fbpx
بانوراما

سجون ما بعد الاستقلال: دار المقري … معتقل الموت

سجون ما بعد الاستقلال 8

شهد المغرب، بعد الاستقلال، جوا مضطربا على المستويين الاجتماعي والسياسي، فقد أسهمت متغيرات انتقال الحكم، بعد وفاة محمد الخامس، في سقوط الكثير من الضحايا، نتيجة المعارضة القوية لليساريين الراديكاليين والمتورطين في الانقلابات العسكرية، ما استدعى تشييد العديد من السجون السرية في عهد الحسن الثاني، كانت مسرحا لشتى صنوف التنكيل والتعذيب.

وأحصت تقارير هيأة الإنصاف والمصالحة نحو ثلاثين معتقلا سريا إبان مغرب ما بعد الاستقلال. تسلط “الصباح” الضوء في هذه الحلقات على أشهر السجون التي أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة.

الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك احتجز في السجن الرهيب رفقة أسرى حرب الرمال سنة 1963

لا يمكن الحديث عن المعتقلات السرية التي شيدتها المخابرات في عهد الحسن الثاني، دون ذكر المعتقل السري الرهيب “دار المقري”، الذي يقع في حي اليوسفية بالعاصمة الإدارية، فقد كان مركزا مخصصا للاستنطاقات والتعذيب والقتل، ما أكسبه سمعة سيئة وسط المناضلين السياسيين خلال سنوات الجمر والرصاص، بسبب الأصداء التي كانت تصل إليهم حول بشاعة صنوف التعذيب والتعنيف التي يتلقاها السجناء.

وعلى غرار باقي السجون السرية، ورثت الداخلية هذا القصر البديع البناء من الحماية الفرنسية، والذي حولته إلى جحيم لتعذيب المناضلين في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، سيما المعتقلين في أحداث مؤامرة 16 يوليوز 1963، التي استكملت مشروع المخزن الهادف إلى قتل ما تبقى من وهج الاتحاد، بعد إجهاض تجربة اليساريين في الحكم سنة 1960.

“دار المقري” عبارة عن قصر شاسع، كان يتشكل من قاعات كبيرة مخصصة للاستقبال والضيافة، فضلا عن وجود العديد من الحدائق الخضراء التي جعلت منه “جنة فوق مدينة الرباط”، كما توفر على عشرات الحريم اللائي تكلفن بخدمة ضيوف التهامي المقري، نجل الصدر الأعظم محمد المقري.

وقد وافقت الحماية الفرنسية على تشييد هذا القصر البديع في ضواحي العاصمة، لأن المنطقة التي وجد فيها عرفت بالهدوء والسكينة، لكنه سيتحول بعد الاستقلال إلى سجن رهيب يئن داخله المعتقلون من شدة التعنيف، الذي يتعرضون له من قبل مجموعة من الجلادين المتخصصين في تذويب جثث المحتجزين.

وكان عملاء جهاز “الكاب 1” يطلقون على السجن الرهيب تسمية “النقطة الثابتة رقم ثلاثة” في التقارير التي يبعثونها للمسؤولين الرسميين، وقد أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير، الذي كان يتلذذ بتعذيب مسجونيه، الذين توجه إليهم في الغالب تهمة خيانة الوطن والملك، ليتكلف بعده الجنرال أحمد الدليمي بتسيير هذه البناية، التي تخرج منها إما ميتا أو حاملا معك إعاقة جسدية دائمة.

زج في دهاليزه بالمتورطين في مؤامرة 1963، إلى جانب العسكريين المشاركين في الانقلاب الأول بقصر الصخيرات، ومختلف المناضلين السياسيين ذوي المرجعية اليسارية، سواء تعلق الأمر بالمنخرطين في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أو المنتمين للتنظيمات السرية مثل حركة “23 مارس”.

وتقول بعض الروايات إن الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، لم يسلم بنفسه من هول معاناة السجن الرهيب، إذ احتجز فيه رفقة أسرى حرب الرمال بين المغرب والجزائر سنة 1963، بعدما أرسل النظام المصري طائرات عسكرية لدعم القوات الجزائرية. وتحدث كل من دخل “دار المقري” بصورة فظيعة عن تجربته السجنية، خلال الشهادات التي استقتها هيأة الإنصاف والمصالحة، دون الحديث عن ممارسات التعذيب الحاطة من كرامة الإنسان والتجويع، ثم الضرب والركل المصحوب بالشتم والقذف.

مصطفى شاكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق