرق المميز على جدرانه الداخلية، وكذا قبابه الست، وهو المسجد الذي يضم هذا العدد الكبير من القباب في اسطنبول، ما يضفي عليه مسحة خاصة.

شاي وحلوى

غير بعيد عن المسجد، تبدو معالم ساحة هيبودروم التي كانت موقعا للسباقات أيام الرومان، وبالضبط في عهد الإمبراطور قسطنطين، كما تضم أسوار المدينة القديمة أيضا مزارات أخرى استقطبت عددا من السياح منها متحف جامع أيا صوفيا، ثم خزان البزايليك، أو ما يعرف بحوض الكاتدرائية، أو القصر المغمور تحت الأرض والسوق المغطى الكبير الذي يحوي آلاف المحلات التجارية المتراصة في أزقة شبه ضيقة تغص بالزبناء.
في زاوية صغيرة من السوق نفسه، اقترح علي الصديق تناول وجبة غداء خفيفة عبارة عن شرائح شوارما معطرة ببهارات محلية، وقال لي إنه مطعمه المفضل منذ سنوات، ما بدا فعلا حين تبادل العناق مع صاحبه، وألقى السلام على أغلب مستخدميه.
قبل أن ننهي وجبة الغداء المرفقة بحلويات “الحلقوم” التركية الشهيرة (هدية من المحل مع كأس شاي في كوب خاص)، رن هاتف “عمار” الذي طلب مني الاستعداد إلى الذهاب في جولة بميدان تقسيم.

استقلال “كاديسي”

أطول شوارع اسطنبول وأشهرها على الإطلاق، وأكثرها إقبالا من قبل السياح والأتراك، إذ يتجول فيه، يوميا، زهاء ثلاثة ملايين شخص، على امتداد ثلاثة كيلومترات تنطلق من ساحة تقسيم إلى برج غلطة، وتخترقه سكة طرامواي قديم يستعمل، إلى حدود اليوم، لأغراض سياحية، كما يضم في وسطه تمثالا لمؤسسي الجمهورية التركية، وميدانا لمصطفى كمال أتاتورك.
تنتشر على جنبات شارع الاستقلال مئات المحلات التجارية والمطاعم التي تقدم الطبخ التركي، والمتاحف الصغيرة وفضاءات التسويق الكبرى ذات العلامات التجارية العالمية، كما يتميز بمحلات بيع الحلوى التركية المحلية، لكن أهم ما يشد الانتباه هو الأزقة المتفرعة عن الشارع، إذ تتحول بدورها إلى شوارع صغيرة قد يستغرق منك التجوال بها ساعة ونصف على الأقل.
شارع الاستقلال هو أيضا مركز جذب ثقافي وتاريخي، إذ يحضن دور السينما التاريخية، مثل أطلس ووبيوغلو وكنائس سانتا ماريا وسانت أنطوان والممرات التاريخية والمعارض الفنية ومقرات القنصليات والمتاحف، مثل متحف البيرا ومكتبة “باندورا” التي تضم أمهات الكتب التركية والعثمانية والوثائق القديمة في جميع الحقب، وتصيبك رهبة المكان بمجرد الاقتراب منها.
وسيقودك سفرك إلى الشارع حتما إلى واحد من أشهر الممرات، وأعني ممر الزهور، وهو من الممرات التاريخية الشهيرة بهندستها المعمارية البديعة. وسمي بهذا الاسم لأن النساء الروسيات كن يبعن فيه الزهور بعد ثورة 1917. ويحتوي الممر، إلى اليوم، على عدد من المطاعم والمقاهي ومصانع النبيذ، وما تبقى من مسرح تعرض في وقت سابق إلى حريق “غامض”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق