الصباح السياسي

مؤتمر الاستقلال… رهان الوحدة والتجديد في الميزان

السباق نحو منصب الأمانة العامة يغذي الصراعات ويخلق مشاكل تنظيمية للحزب

يعيش حزب الاستقلال على إيقاع سباق قوي حول من سيفوز بمنصب الأمانة العامة، وهو سباق لم يسبق له مثيل، إذ يأتي في ظروف «تدافع تنظيمي». وإذا كانت مشاركة حزب الاستقلال في ثلاث حكومات متتالية فاقمت هذه التدافعات، فإن مشاركة الحزب

في الحكومة الحالية كشفت عن الوجه الآخر لمنطق الفردانية الذي يعصف بكيان كانت الوحدة والاصطفاف وراء خيار الأغلبية مصدر قوته.

مع تصاعد ضغط تيار سعى على مدار العشرين سنة الماضية في التحكم في مؤسسات الحزب، مع ما رافق ذلك من اعتماد الإقصاء الممنهج سلاحا في وجه الأصوات التي ترتفع بين الفينة والأخرى في وجه هذا التيار، يقول رواد اللجنة التصحيحية داخل حزب «الميزان»، فإن نقل هذا النقاش من المجالس المغلقة إلى رحاب مؤسسات الحزب أضحى ضرورة حتمية لإنقاذ هوية الحزب وتماسكه.
وبالنظر إلى التطورات الأخيرة التي رافقت تشكيل الحكومة، فإن الأغلبية الصامتة التي تتأهب للتعبير عن ذاتها في محطة المؤتمر، تدرك أكثر من أي وقت مضى أن حزب الاستقلال على أعتاب مرحلة مفصلية، وموعد لا يمكن تفويته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما تحالفت الحسابات السياسية والتوافقات المصلحية، جميعها في وجه إيقاف النزيف المستشري، بدءا من محطة الانتخابات الجماعية.
وأوضح مصدر استقلالي أن النضال يقتضي أن يلتفت الحزب لأبنائه من منطلق العرفان والمكافأة، إذ أن ثمة مناضلين حكم عليهم لعب دور الكومبارس لأكثر من أربعين سنة، في حين تسلق آخرون على أكتافهم وسرقوا نضالات غيرهم، واستهلكوا رصيد الحزب أكثر من غيرهم.
وأضاف المصدر ذاته قائلا «نعم هناك اليوم حاجة، بل ضرورة لمساءلة كل من أساء للحزب، وأضر بصورته وموقعه، مع القطع مع الانتقائية في إخضاع محطات للنقاش مع القفز على أخرى، وهو ما لا يستقيم مع قاعدة التراكم المفضي بالضرورة إلى تسلسل النتائج، وترابط الأسباب.
ويرى من يزعمون التصحيح داخل الحزب، أن التيار المهيمن على الحزب، حول حدث تشكيل الحكومة إلى أزمة أريد منها سلخ قيادة الحزب على مذابح الانتقام، لمجرد أن سفن الاستوزار عاكست رياح أهوائهم، واستبعدت مرشحيهم.
وكان من الممكن، حسب هؤلاء، أن يمر موضوع تشكيل الحكومة دون أن يحدث كل هذه الهزات التي أريد منها زلزلة وحدة الحزب، واستعراض العضلات بالشكل الذي تحول إلى رد فعل عنيف تحكمه الذاتية والفردانية، وهو ما اعتبرته قطاعات واسعة من مناضلي الحزب نعمة قد تفضي إلى انجلاء ليل طويل، ورد الاعتبار للنضال الذي يخلص للقيم التي أسس عليها حزب الاستقلال.
ومهما كان الموقف من التقاطعات، فإن العديد من الحقائق تستعيد أهميتها على سلم أولويات الحزب وتوجهه المستقبلي الذي يتحدد بالضرورة بالانطلاق إلى المستقبل على ضوء نقد ذاتي موضوعي ومساءلة الجميع، قبل التوجه إلى محطة المؤتمر الوطني السادس عشر، الذي يراهن على فرز قيادة جديدة، قادرة على تقديم إجابات واضحة عن العديد من القضايا، بدل الاختفاء وراء أشياء لم يعد يقبلها حتى السياسي المبتدئ.
وبرأي المدافعين عن عباس الفاسي، فإن المرحلة الراهنة، تتطلب الإقرار بحقائق ترقى إلى مسلمات بديهية لدى جموع الاستقلاليين، وهي أن المقصود باستهداف شخص الأمين العام، هو تجسيد لفلسفة العقاب والاستئصال الذي مورس على عدد كبير من المناضلين الذين وقفوا بالمرصاد لعدد من الممارسات غير السوية على صعيد كل مؤسسات الحزب، التي اصطدمت في هذه المرحلة بشخص الأمين العام عندما تصرف في التفويض الذي منح له من قبل أعلى مؤسسة تمثيلية في الحزب، وفق ما تمليه عليه مسؤوليته السياسية.

الحزب تضرر كثيرا من إقصاء الرأي الآخر

عندما يواجه اليوم بالحرب المعلنة التي تهيأ في الكواليس، فإن ذلك يعيد إلى الأذهان، كيف حكم هذا المنطق على مناضلين بالابتعاد عن الحزب مكرهين، ويكفي أن نطرح سؤالا مشروعا حول عدد المناضلين الذين تعرضوا للإقصاء عبر ربوع المملكة، وحول من فرض عليهم تقديم استقالتهم، وعدد الكفاءات التي خسرها الحزب ممن لم يتحملوا حجم الانحرافات التي طبعها التعسف، واستمرت بعلم الجميع.
لقد خسر الحزب، وفق تحليلات أصدقاء عباس، كفاءات لم تجد لها مكانا في فروع كانت تفصل على المقاس، وشد عدد لا يستهان بهم الرحال إلى أحزاب أخرى، بحثا عن مناخ أحسن بعدما ضاق صدرهم بما لاقوه من استهداف وتربص. وتحولت التزكيات إلى ورقة للبحث عن الولاءات، وافتعلت أزمات لتهيئة الأجواء لتصفية المخالفين للرأي، وتحولت مؤسسات الحزب ومنظماته الموازية إلى نواد مغلقة لتكتلات تتحد في الهدف والمصالح، وأدار الحزب ظهره للاختلاف الذي أثرى أدبياته وقوى صفوفه.

عبدالله الكوزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق