ملف عـــــــدالة

نصابون باسم “الخير”

استغلال بشع لحالات إنسانية وتعدد طرق الاحتيال الإلكتروني للإيقاع بالمحسنين

نظرت محاكم المملكة في العديد من قضايا النصب، التي استغل المتهمون فيها، الوضعية النفسية المهزوزة للضحايا من طالبي أريحية المحسنين، للإيقاع بهم في الغلط ومضاعفات معاناتهم، سواء عن طريق سلبهم أموالا بدعوى إعداد الملف، أو بالتصرف في الأموال العائدة إليهم وحرمانهم منها. وتفتقت عبقرية النصابين من هذا النوع عن العديد من الحيل الماكرة، للإيقاع بالضحايا من الجانبين في الشرك، فبعد أن كانت الوسائل التقليدية تتمثل في نقل رقم هاتف أو عنوان الضحايا من الإعلانات المنشورة في الجرائد الوطنية، لنسج سيناريو الإيقاع بالمستهدفين، عبر إيهامهم بأن هناك محسنا سوف يتكلف بتغطية مصاريف العملية الجراحية أو بمختلف التكاليف المعلن عنها في إعلان طلب المساعدة، قبل أن يطلب من الضحايا أنفسهم بعث مبلغ مالي لا يتجاوز 500 درهم مصاريف الملف وغير ذلك، لتنطلي الحيلة على الضحايا الذين يكونون تحت وقع الفرحة بظهور الفرج، قبل أن يكتشفوا بعد بعث الحوالة المالية، أنهم كانوا ضحايا استغلال وضعيتهم النفسية، وأن المتصل لم يكن سوى محتال اختار طريقة النصب هذه، غير آبه بما تنجم عنها من معاناة.

وتطورت عمليات النصب بعد شيوع استعمال الأنترنيت، إذ دأبت مجموعة من الوجوه على استغلال “يوتوب” والادعاء بأنها تساعد المحتاجين وتقوم بجمع التبرعات، كما لا تتوانى في استعراض الضحايا بطريقة تزيد من الإشفاق على الحالة التي يوجدون عليها، وعوض نشر الرقم الهاتفي للضحية ينشر رقم خاص بصاحب الموقع نفسه، ليتسنى له بعد ذلك التنسيق مع المتصلين من المحسنين وإرشادهم إلى الاسم الكامل للشخص الذي ستوجه إليه المساعدة عبر تحويل مالي، دون أن يتوصل الضحايا من الذين عرضت حالاتهم الإنسانية بالمطلوب. وكشفت الأبحاث التي أجريت في قضايا مماثلة عن أن بعض المتهمين استغلوا أسماء أمهاتهم أو زوجاتهم أو شقيقاتهم، بل حتى صديقاتهم، للمراوغة والحصول على المنفعة المالية، وهو ما حرك متابعات في حق الأسماء التي توصلت بالمساعدات وحولتها إلى صاحب الموقع الإلكتروني نفسه، والتي تكون في بعض الأحيان على علم بما ارتكبته من جرائم.

وإن كان الإحسان العمومي منظما بقوانين ويحتاج إلى مساطر، فإن المشكوك في أمرهم غالبا ما يدوسون على تلك القوانين، فهمهم الوحيد هو الحصول على المال ولو بأي وسيلة.

المصطفى صفر

 “واتساب ” و”فيسبوك” مرتع المحتالين

يبعثون رسائل للمواطنين تخص أشخاصا في وضعية صعبة منمقة بعبارات دينية

في كل لحظة نتوصل برسائل على “واتساب” والفيسبوك” من قبل مجهولين، تتضمن صور أشخاص  سواء داخل المستشفى أو تظهر عليهم أعراض أمراض مزمنة، وضع عليها أصحابها عبارات مختارة بعناية يغلب عليها الطابع الديني، من أجل التأثير في المتلقي، وكأنه أمام واجب ديني من أجل التبرع لفائدة صاحب الصورة.

العديد من المواطنين انطلت عليهم الحيلة، ولم يترددوا في لحظة ضعف “وجداني وديني”، في إرسال مبالغ مالية كل حسب استطاعته إلى رقم حساب بنكي أو عبر وكالة لتحويل الأموال، قبل أن يتبين أنهم ضحية نصب محكمة.

يعترف حكيم، موظف سابق، أنه سبق أن وقع ضحية نصب محكمة، إذ توصل برسالة عبر “واتساب”، لطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها سنتين، تعاني تشوها خلقيا في البطن، وادعت الرسالة أن عائلتها في حاجة إلى 10 ملايين سنتيم، لإجراء عملية جراحية. اعترف حكيم أنه تأثر بمضمون الرسالة، خصوصا أن النصابين توفقوا في اختيار صورة للطفلة وهي تنظر ببراءة صوب مصورها.

وقصد حكيم البنك الذي به حساب الطفلة، وضخ فيه مبلغ 2000 درهم. اعتقد حكيم أنه أدى واجبه كما ينص الدين الإسلامي، لكن بعد فترة طويلة، سيتوصل بالرسالة نفسها، يطالب فيها المرسل بالتبرع للطفلة، وقتها أدرك أنه ضحية نصب. يعزف محترفو هذا النوع من النصب على وتر الدين من أجل التأثير على ضحاياهم، أو على الأقل، دفعهم إلى إعادة إرسالها إلى الأصدقاء والمقربين، وهو ما قد يرفع من عدد الضحايا، كما حدث لسعاد، مستخدمة ببنك، والتي توصلت برسالة عبر “الفيسبوك” من زميل لها، تدعو للتبرع لفتاة في مقتبل العمر تعاني مرض السرطان، وبسبب فقرها وجدت صعوبة بالغة في المواظبة على علاجها.

كشفت سعاد أنها في البداية ترددت في التعاطي مع الرسالة بجد، لكن عندما عاينت تفاعل أصدقائها معها، وقرار العديد منهم التبرع لفائدة الفتاة، قررت المساهمة في هذه الخطوة، إذ اتصلت برقم الهاتف المضمن في الرسالة، وطلب منها المجيب إرسال المبلغ عبر وكالة لتحويل الأموال ودعا لها وشكرها. أرسلت سعاد 500 درهم، معتقدة أنها أحسنت القرار، لكن صديقا لها سيصدم الجميع عندما أكد لأصدقائه أن الأمر يتعلق بعميلة نصب، إذ ربط الاتصال بقريب الفتاة وألح عليه للقاء المريضة ، لكنه ظل يتماطل ويتهرب، فاقتنع الصديق بأنه بنصاب محترف. أعادت سعاد الاتصال بقريب الفتاة للتأكد من الأمر إلا أن هاتفه كان مغلقا. صار هذا النوع من النصب مفضوحا مع مرور الأيام، الأمر الذي دفع النصابين إلى ابتكار طريقة جديدة وفعالة، هذه المرة النصب باسم جمعية دينية، ونشر طلب المساعدة في بعض المواقع الالكترونية المغمورة، والراغبة في الحصول على عدد أكبر من الزوار.

من بين الضحايا خليل، طالب في كلية الحقوق. كان يتصفح مواضيع على “الفيسبوك” فأثاره إعلان منشور على موقع إخباري مغمور، لطفل يعاني مرضا في القلب. نقر على الخبر للاطلاع على فحواه كاملا، داخل الموقع المعني. تأثر خليل بشكل كبير للحالة الإنسانية للطفل، وأثارته أكثر عبارة دينية وآيات قرآنية تدعو إلى الإحسان والتبرع، مع طلب بإرسال المبلغ المتبرع به على حساب الجمعية. أقنع خليل والديه بالتبرع لفائدة الطفل، إلا أن والده طلب منه التريث، والتأكد من صحة الخبر. ربط الأب اتصالا بمسؤول الجمعية، واقترح عليه زيارته لمعاينة الطفل المريض، فكان الجواب صادما، إذ طلب منه المسؤول إرسال المبلغ فقط وأن جمعيته ستتكفل بإجراء العملية، وقتها أدرك أنه أمام نصابين محترفين.

مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق