تحقيق

حروب “السيراميك” … الحقيقة الغائبة

«الصباح» تكشف خبايا وخلفيات الصراع و واقع حماية المنتوج الوطني

لا تهدأ حرب “السيراميك” بين المصنعين المحليين، المنضوين تحت لواء الجمعية المهنية لصناعات “السيراميك” (أبيك)، والمستوردين، الممثلين في الجمعية الوطنية لمهنيي الصيراميك (أبيزا)، إلا لتشتعل من جديد، وتستعمل في هذه الحروب كل الوسائل من أجل تغليب طرف كفة أحدهما على الآخر.
يستعين أرباب الوحدات الصناعية بالمغرب بالإدارة من أجل إرساء الحواجز أمام تدفق الصيراميك المستورد، إذ يتهمون المستوردين بالإضرار بالصناعة المحلية وبالقضاء على مناصب الشغل ويطالبون الإدارة، إثر ذلك، بضرورة تفعيل آليات الحماية التجارية التي يخولها القانون لحماية الصناعة المحلية.
لكن المستوردين يتهمون أصحاب الصناعات المحلية بتقديم معطيات مغلوطة من أجل الحفاظ على وضعيتهم في السوق وامتيازاتهم التجارية، ولا يقدمون أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وهكذا، فإن كل فئة تعتبر مطالبها مشروعة يتعين على السلطات الاستجابة لها لرفع الحيف الذي يطولها جراء ممارسات الطائفة الأخرى. فأين تكمن الحقيقة؟ وما هي خلفيات هذا الصراع؟ وماهي الضوابط التي تحكم قطاع “السيراميك”؟ أسئلة وأخرى حاولت “الصباح” البحث عن أجوبة عنها لاستجلاء معالم الحقيقة.

وهم المنتوج الوطني

تقدمت “أبيك” بطلب لوزارة الصناعة والتجارة، خلال 2015، من أجل تفعيل تدابير الحماية التجارية للمنتوج الوطني الذي تضرر من عمليات إغراق السوق التي ينهجها المستوردون. لكن جمعية المصنعين المحليين سحبت الطلب في دجنبر 2017، بعدما تبين أن المصدرين الإسبان والإيطاليين لن يظلوا مكتوفي الأيدي وسيدافعون عن مصالحهم لدى المنظمة العالمية للتجارة، بالنظر إلى أن الحماية التجارية مؤطرة بقوانين دولية.
وتوصل طرفا النزاع إلى إيجاد صيغة توافقية، والغريب في هذا الاتفاق أن أرباب الصناعات المحلية طالبوا المستوردين بتقليص حجم وارداتهم، خاصة تلك المصنعة من العجين الأحمر، المادة الأولية المخصصة لإنتاج الصنفين الثاني والثالث من منتوجات “السيراميك”، ما يعني أن الصناعات المحلية تنتج أصنافا ذات مستوى جودة أدنى ولا تستجيب لمعيار “إيزو 13006″، الذي يخص منتوجات الدرجة الأولى من الجودة.
وتبين من خلال جولة “الصباح” في بعض محلات “السيراميك” أن هناك منتوجات محلية الصنع من المفروض ألا يسمح بتسويقها لأنها خارج كل معايير التصنيف، لكنها تباع تحت مرأى ومسمع الجميع وكأن المراقبة تهم فقط المنتوجات المستوردة، ما يطرح السؤال حول دور مديرية حماية المستهلك ومراقبة الأسواق والجودة، التي يبدو أنها تحولت إلى آلية لحماية مصالح لوبي صناعة “السيراميك” بالمغرب.
الأدهى من ذلك أن ما يسمى بالصناعة المحلية، التي يتهم أربابها المستوردين باستنزاف العملة، وتحاط بحماية مشددة من قبل الإدارة، تستورد جل موادها الأولية من الخارج، فأي فرق بين هذه الوحدات والشركات المستوردة؟ سبق أن صرح رئيس جمعية “أبيك” أن الصناعات المحلية تستورد من إسبانيا، فقط، ما قيمته 50 مليون أورو من المواد الأولية سنويا، وتفيد معطيات أنها تستورد من إيطاليا مبلغا مقاربا، عبارة عن مواد أولية وآليات، كما أنها تستورد، إضافة إلى واردات أخرى من البرتغال، وما لا يقل عن 35 مليون أورو من غاز “بروبان”، ما يجعل حجم وارداتها يتجاوز ما يؤديه المستوردون على مقتنياتهم من الخارج، فعن أي صناعة وطنية يتحدثون؟
إن المخاوف التي يعبر عنها أرباب الصناعات المحلية بشأن الأضرار التي تتسبب فيها واردات “السيراميك” للصناعة الوطنية ولمناصب الشغل التي توفرها، إنما هي في الحقيقة، كما جاء ذلك في خطاب العرش الأخير، مخاوف عن مصالحهم الشخصية.

“إيزو 13006″ و”كوباك”

تتهم الصناعة المحلية المستوردين بجلب منتوجات لا تحترم شروط الجودة وطالب أرباب الصناعات المحلية بفرض معايير للجودة من أجل مواجهة المنافسة الأجنبية. وتقرر اعتماد معيار للتصنيف “إيزو 13006″، الذي وضع مجموعة من الشروط التي يتعين توفرها في منتوجات “السيراميك” لتسويقها في السوق المحلي. وتم إعداد المواصفات وتحديد المعطيات التقنية والخاصيات التي يتعين توفرها في المنتوج للحصول على “إيزو 13006” من قبل اللجنة التقنية التابعة للمنظمة الدولية للتقييس (ISO)، التي تعتبر فدرالية عالمية لهيآت التقييس بالدول الأعضاء.
ويمكن لكل دولة، إذا أبدت اهتمامها بدراسة خاصة بأحد المعايير، أن تكون عضوا في اللجنة التقنية المشكلة لهذا الغرض. ويخص معيار “إيزو 13006” منتوجات الصيراميك، إذ يحدد مجموعة من المواصفات التي يتعين توفرها، وتهم هذه المواصفات منتوجات الصنف الممتاز أو الخيار الأول، أي منتوجات ذات جودة عالية وتتوفر على كل الشروط التقنية وضوابط السلامة عند استعمالها من قبل المستهلكين.
وأصبح، بعد اعتماد “إيزو 13006 “، إلزاميا الاستجابة للمواصفات المحددة بشأن هذا المعيار لتسويق منتوجات “السيراميك” في الأسواق المغربية، ما يعني أن منتوجات الخيار الأول هي المسموح بتسويقها في الأسواق المغربية.
وتخضع المنتوجات ذات الصنع المحلي لمعيار “كوباك” (GUPAC)، الذي يتشكل اسمه من الأحرف الأولى لسبع مواصفات تخص الانزلاق، والتلف الناتج عن المشي، والخدوش التي يسببها تحريك الأثاث أو سقوط بعض الأشياء مثل الأواني، وقدرة الامتصاص، ومقاومة المواد الكيميائية، وتوضع حروف وأرقام أمام كل صفة تحدد درجة مقاومة المنتوج لكل واحدة من الصفات المحددة في المعيار. لكن توجد في الأسواق منتوجات لا تحمل أي معلومات بهذا الشأن، ما يطرح التساؤل حول تقاعس السلطة المكلفة بالمراقبة، علما أن هذه المنتوجات محلية الصنع لأنها لا يمكن أن تستورد من الخارج في غياب هذه المعطيات.

أسلحة الصناعات المحلية

وظف أرباب الصناعة المحلية مجموعة من الأسلحة في مواجهتهم للمستوردين، من أبرزها الجودة والتلاعب بالأسعار لإغراق السوق والتسبب في نزيف العملة، بالنظر إلى أن الواردات تؤدى بالعملات الأجنبية، لكنهم لم ينجحوا في تحقيق أهدافهم، ولجؤوا إلى أسلحة أخرى لوضع حواجز أمام تدفق الصيراميك الإسباني والإيطالي بوجه خاص.

هيأة التقييم وسؤال الحياد

تنص المادة 20 من القانون رقم 24.09 على أنه إذا تطلب الأمر الاستعانة بخدمات إحدى هيآت تقييم المطابقة من أجل التأكد من مدى استجابة منتوج معين لمتطلبات السلامة، يتعين اللجوء إلى هيأة معتمدة من قبل الإدارة لهذا الغرض. وتحدد المادة 21 من القانون ذاته الشروط التي يتعين توفرها في هيأة التقييم للحصول على الاعتماد من قبل السلطات المختصة، من ضمنها ضمان الاستقلالية والحياد في اتخاذ القرارات تجاه أي مقاولة أو مجموعة من المقاولات في مجال الإنتاج أو الاستيراد والتسويق.
وأفادت مصادر مهنية في تصريح لـ”الصباح” أن هناك مختبرين أساسيين معتمدين لتقييم المطابقة بالنسبة إلى منتوجات “السيراميك”، ويتعلق الأمر بالمختبر العمومي للتجارب والدراسات ومركز تقنيات ومواد البناء، وإذا كان المختبر الأول لا يطرح أي إشكال بالنسبة إلى مسألة الحياد، باعتباره مختبرا عموميا تابعا للدولة، فإن ضمان الاستقلالية والحياد بالنسبة إلى الثاني يظل محط تساؤل.
بالرجوع إلى المعطيات المتوفرة في السجل التجاري والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، نجد أن رئيس فدرالية مواد البناء هو في الوقت ذاته رئيس المجلس الإداري للمختبر الذي يكلف بإجراء اختبارات المطابقة على “السيراميك” المستورد، علما أن الجمعية المهنية لصناعات “السيراميك”، التي تمثل الصناعات المحلية، توجد ضمن أعضاء المجلس الإداري لفدرالية مواد البناء وكذا المجلس الإداري للمختبر.
وهكذا يصبح الحياد والاستقلالية المطلوب توفرهما في مركز تقنيات مواد البناء غير مؤكدة، بالنظر إلى أن أحد أعضاء مجلسه الإداري يعتبر طرفا في النزاع مع المستوردين الذين ترسل منتوجاتهم لهذا المركز من أجل تقييم مطابقتها للمعايير. وتظل صلاحية تحديد المختبر في يد مديرية حماية المستهلك ومراقبة الأسواق والجودة.
ويتحمل المستورد تكاليف الاختبارات، علما أن القانون رقم 24.09 ينص في المادة 35 على أنه يجوز للإدارة المختصة، عند وجود منتوج له مميزات من شأنها أن تحمل على الاعتقاد بوجود خطر ما، أن تشترط لتحرير المنتوج المعني بالأمر إجراء مراقبة على نفقتها وداخل أجل معقول يأخذ بعين الاعتبار نوعية المنتوج، وإذا أثبتت المراقبة وجود خطر يلزم المستورد بإتلاف المنتوج أو إرجاعه على نفقته داخل أجل تحدده الإدارة، كما يتعين عليه أداء مصاريف عملية التقييم المنجزة. وهكذا يتضح أن المستورد لا يكون ملزما بأداء تكاليف التقييم إلا إذا ثبت أن المنتوج لا يستجيب لمعايير السلامة. وأكد مستوردون أنهم يتحملون هذه التكاليف في كلتا الحالتين، كما أنه لا يلزم المختبر أو الإدارة بأي مدة محددة للاختبار كما ينص على ذلك القانون.

قرار على حين غفلة

لم تنفع المعايير التي وضعتها الإدارة والشروط المشددة من الحد من واردات “السيراميك”، نظرا للجودة العالية التي يتميز بها على المنتوجات المحلية، ما يجعل الإقبال عليه مرتفعا. ووضعت مديرية حماية المستهلك ومراقبة الأسواق والجودة، كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا، سقفا أدنى للسعر المصرح به محددا في درهمين و 50 سنتيما، لإقرار مراقبة تلقائية وحجز عينات وإرسالها إلى المختبر لتقييم مواصفاتها ومدى استجابتها للمعيار “إيزو 13006”.
وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن سعر “السيراميك” يتحدد بالمتر المربع وليس الكيلوغرام، في حين أن معيار المراقبة محدد بالكيلوغرام ! وأوضحت مصادر مهنية أن وزن المتر المربع يتراوح بين 18 كيلوغراما و20، حسب صنف المنتوج، وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذا المعطى، فإن “السيراميك” الذي يقل سعره عن 50 درهما للمتر يوجه بشكل تلقائي إلى تقييم المطابقة من قبل المختبر الذي تحدده الإدارة. وإذا علمنا أن سعر المنتوج المحلي يتراوح، حسب الجمعية المهنية لصناعات “السيراميك” (أبيك)، بين 45 درهما و 50 للمتر المربع، نستخلص أن السقف الأدنى لإجراء المراقبة التلقائية حدد بناء على أسعار المنتوج المحلي.
لكن الإدارة لم تكتف بذلك، إذ قررت على حين غرة رفع سقف المراقبة التلقائية من درهمين و 50 سنتيما للكيلوغرام إلى أربعة دراهم، ابتداء من فاتح يوليوز الماضي، دون إشعار المستوردين، علما أن المادة 33 من القانون رقم 24.09 تلزم الإدارة المختصة بمراقبة السوق بتنسيق مع الإدارات الأخرى المكلفة بمراقبة السوق واستشارة جمعيات حماية المستهلك والمهنيين. وهكذا أصبحت منتوجات “السيراميك”، التي يتراوح سعرها بين 72 درهما للمتر المربع و 80 تخضع للمراقبة التلقائية. وأدى هذا القرار الفجائي إلى حجز أزيد من 500 حاوية، مع ما يعني ذلك من تكاليف إضافية للمستوردين، وكل ذلك بدعوى حماية المنتوج الوطني.

آليات المراقبة

يعهد القانون رقم 24.09، المتعلق بسلامة المنتوجات والخدمات، إلى وزارة الصحة المراقبة والسهر على احترام مقتضيات هذا القانون، وتتكفل مديرية حماية المستهلك ومراقبة الأسواق والجودة التابعة للوزارة، بتنفيذ مقتضيات القانون. وتحدد بمقتضى دوريات ومذكرات معايير معينة من أجل مباشرة التحقيقات في المنتوجات المعروضة أو التي يراد عرضها في السوق بناء على المواصفات المحددة لكل منتوج.
وتباشر المديرية مراقبة “السيراميك” المستورد بشكل تلقائي عندما يقل السعر عن درهمين و50 سنتيما للكيلوغرام وتتجاوز الكميات المستوردة 50 طنا.
وتجدر الإشارة إلى أن المديرية تتمتع بصلاحيات واسعة، إذ لا يمكن تخليص المنتوج المستورد من الجمارك إلا بعد الحصول على تأشير بمطابقة المنتوج للمعايير والمواصفات المحددة في “إيزو 13006″، وهي التي تحدد هيأة تقييم المطابقة، التي ستتكفل بإجراء الاختبارات الضرورية للتأكد من مدى مطابقة المنتوج لمتطلبات السلامة.

القطاع بالأرقام

يوفر قطاع صناعة “السيراميك” المحلية أزيد من 4500 منصب شغل مباشر و2500 منصب بطريقة غير مباشرة، ما يرفع العدد الإجمالي لمناصب الشغل المحدثة إلى 7 آلاف منصب شغل. وحقق الفاعلون في القطاع، خلال السنة الماضية، رقم معاملات تجاوز 3.5 ملايير درهم. وتتوفر الصناعة المحلية على طاقة إنتاجية تصل إلى 100 مليون متر مربع، ويختلف حجم الإنتاج حسب تطور الظرفية، إذ يظل النشاط مرتبطا بتطور أداء قطاع البناء والإنعاش العقاري.
ويتوزع السوق بين المنتوجات ذات الصنع المحلي والمستوردة من الخارج، خاصة من إيطاليا و إسبانيا، لكن الصناعات المحلية تهيمن على حصة الأسد من السوق، إذ تسيطر على 80 % من الطلب الداخلي، تتقاسمها ثماني وحدات صناعية، استفادت من عدد من الإجراءات الحمائية ضد المنافسة الخارجية، إذ استفادت من حماية جمركية ما بين 2006 و 2010، بهدف منحها فترة انتقالية من أجل إعادة التأهيل والاستعداد للمنافسة، لكن الصراع الحالي بين المصنعين المحليين يعكس الهشاشة التي ما تزال تعانيها الصناعة المحلية، علما أن عدد الوحدات الصناعية المهيكلة تقلص من 14 وحدة إلى ثماني وحدات، حاليا، وما تزال المنتوجات محلية الصنع تعاني المنافسة الأجنبية، إذ أن أسعارها لا تتمكن من مجاراة أسعار المنتوجات المستوردة.
وما تزال هذه الوحدات تطلب من الدولة إقرار تدابير حمائية من أجل الحد من الواردات والحفاظ على الصناعة الوطنية ومناصب الشغل التي توفرها.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق