fbpx
تحقيق

المعركة الديمغرافية… الحرب الأخرى في نزاع الصحراء (2/2)

الجزائر لن تحسم قضية الصحراء لصالحها من الخارج لذا تلعب ورقة النزعة القبلية في الجبهة الداخلية

يقدم هذا التحقيق رؤية أخرى إلى النزاع بين المغرب وبوليساريو، فأكثر من ثلاثة عقود كانت كافية لتحقيق عملية تكيف جديدة للصراع، تجعل التحولات القبلية والديمغرافية ورقة جديدة في إدارة الصراع المفتعل.
تحقيق يشكل تجاوزا لما هو متداول، ويبحث عن الدولة في منطقة القبيلة.

تغير الواقع الصحراوي في المخيمات كثيرا، منذ توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة بوليساريو سنة 1991، ومعه تغيرت البنية الديمغرافية بالمنطقة. منذ هذا التاريخ تحركت الكثير من الرمال تحت أقدام بوليساريو، وبعودة كبار قادة الجبهة إلى المغرب، تحولت فكرة الاستقلال إلى علامة تجارية تدر الأموال والمساعدات الدولية. فالقضية تحولت إلى أصل تجاري، ورثه حتى بعض الانفصاليين من «بوليساريو الداخل»، إذ أن دقيقة من شريط مصور بالعيون، مثلا، يظهر شبابا يحملون علم «بوليساريو» أو يكتبون على الجدران شعارات انفصالية، تكلف أموالا إرسال المشهد إلى مسؤولين مكلفين بالتسويق الإعلامي.

بين المغرب وبوليساريو… حراك يقابله إحباط سياسي

تدرك قيادة الجبهة، اليوم، هذا المعطى جيدا. يقول الحسين بيدا، معتقل سياسي سابق لدى بوليساريو، وعضو بالمجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية (كوركاس): «قيادة الجبهة تعلم اليوم، أن أمور المفاوضات نفسها قد تنفلت من يدها بسبب هذا المعطى الديمغرافي، لأن الخطر على بوليساريو لم يعد منحصرا داخل المخيمات، بل أصبح يأتيها من داخل المغرب نفسه، فالشباب المقيم بمدن الجنوب، والحراك الذي انخرط فيه تعبيرا عن مواقف سياسية، قد تكون انفصالية، بات يخيف بوليساريو من إمكانية اقتسام الشرعية التمثيلية للقضية، هذا الواقع يعقد مهام بوليساريو في المفاوضات مع المغرب، لأن مجموعة من الشباب، أصبحت رقما في معادلة المفاوضات، وحتى إن قبلت بوليساريو بالحكم الذاتي، فهي قد ترفضه، لأنها تكتسب شرعية نضالية».
هذا الواقع الميداني المتقد، يقابله إحباط سياسي لشريحة عريضة من الشباب في المخيمات، دفع بعضهم إلى الارتماء بين أحضان التنظيمات الإرهابية، التي تنشط بالمنطقة، والبعض الآخر إلى التهريب والارتباط بشبكات الاتجار في المخدرات العابرة للمنطقة، بينما اختارت فئة ثانية الاستقرار بالخارج. هذه المعطيات لا تبتعد كثيرا عن مضمون رسالة سربها موقع «وكيليكس»، متوصل بها من لدن خارجية واشنطن، ومحررة في العاصمة الموريتانية نواكشوط سنة 2007، تحت رقم مرجعي 09NOUAKCHOTT24.
الرسالة تتحدث عن زيارة للمحجوب السالك، زعيم تيار بوليساريو-خط الشهيد، المعارض لقيادة الجبهة. أقر السالك للأمريكيين بأن «75 في المائة من الصحراويين لا تتجاوز أعمارهم الـ35 سنة، ولدوا في المخيمات»، كما اعتبر أن الأغلبية «محبطة سياسيا من الطريقة التي ينتفع بها رئيس البوليساريو عبد العزيز لنفسه من الوضع الراهن..». يقول المعارض السياسي للجبهة، حسب الوثيقة، «بعض زملائي كانوا يمتلكون عشرين رأسا من الأغنام في بداية المرحلة، والآن يمتلكون خمس سيارات تويوتا نتيجة لبيع مواد مساعدات الأمم المتحدة الموجهة للاجئين و خاصة التهريب المتزايد للمخدرات»، كما أن «الجيل الجديد من الشباب الصحراوي، المتضرر من السياسة الحالية، يتحول بطريقة متزايدة إلى أنشطة غير قانونية ويرتمي من اجل المال في أحضان أي كان بما في ذلك تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

النسخة المغربية لتجربة بوليساريو

بالعودة إلى تأثير التحولات الديمغرافية في نزاع الصحراء، يقول القيادي في قيادة بوليساريو: «في منتصف السبعينات هاجر ثلثا سكان الصحراء إلى المخيمات. طيلة هذه الفترة بنى المغرب إستراتيجيته في المنطقة على النوع الموجود فاختار (أهل الرشيد) ممثلين للصحراويين، أي استنساخ نسخة من قائد بوليساريو (الولي مصطفى السيد). لعله الخطأ نفسه الذي وقع فيه الإسبان من قبل». في اعتقاد هذا المسؤول فإن «قبيلة أتهالات كاملة تشكل نسبة 2.1 في المائة، من مجموع  الرقيبات، وهي بذلك تمثل أقل من 1.2 في المائة، من سكان الصحراء الأصليين، ينضاف إليهم أهل بيد الله المنتمية لأعراش أولاد الشيخ (لميسات)، ثم أولاد الشيخ ماء العينين الذين كانت تربطهم علاقات مع المغرب قبل حرب الصحراء».
قد يبدو هذا التحليل قلبيا إلى أقصى حد، لكنه مع ذلك يعكس نظرة مختلفة إلى واقع السياسة التي يتبعها المغرب في إدارة الصراع مع جبهة بوليساريو حول الصحراء. هنا يقدم هذا القيادي قراءة أخرى لطبيعة الموجات الانفصالية التي تنشط داخل مدن الصحراء المغربية، ويبحث لظاهرة «انفصاليي الداخل» عن أجوبة في الإستراتيجية التي اعتمدتها الرباط. «لقد دعم المغرب هذه الفئة بسكان واد نون الذين هم الامتداد الطبيعي للمغرب داخل الصحراء. لكن، ونتيجة لأن قاعدة سكان الصحراء تعتمد على عنصر الرقيبات، لم تنجح السياسات المغربية في كسب ولاء السكان الأصليين، ولا توفير ظروف جيدة للسكان الذين قدموا من مدن الداخل، لروابطهم التاريخية بالصحراء، و بدأت نسبة منهم تنقلب على الدولة المغربية بتحريض من الجزائر بهدف خلق مشاكل داخلية للمغرب، وهم اليوم قاعدة الانفصال داخل الأقاليم الجنوبية أي الشباب من أصول واد نون». من وجهة نظره فإن «غالبية قبائل «تكنة» تتحدر من منطقة واد نون، وهو الرقم الذي أصبحت الجزائر توظفه في حركات العصيان داخل الأقاليم الصحراوية (شباب تكنة) تحت ذريعة أن قبائلهم إذا لم تحقق مصلحة باسم نزاع الصحراء فإنهم سيبقون محرومين».
تشير الأرقام التي حصلت عليها «الصباح» إلى أن سكان «الحدود المغربية الصحراوية»، موضوع النزاع، وهم من قبائل تكنة، لهم امتداد داخل الأراضي الصحراوية، خاصة قبائل إزركيين وأيت لحسن بنسبة معتبرة (17,8 في المائة) من سكان الصحراء، لكن غالبية أفراد «تكنة» يقطنون منطقة واد نون، وتوظفهم الجزائر اليوم في تأجيج الحركات الانفصالية بداخل مدن الجنوب. هذا ما يؤكده وجود بعض الأسماء، التي تتحرك من خارج منطقة النزاع ولوائح الأمم المتحدة الخاصة بسكان الصحراء، لكنهم الأكثر نشاطا وتأثيرا في القضية اليوم، من بينهم أمينتو حيدار ومحمد سالم التامك.
تعليقا على هذا الوضع، يقول أحد القياديين السابقين بجهة بوليساريو، قبل عودته إلى المغرب منتصف التسعينات، «إن على المغرب اليوم أن يبحث بعمق مع أهل الصحراء الصادقين في حل المشكل القائم، يببحث داخل الجسم الصحراوي عن حلفاء أقوياء كما عملت الجزائر، فماذا سيحصل إذا فرط المغرب في 2 في المائة من سكان الصحراء مقابل كسب أضعاف هذه النسبة؟». إن بقاء الوضع التمثيلي داخل المنطقة على ما هو عليه، يضيف هذا القيادي، الذي رفض الإشارة إلى اسمه، «يعيق تقدم المغرب في كسب قضية الصحراء، وستبقى للجزائر التي لن تستطيع حسم قضية الصحراء لصالحها من الخارج، دائما مواضيع للمزايدة مستغلة الخلل الحاصل في الجبهة الداخلية للمنطقة».

الورقة الديمغرافية بين المغرب والجزائر

من هذه الأرقام ومن المعطيات الديمغرافية والتاريخية، فإن سكان الصحراء يتوزعون أربع مجموعات، سكان «الحدود المغربية الصحراوية» وهم تكنة ولهم امتداد داخل الأراضي الصحراوية،  وسكان الحدود الجزائرية الصحراوية، ويتشكلون من قبائل الفقرة ولحسن وحماد وسلام وسلالكة وأولاد سيد أحماد وأهل سيدي علال. هؤلاء يشكلون نسبة 25 في المائة من مجموع الرقيبات، وغالبيتهم يحملون الجنسية الجزائرية ويملكون عقارات داخل الجزائر، ومنهم موظفون داخل الإدارة الجزائرية، يستفيدون من المساعدات الإنسانية بسبب تأطيرهم داخل المخيمات، ووضعيتهم تشبه وضعية سكان مخيمات الوحدة داخل الجنوب المغربي. ثم هناك مجموعة ثالثة تتألف من سكان الحدود الموريتانية الصحراوية وغالبيتهم من أولاد موسى وأولاد أدليم وامتدادات القبائل الموريتانية داخل الصحراء. أمام المجموعة الرابعة فهي سكان وسط الصحراء، من قبائل لبيهات وأسواعد وأولاد داود وأولاد الشيخ وأولاد موسى واتهالات ولموذنين والجنحة ولعيايشة وقاسم إبراهيم وأولاد طالب وأولاد بورحيم . وهؤلاء يشكلون نسبة (37 في المائة) من مجموع سكان الصحراء، بالإضافة إلى العروسيين وأولاد تيدرارين.
المجموعة الثانية (سكان الحدود الجزائرية الصحراوية)، باتت تؤرق جبهة بوليساريو، لأن نفوذها يتزايد، كما أن ولاءها للجزائر أكثر منه لجبهة بوليساريو، علاوة على أنهم يشكلون عيون الجزائر داخل المخيمات، فمنهم من يصوت في الانتخابات الجزائرية، ويحمل صفة لاجئ في مخيمات تندوف، وقد يكون إغراق المخيمات بهذه الفئة السبب الحقيقي وراء رفض الجزائر فكرة إحصاء سكان المخيمات، كما نصت عليها قرارات الأمم المتحدة بشأن النزاع، لأن من شأن ذلك أن يكشف حقيقة ديمغرافية لا تخدم النظام الجزائري الذي يغذي النزاع.
في ظل هذه المخاوف، ماذا فعلت الجزائر؟ هذا السؤال يجيب عنه قيادي سابق في جبهة بوليساريو، يقول: «الجزائر لديها نسبة معتبرة من سكان الصحراء المحصيين، غالبيتهم تحمل الجنسية الجزائرية مما يخول لهم ممارسة حياتهم الطبيعية داخل المجتمع الجزائري، بالإضافة إلى الدعم الذي يتلقوه بحكم تأطيرهم مع اللاجئين في المخيمات، وهي أفضلية لن يتخلوا عنها، لأنها توفر لهم امتيازا أكثر مما يوفره المغرب، كما أنهم مسيطرون على مركز القرار في الجبهة، وهم حلقة الوصل بين الصحراويين والجزائر، لأن هذه الأخيرة ترى فيهم الضامن لمصالحها الإستراتيجية في الصحراء». بالمقابل، بنى المغرب إستراتيجيته في المنطقة على النوع الموجود فاختار (أهل الرشيد) لتمثيل الصحراويين، وبذلك فهو يستنسخ تجربة قائد البوليساريو (الولي مصطفى السيد)، رغم أن هذا الاختيار يؤاخذ عليه أنه يأخذ بعين الاعتبار المعطى السياسي أكثر من المعطى القبلي والديمغرافي، فمنطق الدولة يختلف عن نهج القبيلة بكل تأكيد، فهو صراع بين القبيلة والديمقراطية.

إنجاز: إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى