fbpx
خاص

جرائم الفساد… جنائز كبيرة لفئران

المسكاوي: الإفلات من العقاب استدامة لفساد يهدد الاستقرار

العديد من قضايا الفساد والجرائم المالية والاقتصادية، هزت المغرب، وفجرت غضبا عارما، دون أن يتلوها زجر، تطبيقا لربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يساهم في القطع مع الفساد وسوء التدبير بمختلف درجاته. وأكثر من ذلك، فجرت بعض القضايا الشهيرة تساؤلات حيرت العقول، وأبرزها قضية اختلاسات التعاضدية العامة لموظفي الإدارة العمومية، وبطلها محمد الفراع، التي انتهت بداية بإدانته بالسجن لكن دون تنفيذ الحكم، قبل أن تعاد المحاكمة ويسدل الستار على القضية بتبرئته، وكذلك قضية البنك العقاري والسياحي، وبطلها خالد عليوة، القيادي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي أودع السجن وشرع في متابعته، قبل أن يطلق سراحه. فبماذا يفسر استفحال الإفلات من العقاب بالمغرب؟ وماهي أبعاده وأبرز القضايا التي تجسد فيها؟

إعداد: امحمد خيي

غياب الإرادة… تطبيع يغذي الاحتقان

عند الاستماع إلى تفسيرات بعض النشطاء ذوي الخبرة في متابعة قضايا الفساد بالمغرب، يبدو “الإفلات من العقاب”، “مبدأ” يحظى بالرعاية في المغرب، في ظل ترسانة قانونية ضعيفة، وأساسا لغياب الإرادة الكافية لدى السلطات الثلاث: الحكومة والبرلمان والقضاء، بوصفها المتوفرة على الأجهزة التي يمكنها القطع مع الفساد والهروب من المحاسبة، بالتوازي مع يقظة نشيطة من لدن المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

وفي هذا الصدد، يؤكد محمد المسكاوي، المحامي الذي يترأس الشبكة المغربية لحماية المال العام، في حديث مع “الصباح”، إن الإفلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية والمالية، صار المقابل الرئيسي للفساد، أما السبب فهو “مرتبط بغياب الإرادة لدى أجهزة الدولة، ما يشجع على التمرد على القانون وتشجيع ناهبي المال العام على التمادي في أفعالهم غير القانونية، لأننا لو كنا أمام قاعدة تطبيق القانون وعدم الإفلات من العقاب، ستكون النتيجة الطبيعية هي تراجع وغياب السلوكات المتعلقة بالنهب وتبذير المال العام”.

وفيما شدد المتحدث ذاته، على أن مسؤولية الدولة وافتقارها إلى الإرادة الحقيقية لمحاربة الفساد، ثابتة، لأنها هي التي تتوفر على السلطة وأجهزة تطبيق القانون، التي تعد المحركات الأساسية لتنفيذ السياسات العامة، أمام المجتمع المدني والمواطنين والصحافة، فهم يفتقرون إلى السلطة لكي يفرضوا توجهاتهم بهذا الشأن، أكد في حديثه مع “الصباح”، أن المسؤولين في البلاد، عليهم أن يعوا اليوم، أن السلم الاجتماعي الذي ندعي أننا ننعم به، يجب الحفاظ عليه بحماية المال العام والثروات الوطنية.

ويأتي ذلك، وفق المسكاوي، بالنظر إلى أن الحفاظ على المال العام سيؤدي إلى تنمية اقتصادية وخدمات اجتماعية والكرامة للمواطن، لأن “فقدان الكرامة هو الذي يؤدي إلى التطرف والتحاق الشباب بالجماعات الإرهابية، أو ظهور ثورات وانتفاضات، وبالتالي فالعملية، يجب أن يكون مفهومها كالتالي: سيادة القانون والحفاظ على الثروات الوطنية هو مفتاح الاستقرار الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة”.

وأوضح المتحدث، أن المسؤولين والمؤسسات بالمغرب، ليسوا غير واعين بمخاطر الفساد والإفلات من العقاب، إنما ربما يقولون إن “شوية د الخبز والخضرة موجودين وبنادم تاياكل راه ماكاين خطر”، زيادة على “إحساس عام بأن المغاربة شعب صبور إلى أبعد الحدود”، لكن، الواقع، وبعض التجارب والتاريخ، يبينا أنه عندما ينفد الصبر يؤدي إلى أمور بحجم الكارثة، وهو ما توجد مؤشراته في القراءة العامة لأحداث من قبيل الاحتقان الحاصل حاليا في الريف، وأحداث 20 فبراير 2011، واحتجاجات ضحايا السطو على العقارات.

وشدد رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، أن أخطر ما يشي به الإفلات من العقاب، هو أن الفساد، بوصفه ممارسة لا تختزل في الرشوة البسيطة التي يمنحها المواطن لموظف، إنما في أعمال النهب الكبيرة، هي أن لوبيات ومجموعات متشابكة المصالح، صارت أقوى من أجهزة الحكم والدولة، وكلما غضينا الطرف عليها، تزداد تغلغلا، ويكون صعبا محاربتها في ظرف قياسي، وبالتالي فالإرادة الحقيقية تعني أن تتجند  كافة أجهزة الدولة، بما فيها الاستخباراتية والأمنية، لمحاصرة الفساد، على غرار ما يجري في قضايا تأمين الحدود ومكافحة الإرهاب.

2076 مليار سنتيم خسائر

قبل أشهر، حددت رئاسة الحكومة، كلفة الفساد بمختلف تجلياته، من رشوة واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع والاختلاس والوساطة وتضارب المصالح والغدر والابتزاز وغيرها، في أزيد من 2 % من الناتج الوطني الإجمالي.

وباعتبار أن الناتج الإجمالي الوطني للمغرب، قيمته هي 103 ملايير دولار و800 مليون، فبعملية حسابية، تصل كلفة الفساد إلى 2076 مليار سنتيم، ما جعل رئيس الحكومة السابق، يعلق، بعد كشفه الرقم، بالقول  إن “الفساد آفة حقيقية تضرب في الصميم المجهود التنموي وتنعكس سلبا على صورة المغرب دوليا، كما تؤخر تصنيفه على مستوى مؤشرات النزاهة من جهة وتسهيل الأعمال وجودة مناخ الاستثمار”.

ورغم أن المغرب، أطلق، على خلفية الكلفة المرتفعة للفساد، الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، إلا أن كافة التقييمات، تفيد أنه مازال متغولا، بل ازداد كثيرا منذ 2015، فوضع مؤشر مواجهة الفساد، لمنظمة الشفافية الدولية، المغرب في الرتبة 90 بين 179 دولة خلال 2016، هو الذي تمكن سنتين قبل ذلك، من الارتقاء إلى الرتبة 80 عوض 91 التي عمر فيها لسنوات.

المسؤولية والمحاسبة… الربط المجهض

أثمر الحراك الاجتماعي لـ2011، وشعاراته ضد الفساد والاستبداد، إصلاحا دستوريا ومؤسساتيا، وصل حد التنصيص على مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، مقتضى دستوريا، بهدف وضع حد لهدر المال العام وإعمال الحكامة الجيدة في التدبير، والارتقاء بدور المجلس الأعلى للحسابات.

وبعد مرور ولاية حكومية تأسيسية، مازالت الحكامة مفقودة في جل تدخلات الأشخاص والأجهزة والمؤسسات والهيآت المكلفة بمهام تدبير الشأن العام، ما يسائل حقيقة الإرادة السياسية التي تم التعبير عنها، من خلال وعود انتخابية بمحاربة الفساد وإعمال الرقابة والمحاسبة وربطها بالمسؤولية.

ويبدو أن الخلل كان أساسا في عدم ملاءمة القوانين والتشريعات مع المستجد الدستوري الجديد، ومع المعايير الدولية، سيما مقتضيات الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد لـ2003، التي وقع عليها المغرب في السنة ذاتها، وصادق عليها خلال 2007، وتنص أساسا على إحداث جهاز أو عدة أجهزة مكلفة، حصريا، بالوقاية من الفساد ومكافحته.

ونبهت دراسة لمحمد المسـاوي، الباحث في الشؤون القانونية والعلوم الجنائية، إلى أنه رغم التطورات والتغييرات التي لحقت قطاع القضاء في علاقته بمحاربة الفساد بالمغرب، ظلت محصورة في إطار تقني، لم يسمح بإحداث النقلات النوعية المطلوبة، إذ لم نرقى في مجال مكافحة الفساد، إلى مستوى وجود نظام قضائي متخصص يساهم في تحقيق الردع الكافي.

ويأتي ذلك، سيما أن إعمال مساطر القضاء العادي في التحري والبحث والتحقيق للتصدي لأفعال الفساد، التي تتميز أساسا بطابع السرية المؤدي إلى صعوبة الإثبات، بحد من تعميق التحقيق الإعدادي الذي يكتفي غالبا باعتماد محاضر الشرطة القضائية.

ومن أبرز أسباب القصور في مكافحة الفساد بالمغرب، وفقا للدراسة نفسها، تحجيم دور المجلس الأعلى للحسابات في تحريك المتابعات القضائية مباشرة لدى وكلاء الملك، إذ تلزمه بعض مواد مدونة المحاكم المالية، برفع الأفعال التي تشكل جرائم جنائية إلى وزير العدل، وهناك كانت تحتجز أغلبيتها، وحتى إن حركت المتابعة، تتحرك الآلة السياسية لإجهاض المتابعات.

عليوة… سراح برخصة دفن

توجد قضية القرض العقاري والسياحي، التي توبع فيها المتهم خالد عليوة، القيادي الاتحادي والوزير في حكومة التناوب التوافقي، في طليعة سجل قضايا الفساد المالي، التي لم تحسم إلى اليوم، في غياب أدنى تفسير. فالرجل، لم يغادر السجن فقط في 4 مارس 2013، برخصة من أربعة أيام لحضور جنازة والدته، وتحولت إلى سراح مؤقت ومستمر إلى اليوم، بل لأن مسطرة المتابعة نفسها توقفت، منذ ذلك الحين، دون أدنى تبرير.

أكثر من ذلك، وفي وقت تشير فيه المعطيات المتوفرة، إلى أن المتهم عليوة، لا تلقى عنده أوامر قاضي التحقيق، بالحضور أي أهمية، يتصرف في الفترة الأخيرة، كأن المتابعة سقطت أو كأن البراءة صدرت في حقه، علما أن هيأة دفاعه، حينما كانت تحتج على “لا قانونية اعتقاله”، واعتبرته “تعسفيا”، كانت تؤكد أنه “ليس فوق القانون، ومستعد للمثول أمام القضاء وتأدية الثمن” لأنه يتوفر على ضمانات الحضور.

ويظل القيادي الاتحادي، حرا طليقا، في غياب قرار بسقوط المتابعة، ودون التواصل مع الرأي العام لتوضيح حقيقة مصير ملفه، كأن رخصة دفن والدته، لم تكن في الحقيقة إلا رخصة بدفن الملف كله، فبلغ الأمر ظهور المتهم في أنشطة حزبية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كما أثير اسمه في نهاية 2016، بوصفه، مشاركا، عن طريق مكتب للدراسات يديره، في طلب عروض صفقة أطلقتها الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة، لإنجاز النسخة الثانية من البحث الميداني على المستوى الوطني حول ظاهرة الرشوة!

الضمان الاجتماعي….عدم استرجاع الأموال

يعد ملف اختلاسات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، من أبرز الملفات التي ساءلت جدية خطاب زجر المتورطين في الفساد، كما  أبرزت حجم الاستهتار بمبدأ الرقابة البرلمانية، بوصف تفويضها مستمدا مباشرة من الشعب، فرغم أن القضية، تفجرت منذ بداية الألفية الثالثة، وكانت موضوع تقرير لجنة لتقصي الحقائق البرلمانية، في 2002، إلا أن المحاكمة، لم يشرع فيها، إلا في 2011،بعد مرور عقد كامل من الزمن  شهد حتى وفاة بعض المتهمين.

وأعادت القضية إلى الواجهة أيضا، قضية عدم استرجاع الأموال المنهوبة، إذ في الوقت الذي قدر مجموع الأموال المنهوبة، عبر اختلاسات وتحويلات مباشرة وصفقات وهمية، في 500 مليار سنتيم، ستأتي الأحكام في يوليوز 2016، لتتنوع بين إسقاط المتابعة عن المتوفين، والبراءة والإدانة لـ33 متهما، أشهرهم عبد المغيث السليماني، صهر إدريس البصري، وزير الداخلية الأشهر في تاريخ المغرب، دون قرارات تقضي، مثلا، بحجز مملتكات المدانين، بغرض استرجاع الأموال المنهوبة.

التعاضدية… جبل ولد فأرا

تعد قضية اختلاسات التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، التي بلغت قيمتها 117 مليارا، من قضايا الفساد المالي، التي صدق فيها القول المأثور “تمخض الجبل فولد فأرا”، والتي تسائل حقيقة نجاعة القضاء المغربي في قضايا الفساد المالي، إذ بعد سنوات من الجدل، ومسلسل قضائي شيق، ستدفن القضية في ماي 2016، بتبرئة محمد الفراع، الرئيس السابق للتعاضدية، بعدما أدين في وقت سابق بخمس سنوات نافذة.

ونال الفراع، الذي كان أيضا برلمانيا ورئيسا لبلدية الصويرة، البراءة من تهمة تبديد أموال عمومية، ورفع الحجز عن ممتلكاته، بعدما أعيدت محاكمته، بقرار من محكمة النقض، التي طعن أمامها، رفقة ثمانية متهمين في الأحكام التي صدرت سابقا، ليطوى الملف بالصلاة داخل المحكمة احتفاء بالبراءة، ومغادرة قاعتها تحت شعار “عاشت العدالة”، دون أن يعرف أحد، مصير الأموال المنهوبة، ومن اختلسها بالفعل.

واعتبر المدافعون عن حماية المال العام، ومناهضو الفساد المالي، تعليقا عن حكم البراءة، ما وقع بـ”الانتكاسة الحقيقية، ومؤشرا سلبيا لمناصري عدم الإفلات من العقاب في جرائم الفساد المالي”، وهو الحكم الذي انضاف، حسب الجمعية المغربية لحماية المال العام، إلى قائمة أحكام قضائية صادرة في جرائم الفساد المالي، “تؤكد أن الإفلات من العقاب مستمر في المغرب”.

رقم: 4 ملايير مسترجعة

إذا كان كلفة الفساد ترتفع إلى مستوى 2 % (أكثر من 4000 مليار سنتيم) من الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب سنويا، فإن نسبة الاسترجاع تظل محتشمة جدا، إذ كشف تقرير أنشطة الوكالة القضائية للمملكة في 2015، أن الأموال المختلسة التي استرجعتها، بتنسيق مع مديرية المنشآت العامة والخوصصة، ومديرية أملاك الدولة، لم يتعدى  4 ملايير سنتيم و883 مليون و760 ألف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى