ملف الصباح

“الكوشير”… سوق “الحلال” لليهود بالبيضاء

متاجر لبيع الأغذية والمشروبات والخمور اليهودية

يقتنون أغذيتهم ومشروباتهم من محلات تجارية خاصة بهم، هذه عادة الطائفة اليهودية بالبيضاء، قليلة هي المواد التي يقدمون على اقتنائها من متاجر المسلمين، فالمأكولات والمشروبات لدى اليهود تحكمها قواعد وقوانين مستمدة من كتابهم المقدس (التوراة)، وتشبثهم بهذه التعاليم يفرض عليهم ألا يتناولوا سوى “الكشروات”، وهي بمثابة “الحلال” لدى المسلمين.
بشارع الزيراوي بالبيضاء، وبالضبط قبالة ثانوية “ليوطي”، يقع سوق “الكوشير”. محلات متنوعة تعرض منتجاتها للبيع لليهود وغير اليهود، فهناك متجر للجزارة وبمحاذاته آخر لبيع الحلويات، ويقابلهما محل لبيع الخمور، فجميع المنتجات التي تباع هناك تحمل علامة “كوشير” التي تبيح لليهودي تناولها.
ويقصد بـ “الكوشير” الطعام والشراب المناسب والموافق للشريعة اليهودية، الذي يمكن تمييزه بناء على ختم تمنحه بعض المنظمات اليهودية، مقابل مبلغ مالي يدفعه لها المصنع أو الشركة التي ترغب في صنع أنواع الغذاء والشراب، والمواد المكملة والحافظة والملونة “الكوشير”.

سوق اليهود
في الجهة المقابلة لثانوية “ليوطي” يقع محل كبير لبيع المنتجات الغذائية واللحوم وأنواع الخمور. في الوهلة الأولى يظهر شابان في عقدهما الثاني ينزلان حاويات السلع من شاحنة ركنت أمام المحل، وبجانبهما رجل متقدم في السن يضع فوق رأسه طاقية صغيرة سوداء أو ما يسمى “الكيباه” لدى اليهود، يأمرهما بتحويل هذه السلع إلى داخل المتجر.
بداخل المحل امرأة في الاستقبال تبدو من لهجتها أنها يهودية. الأشغال وسط المتجر على قدم وساق، عمال يرتبون السلع، وفي الزاوية رجل يتلقى طلبات الزبناء، وطفل صغير يجلب قنينات الخمر من الداخل. مسير المحل يدعى “جاكي” تعذر عليه الحديث إلى “الصباح” لأن الوقت لم يكن مناسبا حسب تعبيره، إذ كان هناك الكثير من الزبائن، والعمال منهمكين في إدخال السلع وترتيبها، واكتفى بالقول “هذا محال كنبيعو فيه الكوشير لليهود”.
وفي الزقاق المقابل لمتجر جاكي، يقع محل كبير لبيع الحلويات، في ملكية رجل عجوز قال إنه يدعى “التريتور إلباز”، يضع “الكيباه” فوق رأسه الذي غزاه بياض الشيب، يقول إلباز “هذا محال ديال الكوشير كنبيعو فيه الحلوى”، مضيفا “عندنا الكليان بزاف يهود وشوية د المسلمين”، ويوضح المتحدث أن نوع الحلويات التي يصنعها داخل متجره تتميز بطابعها التقليدي، يقول “كنبيعو هادشي د البلدي باللوز”، مشيرا إلى أنه يشتغل وفق رغبة الزبناء، إذ يحاول إرضاء أذواقهم، ويحرص على تزيين حلوياته “بشوكولاتة كوشير”.
بجانب “إلباز”، يقف شاب في عقده الثالث يبدو أنه اليد اليمنى الذي يساعده في تسيير شؤون المتجر، وهو مغربي مسلم كان يحاول شرح الأسئلة إلى رئيسه الذي لا يفهم سوى الدارجة الممزوجة بكلمات من اللغة الفرنسية، وبداخل المحل مجموعة من النساء يرتدين سترات بيضاء، كل واحدة منهن مكلفة بمهمة، فهناك واحدة تعجن الدقيق، والأخرى تقف أمام الفرن تنتظر أن تخرج الحلوى، في حين أخرى تتلقى طلبيات الزبائن وتجلبها في الحال.
انتقلنا إلى محل جزارة، في المحيط نفسه الذي يوجد فيه متجرا “إلباز” و”جاكي”، عند رجل متقدم في السن يدعى “ميشيل”، يبيع اللحوم الحمراء والبيضاء. بداخل المحل امرأتان واقفتان تنتظران صاحب المحل أن يجهز لهما طلبيتيهما، وبينما يقطع أجزاء اللحم ويزنها تتبادلان معه أطراف الحديث بالفرنسية، وبجانب باب المتجر يجلس عجوز يبدو أنه أنيس “ميشيل” الذي يتحدث إليه بعد مغادرة الزبائن.
ويتحدث ميشيل لـ “الصباح” عن اللحم “كوشير”، قائلا “إن اللحم له قداسة مغايرة عن باقي المواد، ولن يأكله اليهودي إلا إذا تأكد أنه حلال مائة بالمائة”. وتسمى الذبيحة عند اليهود “الشحيطة”، ويجب أن تكون من الثدييات المجترة ومشقوقة الحوافر، فالحصان مثلا لا يدخل في خانة “الكوشير”. يقول ميشيل “لا يأكل اليهودي اللحم إلا إذا عرض على الحزان” والحزان شخص متخصص في مراقبة “الشحيطة” قبل ذبحها، وهو من يحدد ما إذا كانت صالحة أم لا، وما يجعل البهيمة غير صالحة لدى اليهود هو أن تكون رئتها متضررة.
يقول ميشيل الذي يضع بدوره “كيباه” سوداء فوق رأسه، “تذبح الشحيطة مع ذبائح المسلمين، وأهم شيء في الذبح هو قطع وريد الشحيطة مرة واحدة، وهذا يتطلب سكينا جيدا”.
خمور حلال

الخمر مكون أساسي في المائدة اليهودية، ولا يقتصر عليه اليهود للمناسبات والحفلات فقط، بل يقدم مع جميع الوجبات، وهناك من يستعمله في طهو بعض المأكولات، ويستهلك اليهود حسب رواية إلباز عشرات أنواع الخمور، هناك منها ما يصنع بطريقة تقليدية، فيما أنواع أخرى تصنعها شركات معروفة في سوق الخمور.
يقول إلباز “المشروبات نوعان، منها ما يأتي من أماكن الكوشير وأخرى عادية مثل الفودكا والويسكي”، ويتابع إلباز حديثه عن طبيعة خمور الطائفة اليهودية وعن مصادرها، مضيفا “بعض المشروبات تصنع هنا في البيضاء تحت الطلب ويحرص أصحابها أن تستجيب لمعيار كوشير، لكنها لا تعرض للبيع في السوق، ونوع آخر يأتي من الخارج ويحمل ختم كوشير أيضا”.
وترتبط مشروبات اليهود بختم الكوشير الذي يطمئن مستهلكها من أن تكون ضمن تركيبتها مواد قد تكون محرمة في الديانة اليهودية، وهذا الختم ليس من السهل أن يحصل عليه منتوج معين، ويعتبر اتحاد اليهود الأرثودوكس الجهة الوحيدة المخول لها الترخيص للشركات والمصانع بختم منتوجاتها بهذا الرمز الذي يشار إليه بحرف (ou) أو بـ (k) التي فرضها الاتحاد علامة تجارية تعطي للمستهلك اليهودي الثقة في المنتوج، وبالمقابل فرض الإتحاد ضرائب على كل من يستعمله، ووجوب خضوع منتوجاته لمراقبة حاخامات الاتحاد.
وتشير إحصائيات قامت بها مؤسسة التسويق الأمريكية في وقت سابق، إلى أن عدد المنتجات الغذائية المرخص لها باستعمال رمز “كوشير” تبلغ حوالي 65 ألف منتوج، يتم تصنيعها من قبل 9200 شركة، وأن اتحاد اليهود في أمريكا يقوم بمراقبة أزيد من 4500 مصنع لصناعة مشروبات وأغذية “الكوشير”.

عصام الناصيري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق