fbpx
حوادثمقالات الرأي

حيازة أموال بريد بنك بالصدفة أو الخطأ

جريمة خاصة لا يمكن وصفها بالسرقة والاختلاس

بقلم: ذ. يونس علمي*

إثر واقعة بريد بنك التي أثارت ضجة وسط الساحة العمومية والقانونية على السواء، انبثقت عدة تساؤلات حول ماهية الأساس القانوني لمتابعة مقترفي هذا الفعل، لأن المعلوم في مجال القانون الجنائي ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص القانون، وأن ما لا يعاقب عليه القانون، لا عقاب عليه. علاوة على أن التشريع الجنائي يحدد فقط أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو بتدابير وقائية.

مسألة التكييف القانوني لجريمة معينة يقصد بها، إعطاء الوصف القانوني الملائم لها تمهيدا لتطبيق القاعدة على وجه سليم، فهو ما يميز جريمة ما عن باقي الجرائم الأخرى، والملاحظ أن الخلط الذي وقع فيه بعض رجال القانون لما طرح عليهم الأمر، بتكييفهم للفعل على وجه غير سليم جعلنا نتدخل لإهداء كل متتبع لهذه الواقعة للتكييف الصحيح لها.

فبرجوعنا لنصوص التشريع الجنائي المغربي، وخصوصا الفصل 527 منه، نجده ينص في فقرته الثانية على ما يلي: “ويعاقب … من تملك، بسوء نية، منقولا وصل إلى حيازته صدفة أو خطأ”، على أن المقصود بالمنقول هنا هو كل مال له كيان مادي ووجود واقعي، على أن المنقول في نازلة الحال هو المال المأخوذ من شباك بريد بنك.

ولا مراء في أن هذه الجريمة جريمة خاصة، لا يمكن وصفها بالسرقة حسب نص الفصل 505 و لا بجريمة الاختلاس المنصوص عليها في الفصل 241 من القانون الجنائي، لعدم قيام عناصر الجريمتين في الحالة التي نحن بصددها، إذ لصحة القول بتكييفها على أنها جريمة اختلاس -كما ذهب البعض- يستلزم توافر عنصر من عناصر الركن المادي لهذه الجريمة وهو أن الفاعل موظف عمومي على حسب منطوق الفصل 241، على أن المتنبه لعنوان هذا الفرع الذي اندرجت الجريمة تحته سيلاحظ دون شك أن تسميته “الاختلاس والغدر الذي يرتكبه الموظفون العموميون” لا الأشخاص العاديون، على أن المشرع نص في هذا الفصل على ما يلي”يعاقب…كل قاض أو موظف عمومي بدد أو اختلس…”.

والسليم، أن التملك في جريمة البريد هاته، يكيف على أساس الفصل 527 سالف الذكر، على أن المشرع اشترط سوء النية في التملك للمال الذي وصل إلى حيازة الشخص بالصدفة أو الخطأ، وبالتالي يكون التملك بحسن النية منفيا للجريمة وناقضا لها. وقد يثبت التملك بسوء نية بجميع وسائل الإثبات الجنائية بما فيها صرف المبلغ الهائل من المال الذي حول خطأ من الشباك، بعد فترة وجيزة من اطلاع الشخص على بيانات حسابه وأخذ نسخة عليها، عالما بما قد وضعه في حسابه، على أن قرينة البراءة مفترضة إلى أن يثبت العكس بنص المادة 1 من قانون المسطرة الجنائية.
وجريمة حيازة أموال بريد بنك بالصدفة أو الخطأ هاته، جريمة عمدية يجب إثبات القصد الجنائي فيها لا محالة، والذي هو اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة، علاوة على علمه بأن المنقول لغيره – من بنك أو شخص ذي حساب آخر-، و هو ما نستخلصه من نص الفصل 527 الآنف الذكر بنصه ” من تملك، بسوء نية…”.

وعلى أي حال، تبقى للقاضي السلطة التقديرية في استخلاص وقائع الجريمة، و تكييفها على هذا النص، إن بالإعمال أو بالإهمال حسب قيام عناصر و أركان الجريمة من عدمها، على أن ثبوت الجريمة يعرض صاحبها – علاوة على استرداد المال و الحكم بالتعويض- للحبس من شهر إلى سنة، مع جواز الحكم على المتهمين أيضا بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 و بالمنع من الإقامة من خمس سنوات إلى عشر، حسب الفصلين 527 و 539 من القانون الجنائي.

* باحث مغربي في العلوم القانونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى