مقالات الرأي

الفرفار: الحمار في الخطاب السياسي … سوء فهم ام سوء توظيف

عبد ألإله بنكيران رئيس الحكومة السابق في حديثه مع مؤيديه يحكي لهم واقع الحال ما بعد مرحلة رئاسة الحكومة.
حديثه خلف الكثير من التفاعل لاسيما موضوع التقاعد الاستثنائي و الذي اعتبره اغلبية المتفاعلين في فضاءات التواصل الاجتماعي و في النقاشات العامة و الخاصة ريعا سياسيا بامتياز .
عشرة ملايين و سيارة فارهة , اعتبرها بنكيران منحة من الملك , في موقف ربما يكون ماكرا حين اعتبر ان التطاول على شخصه ليس تشهيرا بالممنوح له , لكنه سوء تقدير للمانح , و هي إشارة أراد من خلالها تصدير أزمته إلى الملك , او على الأقل الاختباء وراء وقار الملك حتى ينعم بتقاعد مريح .
الموضوع فتح ( الفعل مبني للمجهول ) و صعب ان يغلق لأنه يتعلق بأكثر الأمور حساسية عند المغاربة : المال , حين يتعلق الأمر بالمال فدرجة التعاطي مع الموضوع تصبح انفعالية و في غالب الأحيان متشنجة !
في معرض حديثه تطرق الى قصة ذات دلالة بالنسبة اليه , قصة التشبيه الغريبة لتوصيف حالته المالية بعد انتهاء عمله كرئيس حكومة يعيش عطالة – حب تصريحه – أن و ضعه المالي يتحدد في منزلة ما بين البغل و الحمار !
توصيف الوضع المالي الجديد حسب رئيس الحكومة السابق هو منزلة بين المنزلتيين , ليس كما هو الحال في الأصل الخامس من أصول المعتزلة , في موقف واصل بن عطاء بخصوص الموقف الفقهي من مرتكب الكبيرة و وضعه بين الإيمان و الكفر ؟
المنزلة بين المنزلتين في التصور الكيراني هو تحديد الوضع المالي و المحدد بين حدين , البغل و الحمار .
التوصيف أثار موجة سخرية عارمة من طرف رواد التواصل الاجتماعي و في النقاشات العمومية اغلبها ردود فعل ساخرة .
قيمة التصريح ليس في منطوقه و لكن في المسكوت عنه , فيما لم يقله التصريح و لكن فيما حاول إخفاؤه , فاللغة حسب دوكرو تخفي أكثر ما تصرح .
تصريح بن كيران يشكل إساءة لحيوان وجد من اجل الآخرين , إلاساءة للحمار و تفضيل للبغل و هو تصريح بالغ الأهمية , لأنه يتيح لنا أرضية لتفكيك الخطاب السياسي لرجل اعتبر زعيما ملهما لدى أنصاره .
سنة 2004 اصدر الباحثان دينس فيلدنج وبول ستاركي كتابا بعنوان ” الحمير و السياسة و التنمية ” خلاصا فيه إلى ان السياسة الدولية مؤسسة على مجموعة من التصرفات المستوحاة من العالم الحيواني حيت هناك دول تفترس كالأسود وأخرى تمكر كالثعالب وثالثة تصبر وتُظلم كالحمير .
التصريح يكشف مدى صوابية أطروحة أن الحمير البشرية هي من تدفع الثمن حتى على المستوى الدولي , وهو أمر يقود الى نفس النتيجة على المستوى الوطني و المحلي , مادام رئيس الحكومة كان يتصرف بمنطق تنفيذ ما يؤمر به من طرف صناع القرار المالي العالمي .
تصريح ابن كيران يكشف قصورا في التفكير و محدودية في النظر حين اعتبر البغل أهم من الحمار في سلم الترتيب الحيواني, و هو تصور مؤسس على منطق التبخييس و الاحتقار لحيوان وجد من اجل الآخرين لاسيما بالعالم المنسي و المغرب العميق .
بالقرى و المداشر وحده الحمار السند الحقيقي للفلاح , فهو يحرث الأرض و يجلب الماء و ينقل المتاع و يدرس المحصول , ويعتبر وسيلة التنقل حين تنعدم المواصلات في المسالك الوعرة .
التصريح يعكس جهلا كبيرا بالفكر السياسي حول قيمة الحمار الذي يعتبر في الخطاب الشعبوي رمز للبلادة و يشكل أداة للإساءة و التشهير , و هو امر يشكل النقيض التام لدى الحزب الجمهوري الذي جعل من الحمار رمزا سياسيا و شعارا له لأكثر من 190 عاما ..
سنة 1828 المرشح الأمريكي أندرو جاكسون اختار الحمار رمزا لحملته مرفوقا بجملة “لندع الشعب يحكم” . من اجل توجيه رسالة إلى الناخب الأمريكي ان الحزب الديمقراطي هو الأكثر صبرا و تحملا .
ا لرسالة التي أراد المرشح الديمقراطي توجيهها من خلال شعار الحمار , هو ان الحزب هو الأكثر وفاءا و الأكثر صبرا و تحملا لمشاكل الإنسان الأمريكي , في مقابل الحزب الجمهوري الذي جعل الفيل الضخم رمزا له , اشارة الى القوة المالية للحزب .
ان يتم الاستخفاف بالحمار و الاساءة اليه , فهو مؤشر على سوء فهم لوظيفة حيوان صبور يعمل و لا يحتج مثله مثل المواطن البسيط .
اظافة الى القيمة السياسية للحمار لاسيما في التجربة الامريكية , نجد الحمار حاضرا في كافة الاعمال الفكرية و الادبية الكبرى :
المفكر اليوناني ابوليوس في عمله المسرحي “الحمار الذهبي” يحكي قصة رجل تحول بفعل السحر إلى حمار، وتصوير حياته وما يعانيه على أيدي البشر الذين تعاقبوا على امتلاكه ما بين واحد اشتراه، ولصوص سرقوه و هو عمل يكشف العلاقة المعقدة و السادية التي تربط الانسان بالحمار المظلوم .
هدا العمل سيعيد قراءته المفكر السياسي الايطالي ميكافيلي حيت يصف مشاعر الا نسان الذي تحول الى حمار و التقى بصديق له تحول الى خنزير و الذي رفض العودة الى العالم الانساني القاسي حيت المعاناة و الظلم و العنف فيقول: إن الخنزير لا يعذِّب خنزيراً، وحده الإنسان يقتل إنساناً آخر , ويعذبه وينهب خيراته .
في كليلة و دمنة نجد الحمار ذلك الحيوان المظلوم في قصة الحمار و الأسد و ابن اوى : عندما يسأله ابن آوى عن سبب هزاله: فأجابه الحمار لسوء تدبير صاحبي، فإنه لا يزال يجيع بطني ويثقل ظهري، وما تجتمع هاتان الحالتان على جسم إلا أنحلتاه وسقمتاه..

حتى الفلسفة انصفت الحمار و اعتبرته حيوانا يجيد اتخاذ القرارات الصائبة من خلال حكاية حمار بوريدان ، وهي قصة حمار و ضع تحت تجربة لمعرفة مدى صوابية قراره : حيت منع الطعام و الماء عن الحمار لمدة طويلة و بعد ذلك و ضعوه بين دلوين، أحدهما مليء بالماء والآخر بالشعير. فلم يتردد الحمار لحظة، إذ توجه أولاً إلى الماء ليشرب، ومن ثم إلى الشعير ليأكل، وهي اشارة الى أهمية الماء أولا مما يكشف ذكاء الحمار كحيوان يفكر ؟؟

أما العمل الروائي الأكثر أهمية في التطرق إلى دور الحمار فهو المتضمن في رواية جورج أورويل ” مزرعة الحيوان ” , حيت يلعب الحمار دور الحيوان الغير المهتم بما يدور حوله ليس لأنه لا يفهم , او انه حيوان غبي لكن لأنه حيوان فهم قواعد اللعبة و تصرف بمنطق ذكي , من خلال عدم الخوض فيما لا يعنييه !
جورج اوريل انتصر للحمار , في حين ابن كيران انتقص و استهزأ من حيوان أنصفه الفكر و الأدب و السياسة و الفلسفة .
فالحمار هو حيوان مناضل , كان على ابن كيران أن يستقرأ الذاكرة المغربية في مقاومة الاستعمار الفرنسي و كيف ساهم الحمار في نقل العتاد , و كيف كان بجانب المقاومين, وهو أفضل كاشف حي للألغام، يسير أمام المقاومين لكي يهيئ لهم الطريق.
فالحمار و ان كان في المخيال الشعبي هو رمز للغباء فهو مظلوم وهو شبيه بوضع الإنسان البسيط الذي يعمل في صمت حتى و ان كان متألما , عكس تمجيد الفيل و الأسد , الحيوان التي تلتهم و تقتل و تفترس و بالمقابل تمدح ؟
ابن كيران في تصريحه الاستهزائي بالحمار الصبور كان ضحية المنطق الشعبوي الذي ينظر إلى من يعمل بازدراء و سخرية و بالمقابل يمدح من لا ينتجون , و ربما اعلن امامهم الاستسلام و رفع الراية البيضاء عبر شعار عفا الله عما سلف ؟؟؟
تصريح ابن كيران يكشف ان هناك تشابها بين الحمار و المواطن العادي , الكثير من العمل الكثير من الصبر الكثير من المعاناة و النتيجة معاناة لا تنتهي و تشهير و إساءة ؟
التصريح حول وضعية الحمار في النسق السياسي المغربي ليس مجرد كلمات مرحة لكنها رسائل عميقة تكشف الشفرة الخفية و الغير المعلنة كيف كان يفكر رئيس الحكومة في المستضعين , كونهم مجرد حمير مهمتهم حمل أتقال هذا الوطن لكي يرتاح من لا ينتجون ؟؟

الفرفار العياشي: دكتوراه في علم الاجتماع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق