بقلم: الفاضل الرقيبي من يتابع الوضع الراهن داخل "بوليساريو" يلاحظ، بوضوح، أن تنظيمها السياسي يعيش حالة غير مسبوقة من التآكل والاضطراب، إذ لم تعد المسألة مجرد خلافات داخلية، أو إخفاقات ميدانية، بل تحولت إلى ما يشبه سكرات موت سياسي يواجه فيه التنظيم ضغوطا دولية ساحقة من الخارج، وانهيارا بنيويا من الداخل، وعزلة إستراتيجية قاتلة، بعدما تأكد قادة الرابوني وعرابوهم بالجزائر العاصمة، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أن خيار "الانفصال أو لا شيء" لم يعد صالحا في سوق السياسة الدولية، وأن مقترح الحكم الذاتي المغربي، الذي يكتسب كل يوم دعما متزايدا من عواصم القرار العالمي، لم يترك للجبهة إلا خيارين: القبول أو الانقراض. ولعل شغل الجنرالات الشاغل الآن هو تكييف هذا القبول، الذي يبدو حتميا، لكي لا يأتي في صورة استسلام للمغرب، من خلال رسم صورة مغايرة تحاول إظهار قبول الحكم الذاتي وكأنه "نتيجة نضال" لا نتيجة حصار مغربي مدروس أفقد الجزائر جل سبل المناورة. من هنا نفهم المحاولات اليائسة لـ "بوليساريو" والآلة الدعائية الجزائرية، التي تتفانى ودون استحياء، في نشر بيانات عسكرية حول أقصاف يعلم الجميع أنها خيالية، وكذلك صور لزيارات إبراهيم غالي لعواصم بذاتها، في محاولة لبعث رسائل داخلية تقول من خلالها لسكان المخيمات المتذمرين "نحن ما زلنا في الميدان"، حتى لو كان الميدان سرابا والسلاح صوتا بلا صدى، في مسرحيات الهدف منها لم يعد "تحقيق الاستقلال"، بل تأخير الانفجار الداخلي بأي وسيلة ممكنة، ولو باستعراضات إعلامية فارغة، لكن حيل إبراهيم غالي وأزلامه لم تعد تنطلي حتى على كوادر الجبهة، التي بدأت تتمرد بصوت عال هذه المرة. فالدعوة، أخيرا، إلى عقد مؤتمر استثنائي، والمطالبات الصريحة بعزل غالي ليست "اختلافات تنظيمية"، كما يحاول الإعلام الموالي له تصويرها، بل هي انقلاب ناعم من داخل التنظيم نفسه، ويؤكد أن مرحلة الزعيم قد انتهت فعلا، وأن محاولات احتواء الأزمة لم تنجح ولن تنجح، والأخطر من ذلك أن شخصيات كانت، حتى وقت قريب، تحسب على تيار اغويلي، بدأت تتململ كمصطفى محمد علي سيد البشير، وبابية الشيعة، وفاطمة المهدي، وكلها أسماء ثقيلة في ميزان التنظيم، أبدت، في الخفاء، تعاطفها مع دعوات التغيير هذه، كما أن وفدا من القيادات المتمردة زار محمد لمين البوهالي، أحد أبرز "الصقور"، في مخبئه قرب تندوف، وخرج بموافقة مبدئية على دعم المؤتمر الاستثنائي، وهو ما يمثل تحولا جوهريا في ميزان القوى الداخلي. هذه التحركات تؤكد أن "الوحدة الداخلية"، التي طالما تغنت بها الجبهة نسفت عمليا، وهناك تصدع عميق وانشقاقات كامنة، قد تتحول، قريبا، إلى معركة داخلية مفتوحة تجهز على ما تبقى من شرعية الجبهة، أمام سكان المخيمات، وتجعل الجزائر أمام معضلة غير مسبوقة، فالتدخل لفرض الانضباط قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في المخيمات، التي أصبحت مرتعا للمجموعات المسلحة. والمفارقة أن هذا التهديد لا يأتي من الخارج، بل من أدوات صنعتها الجزائر بنفسها، لكنها لم تعد قادرة على التحكم بها، خصوصا أن المخيمات توجد على مقربة من الحقول النفطية الكبرى، ما يجعل من أي فوضى داخلها تهديدا مباشرا للأمن القومي الجزائري. ولذلك، فالمتابع لتصريحات الجزائر الرسمية يلاحظ تراجع الحماسة القديمة وحذرا بالغا يعكس الخوف من أن يتحول الحليف القديم إلى عبء ثقيل يصعب التخلص منه. ما تعيشه "بوليساريو" والجزائر اليوم، لا يمكن وصفه إلا بأنه سكرات موت مشرف، لأن الأزمة اليوم لم تعد قضية سياسية فحسب، بل تحولت إلى انهيار مركب: أخلاقي وتنظيمي وميداني، لا صدى للسلاح، ولا وحدة في الصف، ولا دعما دوليا يعتد به، ولا رؤية للمستقبل، وحتى الراعي الإقليمي لم يعد يملك الطاقة، ولا الرغبة، لحمل هذا العبء الثقيل، إذ يمكن الآن الجزم بأن لحظة الحقيقة قد حانت: إما أن تعترف "بوليساريو" والجزائر بأن زمن الشعارات قد انتهى، أو أن تتحول إلى ذكرى أخرى في سجل الحركات التي أكلها الزمن..