بانوراما

محاكمات فوق العادة … طـرد مـحـتـل

هي محاكمات وقضايا غير عادية، ليس بسبب موضوعها أو خطورة الجرم المرتكب أو حساسيتها، وغيرها من الأسباب التي يمكن أن تطبع المحاكمة وتجعلها تخرج عن المألوف. المثير في هذه المحاكمات هي أنها تخص العالم القروي، حيث الإنسان يجهل إلى حد كبير المعرفة القانونية للحقوق والواجبات، وأن مجرد الوقوف أمام القاضي يتطلب من الشخص التوفر على جرأة وقدرة كبيرتين، إلا أنه في حالات عدة انقلبت الآية وكان لتدخل المتقاضين أو أجوبتهم تغيير في مسار القضايا.
كريمة مصلي

ثار القاضي في وجه الحاج أحمد معتبرا أنه حاول إهانته وإهانة القضاء بتقديم تلك الشكاية اللغز

لم يكن الحاج أحمد غريبا عن ردهات المحاكم، فهو ذلك الفلاح الذي خبر دهاليزها من خلال كثرة القضايا والشكايات التي يقدمها بين الفينة والأخرى، والتي جعلت منه ماركة مسجلة داخل المحكمة وأضحى جل العاملين بها يعرفونه حق المعرفة.

على غير عادته، حضر الحاج أحمد إلى المحكمة وطلب لقاء النائب المكلف بتلقي الشكايات، لأمر اعتبره خطيرا. كانت تبدو على ملامحه الحيرة الممزوجة بغضب شديد. لم يتحمل أن ينتظر كثيرا. وعلى غير عادته، دلف المكتب دون استئذان، محاولا أن يثير اهتمام القاضي إلى وجوده. حاول عون المحكمة منعه من الدخول، إلا أنه رفض التحاور معه وخاطبه “أنا جاي نشكي وخاصكم تسمعو ليا”، ساعتها تدخل القاضي وطلب من العون السماح له بالدخول، ولمعرفته السابقة به، بادله التحية وطلب منه الجلوس، لكن الحاج احمد رفض وقال إن الأمر مستعجل جدا ولا بد من التدخل قبل وقوع كارثة.
ونظرا للجدية التي كان يتحدث بها الحاج أحمد وحالة الغضب التي كان عليها، طلب منه القاضي شرح القضية التي يعتبرها خطيرة، فأجابه أنه يريد منهم مرافقته لطرد امرأة احتلت منزله دون وجه حق، ولا ترغب في مغادرته.

سأله القاضي عن نوع العلاقة التي تجمعه بها وهل هي من أقاربه فنفى معرفتها، بشكل مطلق. طريقة حديثه أثارت شكوكا لدى القاضي الذي حاول طمأنته لمعرفة الحقيقة، ورغم كل تلك المحاولات إلا ان الحاج أحمد أصر على إنكار معرفته بالمرأة التي قال عنها إنها تحاول أن تستولي على منزله دون وجه حق، وخاطب القاضي “وراها مقردة ليا في الدار ومابغاتش تخرج”، ساعتها تدخل القاضي بلهجة صارمة وقال له لا يمكن اتخاذ أي إجراء في الموضوع، وأن عليهم استدعاؤها والاستماع إليها، فانتفض الحاج أحمد مستنكرا قرار استدعائها، وهو الشيء الذي زاد من غموض القضية، وأمام ذلك الوضع لم يجد الحاج أحمد بدا من الاعتراف أنه يعرفها، وسبق له أن حرر لها ورقة.

كانت تلك الورقة هي مفتاح اللغز، وشك القاضي في أنها ربما تتعلق بعقد كراء بينه وبين من يدعي أنها محتلة لمنزله، وطلب منه إحضار الورقة قبل اتخاذ أي إجراء في الموضوع.
لم يكن أمام الحاج أحمد من حل سوى إحضار الورقة، والتي ما أن اطلع عليها القاضي حتى اكتشف أن الأمر يتعلق بعقد زواج بينه وبين تلك المرأة موضوع الشكاية، فثار القاضي في وجهه، معتبرا أنه حاول إهانته وإهانة القضاء بتقديم تلك الشكاية، لكن الحاج أحمد ظل متمسكا برأيه أنه لا يعرفها، ولا تربطه بها أي صلة من غير تلك الورقة، حينها حاول القاضي فهم ذلك اللغز وطلب منه البوح له بالحقيقة حتى يتمكن من مساعدته، فما كان من الحاج أحمد إلا أن أخبره بأنه كان يعيش مع زوجته المتوفاة ونظرا لأنها أصيبت بمرض عضال اضطر إلى الزواج مرة ثانية، غير أن الزوجة الثانية لم تتقبل وضع رعايته وزوجته المريضة، فغادرت المنزل، دون أن تخبره ليفاجأ بعد وفاة زوجته الأولى وأثناء مراسم العزاء بعودة الزوجة الثانية، التي رفضت أن تغادر المنزل وتشبثت بأنها زوجته، فأخبره القاضي أنها الحقيقة، ليقاطعه الحاج أحمد “وفين كانت من شحال هادي”، مصرا على تقديم شكاية ضدها، ساعتها أكد له القاضي أن الأمر لا يدخل ضمن اختصاصه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق