الصباح السياسي

قــانـون مــالي انتــقالـي في ظـرفية وطنيـة صعبـة

الصديقي الباحث الاقتصادي قال إن الحكومة مطالبة ببذل جهود إضافية لمعالجة إشكالية البطالة

أكد عبد السلام الصديقي، الأستاذ والباحث الاقتصادي أن مشروع ميزانية 2012 يتضمن عدة تدابير وإجراءات ترمي إلى معالجة الاختلالات القائمة على المستوى الاقتصادي، وتشجيع الاستثمارات.
وقال الصديقي إن المشروع يكرس الاستمرارية، ويولي القطاعات الاجتماعية، في مقدمتها الصحة، الأولوية، من حيث الاعتمادات المرصودة.   
في ما يلي نص الحوار:

ما هي ملاحظاتكم حول مشروع ميزانية 2012؟
مشروع قانون المالية لسنة 2012، الذي يُعد الأول بالنسبة إلى الحكومة الحالية، يأتي في سياق دولي ووطني صعب. الظرفية الاقتصادية لدى شركائنا الأساسيين في الاتحاد الأوربي غير ملائمة، إذ من المرتقب أن تسجل فرنسا، الشريك الأساسي للمغرب خلال السنة الجارية نسبة نمو لا تتعدى 0.2 في المائة، أما اسبانيا، فإنها ستواصل انزلاقها في الركود الاقتصادي، لتحقق نسبة نمو سلبية جدا. بالنسبة إلى مجموع دول الاتحاد الأوربي لن يتجاوز معدل النمو 1 في المائة. النمو العالمي في تراجع طفيف، باستثناء البلدان الجديدة الصاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية التي لا تربطها سوى علاقات ضعيفة، بالمغرب.
على مستوى الظرفية الوطنية، أهم ما يطبعها استمرار   حدة الاختلالات. هناك تفاقم العجز التجاري، وكذا العجز في ميزان الأداءات، والعجز في الميزانية(6.1 من الناتج الداخلي الخام)، وانخفاض في احتياطات الصرف التي لا تكاد تغطي سوى 5 أشهر من الواردات، كل هذه المؤشرات تزداد تفاقما بفعل عامل الجفاف الذي يخيم على الموسم الجاري، والذي سيكون أحد أسوأ فترات الجفاف التي عرفها المغرب، منذ ثمانينات القرن الماضي.
ولكن رغم هذا المناخ غير الملائم، فإنه يبدو أن الحكومة  نجحت في تقديم مشروع يتضمن مجموعة من  التدابير والإجراءات بالموازاة مع التحكم، نسبيا، في الاختلالات المالية، فالمشروع يتأسس على فرضية نسبة نمو 4.2 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 5 في المائة، والتحكم في التضخم في حدود 2.5 في المائة. ويستهدف المشروع رفع قيمة الاستثمارات العمومية إلى مستويات غير مسبوقة، أي بما يعادل 188 مليار درهم، وتعميم نظام المساعدة الطبية(راميد)، الذي ستستفيد منه 300 ألف أسرة، في الشهور المقبلة، إلى جانب إحداث صندوق التضامن بـ200 مليون درهم، والإعلان عن تدابير لفائدة السكن الاجتماعي المخصص للكراء، ورفع الاعتمادات الموجهة إلى القطاعات الاجتماعية، خاصة الصحة.
سيقال دائما إن ذلك كله غير كاف، بالنظر إلى حجم الانتظارات، وهذه مسألة مشروعة، لكن الموضوعية تدفعنا إلى القول إن الحكومة الحالية لم يكن لديها الوقت الكافي للإعلان  عن الإصلاحات المتضمنة في البرنامج الحكومي، وعلينا، بالتالي، أن نعتبر مشروع قانون المالية الحالي، مشروعا انتقاليا.
 

من بين المفارقات المسجلة بخصوص هذا المشروع أنه أعد من طرف الحكومة السابقة، ألا يطرح ذلك إشكالا بالنسبة إلى الأغلبية والمعارضة على حد سواء؟
المسألة لا تطرح أي إشكال، لأن الحكومة لم تكتف بتقديم مشروع ميزانية هيأته وأعدته الحكومة السابقة، ولو كان الأمر كذلك، كان بإمكانها أن تعرضه في اليوم الموالي لتنصيبها، بدون ما حاجة إلى انتظار كل هذه المدة. بالعكس، نحن أمام مشروع جديد على مستوى الشكل والمضمون. لكن، بالمقابل، يمكن القول إن المشروع الحالي يشكل استمرارية بالنسبة إلى القوانين السابقة، طالما أنه يخضع للبنية نفسها، على مستوى النفقات والإيرادات. وعلى كل حال، فإن المغرب، كيفما كانت الحكومة القائمة، اشتغل بمنطق الاستمرارية وليس القطيعة، فنحن ننطلق دائما مما هو قائم، ويتم العمل على تطوير ما يستلزم التطوير، وتصحيح ما يتعين تصحيحه.هذه المقاربة البراغماتية في معالجة الإشكاليات تمكن البلد من تفادي الصعوبات والصدمات غير المتوقعة.

عدد مناصب الشغل المحدثة برسم المشروع لا يتعدى 26 ألف منصب، وهو رقم غير كاف لاستيعاب الأعداد المتنامية من العاطلين عن العمل، خاصة من ذوي الشهادات العليا، ما هو تقييمكم لهذه المسألة؟
ينبغي الإقرار بأهمية إحداث 26 ألف منصب شغل، حتى لو بدا هذا الرقم غير مهم، مقارنة مع عدد العاطلين عن العمل الحاصلين على الشهادات العليا، والذين يبلغ عددهم 25 ألف عاطل. ينبغي التأكيد أنه خلال العشر سنوات الأخيرة، لم يكن هناك أي جهد مماثل، لأنه حينما نستحضر عدد مناصب الشغل المحدثة منذ 2001، نرى أنه انتقل من 17 ألف منصب، في سنة 2001، إلى 7000 منصب سنة 2005، ليرتفع العدد، بشكل تدريجي ليبلغ 23.870 سنة 2010، و26.204 سنة 2012. فالمجهود واضح،علما أن معالجة مشكل البطالة لا يمر حصريا، من خلال التوظيفات في الوظيفة العمومية، فالدولة والإدارة لا توظفان سوى حسب الحاجيات والإمكانيات المتاحة. ومن هذا المنظور، يتضمن مشروع قانون المالية تدابير أخرى لفائدة التشغيل، منها التشجيع على الاستثمار، وتكوين الحاصلين على الشهادات لتسهيل إدماجهم في سوق الشغل…
وينبغي الإقرار أن إشكالية البطالة معقدة، وأن على الحكومة أن تبذل جهودا إضافية للإسهام في معالجتها، فبالنسبة إلينا، تقليص معدل البطالة من 9 في المائة إلى 8 في  المائة، كما جاء في البرنامج الحكومي لا يبدو هدفا طموحا.

ضرورة مباشرة الإصلاح الضريبي
في مجال محاربة البطالة، المطلوب من الحكومة أن توظف كل الخيارات والطرق الممكنة، وعلى هذا المستوى ستتم محاسبتها من طرف الناخبين.
من ناحية أخرى، فإن الحكومة، بعد المصادقة على مشروع قانون المالية، مطالبة بالانخراط في الإصلاحات الضرورية التي التزمت بها، خاصة ما يتعلق بالإصلاح الضريبي، والقانون التنظيمي للمالية في أفق تحقيق الانسجام والملاءمة مع الدستور الجديد والإصلاحات البنيوية الأخرى، وبذلك، يمكن للحكومة أن تقدم  مشروع قانون المالية لسنة 2013 أكثر جرأة وإرادية، ويترجم أكثر الالتزامات التي أعلنت عنها أمام البرلمان والناخبين.

أجرى الحوار: ج. ب

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق