الأمور محسومة سلفا ما يلمسه المتتبع السياسي، حدوث تفاعلات عديدة، بعضها يؤثر سلبا على سيرورة المجتمع، وبعضها الآخر يراهن على إحداث التوازن بين الآمال والطموحات وبين الانكسارات، التي تدفع المواطن إلى اليأس والإحباط، ويفضي الأمر أحيانا ببعض الرافضين إلى اتخاذ مواقف سلبية وعدولهم عن المشاركة السياسية ورفضهم التصويت في كل الاستحقاقات الانتخابية، التي تعد أمرا مهما في بناء المغرب الجديد. وللأسف يرفض بعض الشباب عدم المشاركة في الانتخابات، بدعوى عدم جدوى العملية بكاملها، لأن الأمور في اعتقادهم تكون محسومة سلفا، وهذا أمر غير مقبول لأن عدم المشاركة في العملية الانتخابية يفسح المجال أمام منتخبين غير أكفاء لفرض ذواتهم، وبالتالي يصبح المقعد البرلماني هدية مجانية يحوزها المحظوظ، بسبب التمثلات الخاطئة للمواطنين، الذين يرتكبون أخطاء قاتلة بعدولهم عن التصويت يوم الاقتراع. (مقاول) تقديم حصيلة الإنجازات لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى فرص للريع وتحقيق مكاسب سهلة تمنح مجانا لبعض المنتخبين، الذين ينالون «الكعكة» على طبق من ذهب، لغياب عناصر المحاسبة سواء تعلق الأمر بعلاقة المنتخب بالحزب، أو علاقته بالمواطنين. ولكي تكرس العملية الانتخابية وظيفتها الحقيقية في المجتمع، ويقبل الناخبون على صناديق الاقتراع وترتفع نسبة المشاركة، التي تتدنى موعدا بعد آخر، ينبغي بناء جسور الثقة بين الناخبين والمنتخبين من جهة، وبينهم وبين الأحزاب من جهة أخرى. ولكي تأخذ العملية الانتخابية أبعادها، ينبغي ربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال تقديم المرشحين حصيلة إنجازهم للمواطنين، الذين صوتوا لفائدتهم مع عرضهم المبادرات التي أنجزوها طيلة فترة انتدابهم. (فاعل جمعوي) استقاهما: سعيد فالق (بني ملال) تراجع الثقة في السياسيين أكد أحمد الجيهاوي، مستشار بجماعة هشتوكة وفاعل حقوقي، أن هناك تناميا واضحا في عزوف المواطنين عن التسجيل في اللوائح الانتخابية، خطوة أولى على ممارسة حقوقهم الدستورية في الترشح أو التصويت على من يمثلهم في جميع الأجهزة التمثيلية . وزاد الجيهاوي أن العزوف المشار إليه نلمسه عند جميع الفئات العمرية المعنية بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، لكنه ملحوظ بدرجة أقوى في صفوف الشباب. وقال الجيهاوي إن ضعف الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية ، يعتبر من أكبر التحديات التي تواجهها الممارسة الديموقراطية ببلادنا، وأرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها تراجع الثقة في الفاعلين السياسيين والمؤسسات المنتخبة ،نتيجة اتساع الفجوة بين الوعود الانتخابية والنتائج المحققة على أرض الواقع. وأوضح الجيهاوي أن شريحة واسعة من المواطنين تشعر بأن مشاركتها في العملية الانتخابية، لا تنعكس بشكل ملموس على تحسين أوضاعها الاجتماعية أو التأثير في القرارات التي تهم حياتها اليومية، كما أن الانشغال بالأوضاع المعيشية والبحث عن فرص الشغل، جعلا الاهتمام بالشأن الانتخابي يتراجع في سلم الأولويات. ولفت الجيهاوي الانتباه إلى أن الأحزاب السياسية تعاني ضعف التأطير والتواصل، فغالبا ما يقتصر حضورها على الفترات الانتخابية ، ولايمتد إلى عمل ميداني مستمر يرسخ ثقافة المشاركة ، ويقرب المواطنين من الفعل السياسي. وختم بأن الخطاب التقليدي لم يعد قادرا على استقطاب الأجيال الجديدة،التي تعتمد بشكل أساسي على الوسائط الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن معالجة الظاهرة تقتضي إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات وربط العمل السياسي بالاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين والتوعية بأهمية المشاركة في صنع القرار، وأن ذلك يبدأ فعلا من حملات تحسيسية واسعة وفعالة لتوسيع دائرة التسجيل في اللوائح الانتخابية. (مستشار جماعي وفاعل حقوقي) استقاها: عبد الله غيثومي (الجديدة) السياسة بعيدة عنا أنا شاب في الثلاثين من عمري، ولم يسبق لي أن سجلت اسمي في اللوائح الانتخابية، ليس لأنني أرفض المشاركة في الشأن العام أو لا أهتم بما يجري في بلدي، بل لأنني ببساطة لا أرى جدوى من ذلك. منذ سنوات ونحن نسمع الوعود نفسها تتكرر في كل محطة انتخابية، لكن الواقع الذي نعيشه لا يتغير بالشكل الذي يجعلنا نؤمن بأن صوتنا قادر فعلا على إحداث الفرق. أغلب الشباب الذين أعرفهم يتقاسمون الشعور نفسه. هناك إحساس متزايد بأن الأحزاب السياسية أصبحت بعيدة عن انشغالات المواطنين اليومية، وأنها لا تتواصل معنا إلا خلال الحملات الانتخابية. بعد ذلك تختفي الوجوه والشعارات إلى حين اقتراب موعد الاستحقاقات الموالية. هذا الأمر خلق نوعا من فقدان الثقة، ليس فقط في الأحزاب، بل في العملية الانتخابية برمتها. كما أن الخطاب السياسي السائد لا يجذب الشباب، لأنه لا يتحدث بلغتهم ولا يلامس مشاكلهم الحقيقية المرتبطة بالشغل والسكن والتعليم وغلاء المعيشة. وحتى عندما تم اعتماد التسجيل الإلكتروني، لم يتغير شيء بالنسبة للكثيرين، لأن المشكل لا يتعلق بطريقة التسجيل، بقدر ما يتعلق بغياب الحافز والثقة. في اعتقادي، لن يرتفع الإقبال على التسجيل إلا عندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن المنتخبين يحاسبون على وعودهم، وأن السياسة قادرة فعلا على تحسين حياته اليومية. (خبير محاسب بطنجة) الأزمة أعمق من التسجيل من خلال متابعتي للشأن العام والعمل الميداني داخل المجتمع المدني، أرى أن عزوف المغاربة عن التسجيل في اللوائح الانتخابية ليس مجرد مشكلة تقنية أو مرتبطة بصعوبة المساطر، بل انعكاس لأزمة ثقة تراكمت على امتداد سنوات طويلة. فالمواطن اليوم يقارن بين الوعود التي يسمعها خلال الحملات الانتخابية وبين النتائج التي يلمسها على أرض الواقع، وعندما لا يجد ما يقنعه تتراجع رغبته في المشاركة. وتبرز هذه الظاهرة بشكل أكبر لدى فئة الشباب، التي تشكل النسبة الأهم داخل المجتمع المغربي. كثير من الشباب لا يشعرون بأن المؤسسات السياسية تمثلهم أو تعبر عن تطلعاتهم، كما أن عددا منهم لا يعرف أصلا أدوار المجالس المنتخبة وحدود اختصاصاتها، بسبب ضعف التأطير والتواصل السياسي المستمر. صحيح أن الدولة أطلقت خلال السنوات الأخيرة عدة مبادرات لتسهيل التسجيل، من بينها الخدمات الرقمية والحملات التحسيسية، غير أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية إذا لم تواكبها عملية تجديد حقيقية للعمل السياسي وإفراز نخب قادرة على استعادة ثقة المواطنين. كما أن غياب شخصيات سياسية مؤثرة وقريبة من الناس ساهم بدوره في اتساع دائرة اللامبالاة. أعتقد أن من بين الحلول الممكنة اعتماد التسجيل التلقائي للمواطنين المستوفين للشروط القانونية، بالتوازي مع تعزيز التربية على المواطنة داخل المدارس والجامعات، وخلق تواصل دائم بين المنتخبين والمواطنين، حتى يشعر الجميع بأن المشاركة السياسية ليست مجرد واجب انتخابي، بل وسيلة للتأثير في القرارات التي تمس حياتهم اليومية. (فاعل سياسي بطنجة) استقاهما: المختار الرمشي (طنجة)