مقالات الرأي

عبير الشارف: هكذا يريدونني … بكماء لا تنطق

يريدونني أن أقول نعم، و أوافق على كل ما يقولونه لي و يعلمونه لي، و لا رأي لي فيما يقررون و يدسترون، فهم دائما على صواب و أنا دائما على خطأ؛ بل الأدهى من هذا، أنا دائما في نظرهم ناقصة علم و دين؛ و لا يجب أن أقول لهم لا أو أنكر عليهم فعلهم هذا.
منذ صغري، خططوا لي و برمجوا لي – من غير إرادتي – زوجا على مقاسهم، جميلا قبيحا، كبيرا صغيرا،… لا يهم؛ المهم أنه أعجبهم، شغلهم الشاغل تأسيس أسرة لابنتهم، مكونة من بنات و بنين؛ لأن الأطفال في نظرهم رمز على خصوبتي و ثقل وزني في هذا المجتمع؛ فما قيمة المرأة في أعينهم إلا الأطفال و لا سيما الذكور منهم و الألوان الوردية و الحمراء؛
لم أكمل دراستي – و إن كنت متفوقة يومها – و زوجوني في السادسة عشر من عمري؛ و لم يأبه أحد بإرادتي لأنه زوج ثري؛ و إن كان يكبرني بثلاثين سنة؛ المهم أرادوني أن أصبح أما و صرت و أرادوني أن أصبح زوجة و كنت؛ لا قيمة لرأيي بين الرأيين..
صرت أما / صرت زوجة مثقلة بالأطفال، قبل أن عطي فترة طفولتي حقها من المرح و فترة شبابي حقها من الطيش؛ لقد زاد وزني و ها أنا ذا أبدو أكبر من عمري بكثير.. ما زلت عند السادسة عشر، و لكن عيني تجولتا كثيرا في الزمن.
زوروا الأوراق الرسمية و أخذوا مهرهم و وضعوا خاتما في إصبعي و زغردوا لي و قدموني قربانا له؛ أحسست حينها أني مجرد بضاعة أم بائع يبيعها و مشتري يدفع ثمنها؛ بكماء لا تنطق.
أوصتني أمي عند خروجي من عتبة البيت، بعدما تسلموا النقود و الذهب مهرا، هامسة في أذني الوصايا العشر، إياك يا ابنتي أن تعصي له أمرا، أو تكثري عليه من الشكوى، و لا تبخلي عليه من الدلال، فإن بخلت جعل بينك و بينه جفوة؛
سرعان ما اكتشفت أنني زوجته الثانية، الاختيار الثاني بعدما كانت الاولى في الاربعينات من عمرها؛ أتأرجح بين زوج يكبرني سنا و بين أطفال يلهون حجرا و بين رغباته و رغباتهم تتقاذني أمواجا و أنا ما زلت ألهو خلف رغبتي التي فطمت منها قسرا.
لطالما كان زوجي – الذي لم أحبه يوما – يدخل ثملا و يبرحني ضربا، إذ لطالما انتهى بي المطاف مغماة علي ، فحتى أتفه الرجال و أكثرهم ضآلة يرون انفسهم اشباه آلهة أمام أية امرأة!
كما قلت سالفا، أصبحت أما ، لابنة ، فرحت و فرح معي زوجي و أهله؛ و سرعان ما تلاشت ببنت ثانية ثم ثالثة و رابعة، بعدما هجرني و هددني بالطلاق في حالة ابنة خامسة، و مع ذلك صبرت؛ أصبحت آلة تلد البنات، مما جعل المجتمع ينظر إلي بعار، كجرم أرتكبه و لا دخل لي فيه؛ كنت أسب و أشتم بسبب ذلك؛ و كان كل من العائلتين و الجيران و الأصدقاء، يقذفونني بكلمات و جمل و عبارات كالحجارة الصلبة؛ و تعامل بناتي الخمسة كحمل ثقيل أكثر مم عوملت والدتهم؛ فبعد ولادتي السادسة لولد، خف الحمل على عاتقي ، فقد كانت منجاي من الطلاق؛
أصبحت أما لستة أطفال في مدة قصيرة.
أعلم أن الأمومة أعظم هدايا الحياة ، ليس أما بمجرد الانجاب بل بتعلم الامومة التي هي أمر ليس بالهين و خاصة في حالتي هذه، إذ أصبح عمري أكبر من سني؛ أما زوجي فأصبح رجلا هرما لا يقوى على الحركة أو التفكير في مصير أولاده، فلم يكن هذا همه كباقي المجتمع؛ إن تململ تململ نحو المقهى و إن قصر اشتكى أوجاعا؛ أما أنا، فقد أردت أن يكون أطفالي الستة واعين و أن يلتحقوا بالمدارس، لكي لا تكون البنات مثلي ولا يكون الولد كأبيه، لكنه الواقع، و الواقع لا يرفع؛ ماذا تفعل أم ضعيفة جاهلة محبطة محطمة أمام ستة أطفال و ماذا يفعل زوج هرم خرف بعد أن أصبح من العمر عتيا؛ ماذا تنتظر من أم تشرق و أب يغرب و فارق الأجيال بينهما يشتت أكثر مما يوحد.

عبير الشارف: طالبة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق