fbpx
مقالات الرأي

محمد الراشدي: لماذا يلجأ التلاميذ والتلميذات إلى تعاطي المخدرات؟

على إثر “مقطع الفيديو” الذي انتشر مؤخرا على شبكات التواصل الاجتماعي فيسبوك بمدينة بني ملال، والذي يتعلق بظاهرة اجتماعية بدأت تتزايد بين صفوف المتعلمين الإناث، وهي ظاهرة تعاطي المخدرات، حيث أصبحت وضعية بعض المؤسسات التعليمية – في ظل غياب رقابة الأسرة والمجتمع وجمعيات آباء وأمهات التلاميذ بالمؤسسات التعليمية – تدعوا للقلق في ظل تنامي هذه الظاهرة، وخاصة أننا أمام فئة تشكل بؤرة المجتمع، إنهم شباب وشابات اليوم ونساء ورجال المستقبل والجيل الذي يراهن عليه. ومع تنامي هذه الظاهرة لابد من الوقوف على بعض الأسباب التي تؤدي إليها، وقبل الحديث عن هذه الظاهرة وجب تفكيك كل ما يدور في فلكها، وأول شيء ينبغي الوقوف عنده هو الأسرة والمدرسة، كيف هي علاقتهما بالمتعلمين؟ كيف نربي؟ كيف نعلم؟ ما هي التربية الناجحة؟ كيف تحولت المدرسة من مؤسسة يعهد لها بحسن تربية النشء وتعليمه إلى مكان لتشريب الظواهر الاجتماعية المعتلة؟ هل فشلت منظومة التربية والتعليم بكل برامجها وبيداغوجياتها في امتصاص مراهقة المتعلمين؟ ألم تعد الأنشطة المدرسية الموازية تستجيب لسيكولوجية المتعلمين؟ لماذا أصبحت قريحة المتعلمين متعطشة للتذمر وتعاطي المخدرات؟ من الذي ساهم في استلاب عقول المتعلمين وذوبان هويتهم؟ لماذا لم تعمل الوزارة الوصية على إدماج المساعد الاجتماعي داخل المؤسسات التعليمية؟
eleves
لقد طرأت تغيرات وتحولات كبيرة على المجتمع المغربي في ظل الانتشار الواسع للعولمة الثقافية التي مست مختلف جوانب الحياة المجتمعية، حتى منظومة القيم لم تسلم من هذه التحولات، حيث ظهرت نتيجة الثورة التي أحدثتها التكنولوجية الحديثة على وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي، الشيء الذي تغير معه نظام التنشئة الاجتماعية، فلربما التصنيف والترتيب الذي عهدناه لمدة طويلة حول وسائل التنشئة لم يعد يتناسب مع غليان المجتمع وتغيره، فقد أصبحنا أمام ظواهر جديدة أفرزتها طبيعة الحياة وسرعتها، فالأسرة والمدرسة ووسائل الاتصال كوسائط في التنشئة لا تسير بنفس السرعة، فقد طرأت على الأسرة تغيرات بنيوية ووظيفية مع ظهور الاقتصاد المعولم والسوق المفتوح ونظام التشغيل بالعقود..الخ الشيء الذي جعل التواصل يقل بين أفراد الأسرة ناهيك عن شبكات التواصل الاجتماعي التي قلصت الوقت وجعلته غير كافي لمواجهة تحديات الحياة المختلفة، دون إغفال نمط الأسرة الذي تحول منت أسرة ممتدة إلى أسرة نووية، كل هذه العوامل ساهمت في تدهور وتراجع وظائف الأسرة، أما بالنسبة للمدرسة فزمن التعلمات أصبح نمطي يشكل عبئا على المدرس والمتعلمين، المدرس أصبح دوره في ظل البداغوجيا الحديثة مقزما نتيجة التراكم الذي يعرفه المنهاج الدراسي، فهو يصارع الزمن من أجل تنزيل الجذاذات وفق ما تقتضيه طبيعة المادة والدرس، والقيام بأدوار سيكوسوسيوتربوية في ظل هذا التراكم المنهجي والبداغوجي يبقى صعب إن لم نقل مستحيل، أما بالنسبة لوسائل التواصل الاجتماعي فهي تستنزف وقتا كبيرا تتأرجح بين الإدمان والاستلاب لدى بعض المتعلمين، دون الحديث عن ذوبان الهوية وتلاشيها بسبب ضعف التقدير الذاتي والتذمر نتيجة الأوضاع النفسية التي يعيشها بعض المتعلمين. حيث يبقى الحل والمتنفس الذي يجده المتعلم في سن المراهقة ويحتمي به، هو اللجوء إلى تعاطي المخدرات بوعي أو بدون وعي اعتقادا منه بأنه سيخلصه من المشاكل، ففي اللحظة التي يشرب فيها المخدرات يحس بالنشوة ويبدو له العالم جميل، ولكنه في الوقت ذاته يلعن الواقع لماذا لا يوفر له كل ما يريده، فتتحول النشوة إلى تذمر ذاتي نتيجة الضعف على مستوى التقدير الذاتي، فالشخص المقبل على تعاطي المخدرات يبحث عن ملاذ لضعفه فهو منهزم نفسيا ومنعزل اجتماعيا ومنكسر شعوريا وإذا لاختار طريق أخر غير التدخين الذي يجعله يشعر بنشوة عن طريقها يتضخم عنه الإحساس بالهوية الجماعية، خاصة إذا كان الأقران يمارسون نفس السلوك فإنه إعلان عن الانسجام والانغماس معهم في لذات قد لا يجدها مع أقران آخرين وخاصة إذا كان الجو حميميا مع فتيات يعد الجلوس معهن ثورة وانتصار على الذات – لأنها غير محظوظة في هذا المجتمع – وعلى المجتمع – لأنه لم يساعده على سلوك الطريق الصحيح للتعبير عن هويته.
ففي ظل هذا التطور الكاسح لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من الضروري على الآباء والأمهات وجمعيات آباء وأمهات التلاميذ بالمؤسسات التعليمية والطاقم التربوي من مدرسين وإداريين أن يغيروا من أساليبهم التربوبة لأن النشء لم يعد يستشعر الأساليب القديمة في التربية، ومن خلال احتكاكي ببعض المدرسيين اكتشفت أن المدرس الناجح هو الذي يمسك العصا من الوسط ليس باللين الذي يعصر ولا بالصلب الذي يكسر، وهذه الطريقة تكلم عنها أرسطو. فالتربية الصحيحة تختلف مدلولاتها حسب نظم وسياق المجتمع التاريخي والفكري والثقافي، فالتربية السليمة عند روسو هي ترك الإنسان يعيش على سجيته لأن كل ما يخرج من يدي خالق الإنسان حسن وكل شيء يفسد بين يدي الإنسان، بمعنى أن إصلاح التربية ينتج لنا مواطن صالح. غير أن دوركايم عالم الاجتماع الفرنسي يرى أن التربية خاضعة لقوانين المجتمع ومفروضة عليه وما على الإنسان المتعلم إلا الالتزام بقواعد المجتمع، حتى في ظل التغيرات التي تمس أنماط الأسرة ووظائفها، وبالتالي فالمجتمع قهري وسلطته إلزامية، بحيث يقدم لنا المجتمع كآلة لأنه يخلق أفرادا نمطيين وفق الإيديولوجية السائدة داخل المجتمع ، ولعل المنظومة التربوية اليوم تعيش تشنجا في أدوارها، ووضعيتها اليوم شبيهة بالمثل الشعبي الذي يقول” الحنة حرشة والحناية عمشة والعروسة فيها بوهزهاز” الكل له نصيب من المسؤولية وفق ما تمليه قواعد المجتمع، الأسرة مسؤولة المدرسة، الشارع، المجتمع المدني، وسائل الإعلام…الخ
الإشكال الذي تعاني منه منظومة القيم اليوم هو الاستيراد على شكل قوالب جاهزة للاستهلاك تجعل المتعلم الهش يتشرب الثقافة بشكل خاطئ، ففي الوقت الذي تسود فيه شعارات تدعي الحرية الفردية في ضرب صارخ للهوية والعادات، حتى القيم المشتركة أصبحت تتراجع لصالح الفردانية، لم تعد التربية شأنا اجتماعيا بل فرديا في ظل نزعات العنف المتكررة على المدرسيين، وعلى المتعلم أن يعيش حريته الفردية التي تسبر قريحته وتختبر ذكاءه فهي الكفيلة بجعله يحس بإنسانيته.

محمد الراشدي: مساعد اجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى