fbpx
مقالات الرأي

لمسهل: ضرورة الانتقال من دولة القانون إلى دولة مجتمع القانون

تردد في الآونة الأخيرة مصطلح دولة القانون على لسان مجموعة من الأكاديميين والسياسيين كهدف تسعى الدولة المغربية للوصول اليه ، وهذا يتطلب تسليط الضوء على هذا المفهوم وإمكانية تطبيقه في المغرب . فمن المعروف تاريخياً أن مصطلح “دولة القانون” ظهر في نهايات القرن التاسع عشر في ألمانيا في زمن تكوين الوحدة القومية الألمانية في عهد بسمارك. وكان الهدف منها يتجه أساساً لتدعيم مركزية الدولة، إضافةً لعقلنتها وحسن سيرها. ولم يكتس مفهوم دولة القانون بعده الليبرالي إلا فيما بعد.
وقد أخذ الفقهاء يميزون بين مصطلحين متناقضين للتعبير عن مضمون دولة القانون. هذان المصطلحان هما: “دولة البوليس” (دولة الضبط الإداري تحديداً) و”دولة القانون”. فدولة البوليس، هي التي تمتلك سلطة (إدارة) غير مقيدة لمواجهة الأوضاع المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتخذ القرارات والأوامر والتدابير (التقديرية) اللازمة كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك مما يعني بأنها تشكل تهديداً للحقوق والحريات العامة، باعتبارها غلبت ضرورات السلطة على ضمانات الحريات والحقوق العامة، أما دولة القانون فهي التي تقيد نفسها بنظام قانوني (تشريعي بالمفهوم العام) .
وأصبح مفهوم دولة القانون بمفهومه الواسع يعني تلك الدولة التي تقيم التوازن بين ضرورات السلطة وضمانات الحقوق والحريات العامة، لأن تغليب ضرورات السلطة يؤدي إلى الاستبداد، وتغليب ضمانات الحقوق والحريات العامة يؤدي إلى الفوضى، أي أن دولة القانون هي شعار سياسي ونظرية دستورية هدفها تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وهذا التنظيم يتم من خلال إيجاد علاقة متوازنة بين طرفي العلاقة، فالحاكم كأحد طرفي العلاقة وممارس للسلطة يرغب بتغليب ضرورات ممارسة السلطة، والمحكومين باعتبارهم الطرف الآخر لهذه العلاقة يرغبون بتغليب ضمانات الحقوق والحريات العامة، ولكن ضرورات ممارسة السلطة تتجلى من خلال التقييد الوارد سياسياً وقانونياً على الحقوق والحريات العامة، في حين أن ضمانات الحقوق والحريات العامة تتجلى من خلال التقييد القانوني والسياسي للسلطة.
أما دولة مجتمع القانون فهي عكس تماما، حيث انها تعتمد في وضع القانون على المجتمع بنفسه مرورا من المحطات البرلمانية في وضع ومناقشة القوانين إلى محطة المجتمع من خلال الحوار المجتمعي العمومي وعبر المجتمع المدني والخبراء والمختصّين الذين يستمع لهم في اللجان البرلمانيّة، وقد تعود إلى المجتمع في نهاية المطاف للاستفتاء عليها إذا كانت محلّ خلافات وانقسامات.
لذلك كلّما كانت الممارسة الدّيمقراطيّة متطوّرة عبر النّقاش العمومي والرّقابة المجتمعيّة العامّة والضّغط الشّعبي وقوّة الاقتراح التي يعبّر عنها كلّما كان المجتمع بكلّ أطيافه وقطاعاته مساهما في تكييف القوانين وتعديلها وتطويرها، بل إنّ حملة وطنيّة واعية ومنظّمة ومعبّأة على شبكات التّواصل الاجتماعي يمكن أن تسقط قانونا أو تضغط لتعديله أو تساهم في نقاشه، وبالتالي الحياة سياسيّة بدون مجتمع مدنيّ وأحزاب وهيئات ومنظّمات تنضّج الوعي السياسي والحسّ المواطني في عقول المجتمع سنكون بالتالي أمام دولة القانون لا دولة مجتمع القانون، إذ كانت أحزابنا قصّرت في القيام بدورها وانشغلت عنه بصراعاتها فلا يعني هذا نهاية الأحزاب من حيث هي فضاءات للتنمية السياسيّة والتّأطير والتدريب وتشكيل الوعي وبناء القدرة على تشخيص الواقع وفهم علله ومعضلاته وإبداع البرامج والحلول لمعالجتها، لذلك يجب الانتقال إلى دولة مجتمع القانون من اجل تفعيل الممارسة السياسية وتحقيق الانتقال من الرقابة إلى المشاركة والاقتراح القوانين وتعزيز رؤية المجتمع لحاجياته وتطلعاته، ونكون بالتالي حققنا فكرة هروب المجتمع إلى القانون لا الهروب منه.

شعيب لمسهل: باحث في القانون والعلوم الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى