fbpx
الصباح السياسي

المفهوم الجديد للسلطة يعيد تكوين بنية الولاة والعمال

شكل محاولة لتفكيك بنيات المفهوم “القديم” وجعل الإدارة الترابية موزعة بين مراقبة المجال وتنميته

عرفت آلة الولاة والعمال تحولات متوالية خلال عشر سنوات الأخيرة، فقد نتج عن إطلاق المفهوم “الجديد للسلطة”. وهكذا كان الإعلان عن المفهوم بموجب خطاب ملكي تأسيسي بمدينة البيضاء في أكتوبر 1999، كما أن اختيار المكان، الدار البيضاء له دلالاته أيضا، إذ يعكس الارتباط الوثيق بين الرمزية الاقتصادية للمدينة وبين المضمون الاقتصادي للمفهوم الجديد للسلطة. الخطاب الملكي الذي أعاد تشغيل آلة رجال السلطة وتوجيه بوصلتها نحو وجهة أخرى تهتم برعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية، ثم بضمان الحريات الفردية والحفاظ على السلم الاجتماعي، وكذا الاحتكاك المباشر والميداني بالمواطنين الذين يجب إشراكهم في إيجاد حلول لمشاكلهم، وهذا ما يطلق عليه “سياسة القرب”. لقد وضع الخطاب الملكي المفهوم الجديد للسلطة ضمن سياق يعني تصورا جديدا للإدارة الترابية، ووظيفة جديدة لرجل السلطة، وتدبيرا جديدا لعلاقة الإدارة بالمواطن، لذلك فهذا المفهوم يستدعي من جهة مفاهيم أخرى مجاورة له حضرت بقوة في الخطب الملكية الأولى كمفهوم القرب والمواطنة… ومن جهة أخرى يعني إدخال متغير جديد في بنية الإدارة الترابية، إنه المتغير الاقتصادي الذي يجعل من التنمية الاقتصادية إحدى الوظائف الجديدة للإدارة الترابية، داخل أجندة ملكية تراهن على التأهيل الاجتماعي والسياسي.
الحاجة إلى تكريس مفهوم جديد لآلية اشتغال الولاة والعمال، فرض انبثاق “بروفايل” جديد من رجال السلطة، هم في الغالب بدون ماض داخل الإدارة الترابية، كما حد من استمرار تجربة الانفتاح على أسماء قادمة من  الأحزاب السياسية (من الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال)، كما أوقف تصدير المحيط الملكي لرجال السلطة (بعد تجربة حسن أوريد  ومحمد القباج).
لقد شكل المفهوم الجديد للسلطة خلال السنوات الأخيرة، محاولة لتفكيك بنيات المفهوم “القديم”، تفكيك الاستبداد وبنياته وأجهزته ورموزه وثقافته، إذ يعتبرها بعض المتتبعين، محاولة للخروج من النمط السلطوي، كما أن الإدارة الترابية التي ظلت موزعة بين مراقبة المجال وتنميته، تبدو اليوم في وسط الطريق بين المراقبة والضبط وبين وظيفة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، هذه التحولات ساهمت في خلخلة الموروث السلطوي الذي أسسه إدريس البصري في كتابة “رجل السلطة”، واستبدلته بالخطاب الملكي لـ 12 أكتوبر 1999 الذي أسس للمفهوم الجديد للسلطة، دون أن ننسى أن هذه التحولات أسس لها الملك الراحل الحسن الثاني، حين عبر في أحد خطبه عن ضرورة  عدم تجاوز أربع أو خمس سنوات في مناصب المسؤولية الإدارية، وهي فكرة تدخل في صميم التدبير الجيد للمرافق العمومية، وتشكل آلية لمنع الانحرافات التي تصبح إمكانيتها أكبر مع الإطالة في المنصب نفسه وفي الإقليم أو المدينة.
تبقى الإشارة، إلى أن هذا التحول الذي شهده “قطاع” رجال السلطة لم يكن كافيا للقطع مع بعض السلوكات التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، وتظهر بشكل جلي خلال مرحلة الانتخابات الجماعية والتشريعية، إذ تكون بصمات بعض رجال السلطة من الولاة والعمال ثابتة، أو على الأقل هذا ما يدعيه بعض الفاعلين السياسيين ومرشحون باسم الأحزاب في بعض المناطق، وهي بصمات تعني أن بعض رجال السلطة، بمختلف مستوياتهم، لم يستوعبوا هذه التحولات.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق