ربورتاج

هكذا تتاجر شبكات في الأفارقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النساء عملة العبور وشبكات تجني الملايير وتسخر رؤساء المجموعات لخدمتها

من الحقول اللامتناهية للهجرة يقبلون، ليس على متن حلم بالاستقرار في المغرب، والحصول كما آلاف آخرين من مختلف الدول الإفريقية على وثائق الإقامة، بل يسيرون في ركب شبكات التهجير والاتجار في البشر. عملتهم للوصول إلى المحطة الأولى/ المغرب: أجساد المهاجرات، يقدمونها لحراس الحدود، من عسكر وعصابات. وعملتهم للوصول إلى المحطة النهائية/أوربا، ما يجمعونه من أرصفة التسول والبيع بالتجول،
لتحصيل مبالغ تتراوح بين 10 آلاف و70 ألف درهم. بشيفرات معقدة يتواصلون وتحت سلطة “الأخ الأكبر” أو رئيس المجموعة، يتحركون، وبأمره يتنقلون من مدينة إلى أخرى، قبل أن يستقروا
لأيام في قاعة انتظار كبيرة، لجمع المبلغ المطلوب، للعبور إلى أوربا، عبر قوارب الموت أو جيت سكي أو السيارات.

إنجاز: ضحى زين الدين

عند حافة جبل من الأفرشة البالية، المعبأة في أكياس بلاستيكية كبيرة سوداء اللون، وتحت ظلال ملابس منشورة على السياج الحديدي، يتمدد، غير أن وضعيته تلك لا تعني أنه غافل عما يجري حوله، بل يستنفر وقفته سريعا عند طقطقة آلة التصوير، “ماذا تفعلون؟ ممنوع التصوير!” يردد الجملة أكثر من مرة باللغة الفرنسية، محرضا في آخرين، يرابضون غير بعيد عنه، واجب الدفاع عن حرمة المأوى المفتوح على الملأ.
كذئاب تحرس عرينها، يرسلون إلى كل من يمشي بمحاذاة سياج الملعب نظرات تحذير وإشارات مفادها، “شوف قدامك !”، وإن استمررت في التحديق، دهشة، في أسرتهم القديمة المتناثرة، وأفرشتهم البالية التي يتعاونون على جمعها لدسها في أكياس بلاستيكية كبيرة، فإنهم لا يترددون في الاقتراب من السياج الفاصل بينكما. سرعة وطريقة مشيتهم توحي أنهم يريدون بك شرا.

رائحة…

روائح عطنة، تدفعك بقوة إلى الخلف، إلى التراجع مكرها. قبل أن تطأ قدماك رصيفا ملغوما بالنفايات والبول و… “هنا كيبولوا في الليل، ما عندهمش طواليط” يقول أحد البائعين المتجولين بمحيط المحطة الطرقية، وبعبارات مشبعة بالعنصرية، يقول آخر “دين …خانزين”. غير أن آخر يكون أكثر إنصافا وهو يوضح “مراحيض الملعب المحاذي مغلقة ليل نهار، بابها الحديدي لا يفتح إلا نادرا، ثم إن المهاجرين يحرصون ليلا على ألا يبتعدوا عن المأوى، ولتعرفي السبب زوري المكان ليلا”.
ما يحاول البائع نقله هو أن المحطة الطرقية لأولاد زيان تتحول ليلا إلى مدينة المشردين وقطاع الطرق وأطفال الشوارع والهاربات والمومسات وسماسرة الليل، “يصبح عمل الفاعلين الجمعويين هنا معقدا ليلا، لا يمكنهم ضبط ما يجري. حتى مندوب التعاون الوطني يزور المكان أحيانا ويعجز عن ضبط أبسط فئاته وهم الأطفال”.
ولأنهم يدركون أن المواجهة مع هذه الفئات ليلا خاسرة، أو على الأقل غير ضرورية، بل قد تكلفهم  إثارة الانتباه، فإنهم “ملتزمون بملعب “بكار” وبموقع بالقرب من شبابيك التذاكر، ولا يترددون في التبول في المكان” يقول أحد العاملين بالمحطة، ويسترسل وصوته قد اكتسى صبغة كشف سر من الأسرار “جا لهنا العمدة براسو..كان غادي يدير شي مشروع في المحطة، ولكن مللي لقا المهاجرين في هاذ الحالة، هرب، رجع منين جا، وعمرو ما عاود حط رجليه هنا…غير الريحة كان خاصها تخليه يتدخل ولكن …”.
وحدها الجمعيات الحقوقية تجرؤ على الاقتراب من المكان، والتدخل إنسانيا فحسب، “في مثل هذه الحالة، لا يمكن التدخل إلا إنسانيا، لسببين أولهما أن هؤلاء لم يختاروا المكان اعتباطيا، بل اختارته عنهم شبكات تهريب البشر وحولته إلى قاعة انتظار كبيرة. ثانيا الملف يتعلق بمهاجرين لا يمكن الكشف صراحة أنهم مجرد عابري سبيل، وليسوا ممن يطمحون إلى وثائق الإقامة بالمغرب، ولا يمكن طردهم لاعتبارات سياسية” تقول مصادر حقوقية، رفضت ذكر اسمها.
وضعية مأساوية تنذر بكارثة إنسانية، إذ قد يتحمل بعض هؤلاء العيش في مرحاض مفتوح، وفي مزبلة بشرية، لكن آخرين سرعان ما يسقطون فريسة للمرض، خاصة أمراض التعفنات. وهو سبب كاف يدفع مندوبية وزارة الصحة بالفداء مرس السلطان بالبيضاء، أخيرا، إلى حط رحالها، بموقع محاذي للمأوى العشوائي، وإجراء فحوصات مجانية لكشف داء السل، “في البداية وضعنا تجهيزاتنا في الملعب الذي يقيم به هؤلاء المهاجرون، لكننا نقلناها إلى موقع آخر لسببين الأول مرتبط بعدم وجود مورد للتيار الكهربائي في الملعب، ثم الرائحة الكريهة، إذ لا يمكن لطاقمنا العمل في مثل هذه الظروف” تقول مندوبة وزارة الصحة بالفداء.
رغم محاولات جمعويين إقناع المهاجرين بضرورة الخضوع إلى الكشف الصحي، إلا أن قلة قليلة منهم تستجيب لذلك، ومبررهم أن موظفي الوزارة يخضعونهم إلى ما يشبه الاستنطاق، “أغلبهم متكتمون جدا، لكننا نبذل كل مجهوداتنا لإقناعهم بأن دورنا إنساني، وأقنعنا خلال هذه الحملة 120 منهم، ثلاثة مصابون بمرض السل، أحدهم حالته تستوجب الاستشفاء” تقول المندوبة، مضيفة أن المهاجرين يرفضون بدء حصص العلاج، بمبرر أنهم لا يحصلون على وجبات غذائية منتظمة، ويعيشون في ظروف مزرية، إذ يقيمون في عرض الشارع.
استقرار المهاجرين بغابة بليونش بتطوان أو كروكو بطنجة، أو في الكهوف القريبة من سياجات المدينتين المحتلتين، أو من مواقع تهريب البشر عبر البحر، له دوافع لا تدعو للتساؤل. الجواب بسيط، وهو التربص بمنافذ الحلم، لكن استقرارهم لفترة بالبيضاء والرباط، يطرح عدة تساؤلات “لا نرى من الهجرة إلا القشور، أما كيف نضجت هذه التجربة ووصلت إلى المرحلة ما قبل الأخيرة، فهنا تكمن الكارثة الإنسانية” تقول باجو، فاعلة حقوقية ومساعدة اجتماعية بمؤسسة أطباء بلا حدود، وتضيف  “قد تعتقدين أن الذين يدورون في شوارع البيضاء متسولون، لم يصلوا بعد إلى مرحلة الانتقال إلى طنجة أو تطوان أو الناظور، ولكن العكس هو الصحيح، هؤلاء جاؤوا من هذه المدن لأن ساعة رحيلهم إلى أوربا دنت، لذلك تنقلهم المافيات إلى العاصمتين الإدارية والاقتصادية لجمع المال في ظرف أسبوع إلى عشرة أيام”.
بعد أن يجمع فوج المال الكافي، يمد به الشبكات، يصدر الأمر بالعودة إلى مدن الشمال مرة أخرى، ثم يحل مكانهم فوج آخر، “لا يحملون معهم الأفرشة ولا حتى بعض الملابس القديمة، فأعضاء الفوج الموالي يستخدمونها أيضا، وهكذا يصبح المكان أي الملعب قارا وبمثابة قاعة انتظار”.

تسول…

في الطريق إلى المحطة، يؤثث العشرات منهم المدارات وإشارات المرور. إن كان أمثالهم في طريق الجديدة يتسلحون بعبارات بالدارجة المغربية، وهم يتوسلون السائقين وركاب مختلف وسائل النقل، فإنهم في أولاد زيان يكادون لا يعرفون أي كلمة بالعربية ما يؤكد أنهم حطوا الرحال بالمكان منذ بضعة أيام فقط.
أغلبهم يمارس مهنة التسول، وبعضهم يتاجرون في سلع من قبيل “الشارجورات” والهواتف و”المتسولون هم في الغالب المتحدرون من نيجيريا وكوت ديفوار والكونغو، بل كل المتحدرين من مناطق تعيش حروبا ونزاعات داخلية، لكن هناك فئة لن تجدي منها من يتوسل إلا نادرا وهم الماليون والسينغاليون، لأن لهم عادات تعتبر مد اليد عيبا وفضيحة” تقول سعيدة باجو، مساعدة اجتماعية بمؤسسة أطباء بلا حدود، قبل أن تضيف بلغة العارف بوضعية المهاجرين العابرين، “لا يتحدثون بسهولة، ليس لأنهم لا يرغبون في ذلك، بل لأنهم ممنوعون، ومن خالف الأوامر يتعرض لعقوبات صارمة، بل قد ينفى من المجموعة، والأكثر صرامة منهم هم الفئة الناطقة بالإنجليزية”.
عند إضاءة الإشارة الحمراء، يسرعون الخطى نحو السائقين، لا يلبسون وجوههم ملامح الدروشة، بل يعبرون مسرعين، يكتفي أغلبهم بمد اليد، قبل أن يعودوا إلى جنبات الطريق في انتظار تكرار المحاولة.
في مدارة طرقية أخرى نتبادل أطراف حديث مع مهاجرين آخرين، غير أن السؤال الواحد يلقى عدة أجوبة متناقضة أحيانا، “هذا طبيعي، إنهم مراقبون، لا يقولون الحقيقة كاملة، إلا من اقتنع منهم بفكرة الاستقرار في المغرب، أما الذين يأتون بهدف المغادرة فـأولئك يخضعون لمافيا خطيرة جدا” يقول سعيد بوعمامة، رئيس جمعية اللقاء المتوسطي للهجرة والتنمية، قبل أن يحكي ما تعرض له على يد مافيوزيين يتحدران من جنوب الصحراء، “بحكم الخدمات الإنسانية التي تقدمها جمعيتنا لهؤلاء المهاجرين، كسبت ثقة بعضهم، وكانوا يقيمون في طنجة في منزل قديم مبني بالآجر وغير مطلي. دعاني أحدهم للدخول إلى البيت ذات مرة، وما أن هممت بذلك حتى وصل مهاجران، يبدو من خلال السلطة التي فرضاها في المكان أنهما أفراد عصابة، ما أن رآني أحدهما حتى شل حركتي ودفعني بقوة إلى الحائط ، مستفسرا عمن أكون، لحظتها فهمت أنهما أعضاء في شبكة التهريب. في الجهة المقابلة كانت غرفة تضم عدة هواتف مرصوصة على المكتب، وحاسوب، وهي الوسائل التي يستخدمونها في التواصل مع الشبكة”.
تحاول أغلب الجمعيات الوقوف عند حدود يرسمها المهاجرون أنفسهم، “لا يمكننا تجاوز حدود العمل الإنساني. هذا ما يسمحون به هم أنفسهم، إذا انخرطت معهم في تفاصيل الهجرة يبنون أمامك جدارات ويقاطعونك” يؤكد الفاعل الحقوقي نفسه.

سلطة “شارمان”…

رؤساء المجموعات أو “شارمان” أو “البيك برادر” أي الأخ الأكبر، هم المسؤولون عن سن قوانين الهجرة من الألف إلى الياء، بل هم من يخطط تفاصيل حياة المجموعات التي يحكمونها، “لديهم قواميس خاصة بهم، ويتعاملون بشيفرات معقدة، لا يمكن فكها إلا من قبل المتعاملين معهم” يقول سعيد بوعمامة، رئيس جمعية اللقاء المتوسطي للهجرة والتنمية، مضيفا أنه لا يمكن لأي مهاجر أو مهاجرة التحرك بدون إذن منهم، “ينظمون المجموعات حسب اللغات والدين والدول والعادات أحيانا، وهم المسؤولون عن المؤونة وجمع المال وفض الشجارات والخلافات، وهم من يربط العلاقات بمافيا التهجير، بل منهم أعضاء فيها، يحددون نقط الالتقاء في المدن، ويحددون تاريخ الهجرة، وطرقها، وتاريخ اجتياح شارع ما أو غابة أو مدينة، ومواعد العمل والتسول وغيرها لجمع المال الكافي لدفع فاتورة الوصول إلى أوربا، بل حتى تاريخ اقتحام السياجات عند مليلية وسبتة”.

ملايير…

10 ملايير دولار هو الرقم الخيالي الذي تدره هجرة أفارقة جنوب الصحراء على مافيا التهجير، حسب تقرير سابق  لوزارة العدل، تعرضت فيه لمجموعة من الأسباب التي تدفع الأفارقة من جنوب الصحراء إلى الهجرة، وتلح على أن  “في ظل هذا الوضع المأساوي نشأت بوادر الهجرة غير المشروعة وبدأ البحث عن أساليب احتيالية للهجرة ظهرت في إطارها في البداية جماعة من المهربين ليتحولوا في ما بعد إلى عصابات لتهجير البشر والاتجار فيهم، حيث أضحت عندهم بمثابة تجارة مربحة تدر أموالا طائلة تصل حسب بعض الإحصائيات إلى 10 ملايير دولار سنويا”.
ولا يقف التقرير عند هذا الحد، بل يؤكد أن هذه الظاهرة أنتجت عدة مآس تتمثل في ما يتعرض له هؤلاء المهاجرون من “نصب واعتداءات جسدية وسرقات واغتصاب ومختلف أشكال العنف، بل إلى الموت أحيانا سيما إثر تعريضهم للسرقة، ناهيكم عما تخلفه عمليات نقلهم عبر البحر بواسطة ما أصبح يعرف بقوارب الموت من مئات الضحايا سنويا”.
لا تتوقف جهود الوزارات الوصية والأجهزة الأمنية عند إصدار التقارير، بل إن عملياتها متواصلة في ترصد خطوات هذه الشبكات، إذ تم تفكيك 62 شبكة متخصصة في الاتجار بالبشر، كانت تنشط في التراب الوطني في 2016، حسب تقرير لوزارة الداخلية. وفي إطار تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة تهريب البشر، تم تفكيك 2939 شبكة إجرامية منذ 2002 وإحباط أكثر من 25700 محاولة للهجرة غير الشرعية إلى غاية نهاية شتنبر الماضي، وتم إفراغ الغابات المجاورة لمليلية المحتلة، وإنقاذهم من الوضعية المفروضة عليهم من قبل هذه الشبكات.

فواتير الحلم

عند الوصول إلى طنجة أو تطوان أو الناظور يبدأ عمل السماسرة من مختلف الجنسيات، مغاربة وجزائريين وأفارقة متحدرين من جنوب الصحراء وإسبانيين أيضا. في السابق كانت وسائل الهجرة معروفة، وهــي قــوارب المــوت، لكنها اليــوم تعــددت، وأصبحــت شبكات التهريب تجد لنفسها المنافذ، لجني ربح أكبر، لذلك “تتراوح كلفة الهجرة ما بين 10 آلاف درهم و40 ألفا عبر القوارب الخشبية والمطاطية والجيت سكي، أما عبر السيارات فالسعر يرتفع إلى 70 ألف درهم”، يقول محمد سعيد السوسي، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، الجمعية التي تعنى بقضايا المهاجرين، مضيفا أن تكلفة نقلهم من بلدانهم إلى المغرب تتراوح ما بين 10 آلاف درهم و15 ألفا، لكن لسعيدة باجو، المساعدة الاجتماعية، رأيا آخر، في هذه الكلفة، “الثمن الحقيقي هو الكرامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنساء”، وهنا تكشف الفاعلة الجمعوية جرائم تتعرض لها المهاجرات في طريقهن إلى المغرب، “بعد حصص استماع إلى بعضهن كشفن أنهن يبعن في مزادات الاغتصاب من قبل شبكات التهجير، فهم يقنعونهن في بلدانهن أن بإمكانهن السفر إلى المغرب، وجمع المال بسهولة للهجرة، ويختارون العذراوات، لأن سعرهن مرتفع”.
ما أن تقتنع الفتــاة بالهجرة، حتى تلتحق بركب المهاجرين، “عنــد الوصول إلــى أي حــدود أو عنــد اعتــراض سبيــل الركب من قبـل عصابـات الطـرق، تقدم الفتيات هــدية، ليتم اغتصابهن، لذلك يطلـق عليهـن في لغة المهــربين “بياس دي شانج” قطع المبادلـة، بل أصبحــن يمثلــن تأشيرات السفــر عند الحدود، وعملة العبور، حيث يتم استغلالهن جنسيا من قبل عسكر الحدود في كل البلدان التي يعبرونها، منها حتى الجزائر” تضيف باجو، وهي تتساءل “لماذا لا يستفسر أحد عن سر وصــول مئــات المهاجــرات وهن حوامل؟ لا تنجو منهن إلا اللواتي جئـن مع أقاربهـن، ولا تتـوقف مسيرة استغلالهن عند الحدود، بل إن رؤساء المجموعات يسخرنهن في الدعارة عند الوصول إلى المغرب، لدفع تكاليف الهجرة إلى أوربا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق