fbpx
مقالات الرأي

معراج الندوي: روح التسامح في الإسلام

التسامح هو أحد المبادئ الإنسانية والدينية يمثل فضـيلة مدنيـة وضـرورة سياسـية وأخلاقيـة واجتماعيـة. التسامح هو أن نتحمل عقائد غيرنا وأعمالهم مع كونها باطلة في نظرنا، ولا نقول فيها ما يؤلمهم رعاية لعواطفهم وأحاسيسهم. التسامح هو الموقف الإنساني المثالي الذي جاء به كل الأديان والشرايع السماوية. والتسامح في إطار رؤية إسلامية هو التعايش السلمي مع الآخرين بالاحترام الكامل حق الغير في الرأي والعقيدة والفكر والممارسة.
الإسلام هو دين التسامح والمحبة والسلام. وهو عقيدة قوية تضم جميع الفضائل الاجتماعية والمحاسن الإنسانية، والسلام مبدأ من المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين، وأصبحت جزءاً من كيانهم، وهو غاية الإسلام في الأرض.
إن الاعتراف بحرية العقائد جاء من قول الله تعالى “لا إكراه في ادين”( البقرة: 256) وقوله أيضا:” ﴿ وقل الحق من ربكم فمن شاء، فليؤمن، ومن شاء فليكفر﴾ ( الكهف:29 ) والاعتراف بحقيقة الاختلاف عملا يقوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين﴾ (هود:118) هذه قد وردت جمله من النصوص في الكتاب الكريم تظهر سماحة الإسلام تجاه الآخرين.
وقد أولى الإسلام قيمة التسامح مكانة هامة، وأعطى نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال سيرته العطرة أمثلة تطبيقية عملية في ممارسة هذه القيمة، وظلَّت تلك القيمة سمة من سمات حضارة الإسلام وقت ازدهارها. وإن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع مختلف الأنماط والتيارات البشرية بمختلف طبائعهم وعقولهم وعقائدهم كقول الرسول عليه الصلواة والتسليمك: “لا تشددوا، فتشددوا عليكم”.
لقد كان التسامح حقيقة ناصعة في حياة المسلمين وفكرهم وحضارتهم. وهذا التسامح الذي جعل تاريخا حافلا بالحرية والكرامة والعدالة. لقد شرع الإسلام أحكاكا وقواعد ترسي أسس المحبة والاحترام والتسامح في الحياة العامة، يدعو معتنيقه إلى احترام شخصية المخالف واحترام إنسانية.
عندما قام الرسول الأعظم عليه الصلوات والتسليم بتأسيس دولة إسلامية في المدينة المنورة على منهاج الكتاب والسنة، فلم تكن رعية هذه الدولة مقتصرة على المؤمنين بالإسلام، بل كانت هناك تعددية، ولم يكن الإسلام ينظر إلى تلك التعددية من منظار أوغريب، بل كان يعبر هذه التعددية في مجتمعاته أمر مألوف وطبعي.
قد حرص الإسلام كل الحرص على تأكيد مبدأ التسامح بين أتباع الأديان المختلفة بجعله عنصرا جوهريا من عناصر عقيدة المسلمين في الأديان السماوية، وكل هذه في نظر الإسلام حلقات متصلة لرسالة واحدة جاء بها الأنياء والرسل من عند الله على مدى الشان الإنساني. فإن أصول الإيمان في الإسلام الإيمان بجميع الأنبياء والرسل ماأنزل عليهم وحي إلهي. وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿كل آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون من أمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ ( البقرة:285)
يمتاز الموقف الإسلامي في التسامح بأنه موقف منفتح على الآخرين ومتسامح إلى أبعد الحدود، فقد أقر الإسلام منذ البداية التعديية الدينية والثقافية، وصارت هذه التعددية من العلامات البارزة في التعاليم الإسلامية. فقد تأسس مجتمع المدينة المنورة على التعديية الدينية والثقافية، ومارس المسلمون ذلك عمليا على مدى تاريخهم الطويل، ويؤكد ذلك ما يعرفه التاريخ من أن المسلمين لم يكرهوا أو يرغموا أحدا على اتباع الإسلام، فالحرية الدينية مكفولة للجميع، وتعد مبدأ من المبادئ الإسلامية الذي أكده القرآن الكريم في قوله:﴿ لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: 256) وفي قوله تعالى: ﴿فمن شاء فاليؤمن، ومن شاء فليكفر﴾ ( الكهف:29)
إن الإسلام دين عالمي يتجه برسالته إلى البشرية كلها، تلك الرسالة التي تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم وتُرسي دعائم السلام في الأرض، وتدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم.
إن مبادي التعامل مع الآخرين في الإسلام يزهر في المبادي الشريعة التالية:
• ضرورة الإيمان بجيمع الكتب والرسل: إن الاعتراف بجميع الديانات السابقة فهو مطالب دائما، يجب على المسلم أن يعترف ويحترم الكتب والرسل السابقين تطبيقا لقوله تعالى: ﴿ قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لانفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون﴾ (سورة آل عمران 84)
• التعددية الدينية: التعددية الدينية هي سنة من سن الله تعالى كقوله: ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما أتاكم، فاستبقوا الخيرات إلى االله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ (المائدة، 48)
• عدم الإكراه في الدين: لقد أكد الإسلام على كرامة الإنسان، وأن البشر سواسية، وأن كل إنسان فيه نفخ من روح الله. لقد الإسلام الكراهية لغير المسلمين في الدخول في دين الإسلام، تطبيقا لقوله تعالى:﴿ وإنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (القصص: 56) وقوله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ (يونس: 99) وقوله تعالى: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عمل ولكم عملكم، انتم بريئون مما أعمل، وأنا بريء مما تعملون.﴾ (يونس:41)
لقد شرع الإسلام ضوابط التسامح ومنطلقاته الفكرية التي تجسد معاني الإنسانية، إذ تحقق الوجود الفاعل للإنسان وسبل التفاعل بين الناس مع اختلاف أفكارهم وتباين اتجاهاتهم ورغباتهم، ثم اكتشف الإسلام القيم المشتركة العابرة للحدود رغم اختلافات الدين والثقافات لإقامة مجتمعات إنسانية متعاونة ومتفاعلة تسود قيم الخير بين الناس.
ومن مبادئ الإسلام السامية التسامح الذي تدعو إليه نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة. وهذه السماحة يتتسع لمجالات الحياة المختلفة، لذلك فإن الإسلام، وإن لا يعترف بحقية الدين الآخر، فالدين عند الله هو الإسلام، في مقابلة لا يتعرف بالحقد الديني، وإنما يقرر قواعد في هذا الباب، منها قوله تعالى: ﴿ لا اكراه في الدين﴾( البقرة: 256) وقوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (الكافرون:6) ثم قامت العلاقة بين المسلمين مع الآخرين على مبدأ التسامح، والتسامح لا يعني التساهل والتمييع للهوية الإسلامية والتنازل عن قيمه وتصوراته وإنما يمد الإسلام سبيل التعاون الفعال مع الآخرين والتواصل معهم معتبرا عن صدق مبادئه وشمول نظامه وفاعليته.
إن التسامح يستوجب الاحترام المتبادل كما يستلزم التقدير المشترك ويدعو إلى أن تتعارف الشعوب وتتقارب ويفرض التعامل في نطاق الدائرة الموضوعية من دون المسَاس بدائرة الخصوصية من غير إثارة لحساسيتها، وانتهاك لحُرمة ذاتيتها، وهي دائرة تبادل المعارف والمنافع والمصالح المشتركة التي يعود مردودها بالخير على الجميع. يتعزز التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير، فهو الوئام في سياق الاختلاف، فالتسامح هو الوسيلة الناجحة التي تيسّر قيام السلام وتسهم في إحلال ثقافة السلام في المجتمع وينتج قيمة أخلاقية أساسية في التعايش السلمي مع الاحترام المتبادل.

د. معراج أحمد معراج الندوي: الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية ،كولكاتا -الهند

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى