بانوراما

إكسلسيور … فندق “الأمير الصغير”

فضاءات بيضاوية أسطورية 4

لم تكن البيضاء مثلما هي عليه اليوم. مدينة غول، “يتقاتل” سكانها كل يوم، من أجل لقمة عيش مغموسة بكثير من العرق والذل. لم تكن هي هذه المدينة التي لا مساحة للجمال والثقافة والحضارة فيها بعد أن حوّلها أباطرة العقار إلى “بيدونفيل” ضخم، عشوائي وخانق. في هذه الحلقات، نعود بالزمن إلى الوراء، من خلال سلسلة حلقات حول بعض الفضاءات الأسطورية للبيضاء، التي شكلت مفخرة سكانها عبر السنوات، معتمدين، في هذه الرحلة النوستالجية، على ما جاء حولها في كتب ومقالات ومجلات، وعلى وثائق زودتنا بها جمعية “كازا ميموار”، ومستعينين أيضا بقصص وحكايات بيضاويين أقحاح.

نورا الفواري

كان مسلخا قبل أن تحوله السلطات الفرنسية إلى معلمة معمارية حضارية
بني فندق “إكسلسيور”، الموجود في ساحة الأمم المتحدة بقلب الدار البيضاء، والمطل على مدينتها القديمة، في الفترة بين 1916 و1918، من طرف جوزيف دولابورت، أحد كبار المهندسين الفرنسيين الذين شيدوا العاصمة الاقتصادية في عهد الاستعمار، ومهندس أولى البنايات التي شيدت خارج أسوار المدينة القديمة، من بينها “المحلات الكبرى لباريس المغرب”، التي لم يعد لها أثر اليوم.
كان المكان الذي بني عليه الفندق، مسلخا يذبح فيه اليهود والمسلمون نحائرهم، وهو ما كان يشوّه شكل الحي الأوربي الذي بدأ يتشكل في تلك الفترة، لتقرر السلطات الفرنسية مصادرة الأرض باعتبارها فضاء غير صحي، لتشيد عليها واحدا من الفنادق الأكثر شعبية في المدينة في تلك الفترة، والذي سيصبح ملتقى لجميع الأوربيين، سواء المقيمين بالبيضاء، أو العابرين منها، خاصة من المقاولين والتجار، وفضاء للقاء جميع الماسكين بخيوط التجارة الدولية، إلى درجة ذكره في العديد من الكتابات والروايات والنصوص الأدبية الفرنسية. إنه الفندق الذي حضر افتتاحه ليوطي، المقيم الفرنسي آنذاك، والذي قال عنه إنه ليس مجرد مكان لإيواء العابرين، بل معلمة معمارية تؤسس لحضارة خارج أسوار المدينة.

كان زوار المدينة الأجانب يفضلونه، خاصة من الجالية الفرنسية. أما الراغبون في الإقامة الدائمة في المدينة البيضاء، التي كانت تعرف في تلك الفترة ازدهارا كبيرا، حولها إلى “إلدورادو”، فكانوا يقصدونه ويقيمون فيه مدة طويلة قد تصل إلى سنوات، إلى حين العثور على مسكن مناسب يستجيب لاحتياجاتهم، خاصة أن أسعار العقار كانت مرتفعة جدا في تلك الفترة.
اشتهر “إكسلسيور”، ذو الطوابق الخمسة، ببهوه البديع وبنائه الذي ينتمي إلى الطابع الهندسي “النيو موريسكي”، الذي كان سائدا في الجزائر وتونس أيضا، والذي استعملت فيه الأقواس والقرميد الأخضر والزليج والفسيفساء و”الفايونس”، كما اشتهر بحانته التي كانت قبلة للأجانب، برتغال وإسبان وفرنسيون، يجتمعون فيها لعقد صفقاتهم ولقاء زبائنهم والاستمتاع بلحظات مرح أو استرخاء.
ماجوريل وسانت إكزوبيري
استمد الفندق أيضا شهرته من زيارة مشاهير له، من بينهم الطيار والكاتب الفرنسي المعروف أنطوان دو سانت إكزوبيري، صاحب كتاب “الأمير الصغير”، الذي كان يقيم بالفندق حين يزور البيضاء، أو الرسام المعروف جاك ماجوريل، الذي اختار بهو “إكسلسيور” لتنظيم أول معرض له بالمدينة في 1918، حيث قدم أول أعماله التي لها علاقة بالمغرب.
المغاربة أيضا، مسلمين ويهودا، كانوا يحيون أعراسهم في هذا الفندق الذي يعتبر واحدا من أوائل الفنادق التي بناها الفرنسيون في العاصمة الاقتصادية للمغرب، والذي صنف في 2003 ضمن لائحة التراث المعماري الذي لا يقبل الهدم أو التفويت.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق