fbpx
بانوراما

قصص من تاريخ التعذيب … دخل السجن سليما وغادره معاقا

“الحذر لا يمنع القدر”، هذه الحكمة الشهيرة تنطبق على الناجين من سجون سنوات الرصاص، الذين حاولوا تفادي الاعتقال، غير أنهم وقعوا في قبضة “المخزن”. إنهم ضحايا الفأس التي ضربت يمينا وشمالا، ودشنت لمواجهات دموية، ساوت بين الشيوخ والقاصرين.

روايات مرعبة حول التعذيب، وثقتها شهادات محتجزين عاشوا تجربة الاعتقال، تنوعت بين الصعق الكهربائي والكي بالنار والضرب بالعصي.

في هذه السلسلة، تنقل لكم “الصباح” حلقات ناجين من السجون، أفرغوا جعبتهم المليئة بالفظائع، إذ ضربوا بوحشية ولم يتلقوا العلاج، في حين مات البعض تحت وطأة التعذيب.

قصص من تاريخ التعذيب 6

إعداد: مصطفى شاكري

طحطاح: كنا بالسجن مثل حيوانات مزرعة يسيرها الحراس بالحديد والنار

أدعى إدريس طحطاح، من ضحايا أحداث 14 دجنبر 1990 بفاس. كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرا، توجهت إلى مقر عملي، حيث أشتغل خبازا، غير أنني تفاجأت بحالة الفوضى والشغب التي ملأت المكان، عنفني أحد عناصر الأمن قبل أن يعتقلني على الفور.

احتجزت في غرفة تتكون من مترين في الطول والعرض، رفقة أزيد من عشرين معتقلا، لم يكن يسمح لنا حتى بقضاء حاجتنا، ما يجبرنا على قضائها في ملابسنا، ما جعل رائحة المكان كريهة للغاية، وتبعث على التقيؤ، دون الحديث عن مشقة التنفس، بسبب الاكتظاظ.

ذات يوم، طلبت من أحد الحراس أن أذهب للمرحاض، فرفض ذلك مطلقا، غير أنني أصررت مكررا طلبي مرارا وتكرارا، ذلك أنني كنت شابا يافعا في مقتبل العمر، لا يتجاوز سني الخامسة والعشرين. نادى الحارس على أصدقائه، وشرعوا في تعنيفي أمام الجميع، كدت أموت من شدة الألم.

قبل تقديمي لوكيل الملك، كانوا يجبرونني على تناول دواء المختلين نفسيا بمستشفى للأمراض العقلية في فاس، حتى يؤثر ذلك على قواي العقلية. مرت أيام قليلة، ليتم تقديمي للمحكمة، التي لفقت لي تهمة المتاجرة بالمخدرات والإخلال بالأمن العام، لم أكن أتفاعل أثناء الجلسة، لأنني كنت أغط في النوم ولا أستطيع التجاوب مع أسئلة القاضي، بسبب الدواء الذي أجبروني على أخذه بشكل يومي دون توقف. حكمت علي المحكمة الابتدائية بسبع سنوات سجنا، قبل أن تخفف محكمة الاستئناف الحكم إلى ثلاث سنوات نافذة.

كنت أتعرض للتعذيب رفقة أصدقائي، كما منعنا من الكلام والتعبير عن مطالبنا، كان الحراس يقدمون لنا وجبة صغيرة لا تغني ولا تسمن من جوع، بل تزيد من حدته، إذ كانت الوجبة تتضمن 120 غراما من الخبز وقليلا من الماء لا غير.

في إحدى المرات، قام أحد الحراس بتعذيبي بشدة، إلى أن أصيبت يدي اليمنى بالشلل، وصرت أعاني الإعاقة، كما ضربني حارس في رأسي بسلك كهربائي، مازالت ندبتها موجودة إلى الآن. في الحقيقة، كنا بمثابة حيوانات تعيش في مزرعة يسيرها الحراس بالحديد والنار.

قبل اعتقالي في يوم الجمعة الأسود، كنت أعيل أسرتي، لكن بعد دخولي السجن، توفي أبي بعد مرور تسعة أشهر، لذلك كانت والدتي مضطرة للعمل في «الموقف»، قصد كسب قوتها اليومي وإعالة إخوتي الصغار. تعلمت النصب والاحتيال في السجن، كما أدمنت على تناول المخدرات. بدأت أشتغل في المهن الموسمية، خاصة ما يرتبط بالفلاحة، لذلك دائما ما أسافر إلى الشمال وسوس، إلى أن تعرضت لحادثة سير في بركان، فقدت رجلي إثرها. تزوجت وأنجبت خمسة أبناء، تقدمت لهيأة الإنصاف والمصالحة في بداية السنة الجديدة بالوثائق اللازمة للحصول على التعويض، الذي أحتاجه كثيرا، بسبب إعاقتي وأني المعيل الوحيد لأسرتي، فأبنائي مهددون بالتشرد ومغادرة مقاعد الدراسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى