fbpx
الصباح السياسي

“البلوكاج”… سوء منهجية أم أزمة سياسية!

بنكيران أصر على المواجهة عوض التوافق وانتقل من خطاب حماية النتائج إلى لغة ملغومة

بعد انقضاء أربعة أشهر ما تزال أزمة “البلوكاج” الحكومي تراوح مكانها، تارة في انتظار عودة الملك من إفريقيا وتارة أخرى في ترقب عودة المشاورات مع الأطراف الحزبية المعنية بالمشاركة في الحكومة. لكن النتيجة أن أزمة الانسداد الحكومي لم تسجل جديدا، بعد أن بدأت منهجية وانتهت سياسية.

مآل الحكومة… في أفق الانفراج

أزمة المشاورات بين بنكيران وباقي الأحزاب لإعلان الأغلبية بدأت منهجية وانتهت سياسية

لقد واجه رئيس الحكومة، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مشاكل كثيرة في مشاوراته مع الأحزاب التي راهن عليها لتكون حليفته في الأغلبية الحكومية المقبلة. لكنه، بالمقابل، يتحمل مسؤوليات كبيرة في ما آل إليه الوضع من “بلوكاج”، فقد أخطا المنهجية منذ البداية وميز بين خصومه وأصدقائه، وفي مرحلة ثانية وجد أنه في حاجة إلى الخصوم من أجل تسهيل التقارب مع الأصدقاء، واقتنع أن السياسة لا مجال فيها للعداوة الدائمة، بالنظر إلى تغير المواقع والمواقف وارتهان حسابات اليوم إلى نتائج انتخابات الغد.

أزمة منهجية

 في البدء كان على رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، أن يبحث عن الأغلبية العددية، فاختار التوجه إلى الأغلبية السابقة التي تضم أحزاب التجمع الوطني للأحرار والحركة علاوة على شريكه ما قبل الانتخابات حزب التقدم والاشتراكية، وفاتح في موضوع المشاركة أيضا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي تخلى عن مشاركته وبدا متمسكا أكثر بالأغلبية السابقة، التي شاركته الولاية الحكومية 2016-2011. وضمن هذا الخيار الجديد، أي إبعاد الاتحاد الاشتراكي، تشكل تحالف من الأغلبية التي يفاوضها، إلى جانب الاتحاد، وبدا أن بنكيران يفاوض كتلة سياسية يقودها التجمع الوطني للأحرار، وتضم كلا من الحركة الشعبية والاتحادين الاشتراكي والدستوري، حينها أدرك رئيس الحكومة أن المنهجية التي سلكها منذ البداية لم تكن موفقة، وأن رهانه على الاستقواء بطرف من أجل الضغط على طرف آخر، انقلب ضده بعد أن تحالفت الأطراف ضد مخططه.

نهاية التأثير

في تدبيرها لمرحلة ما بعد الربيع المغربي، نجحت الدولة في أن تستعيد زمام المبادرة وقبل رئيس الحكومة في آخر فترة عهده تقديم الكثير من التنازلات، دستورية على الأقل، وبدا أن العدالة والتنمية منشغل باستعادة الثقة مع المؤسسة الملكية، بعد حوادث سير سياسية متراكمة، بقدر انشغاله بالفوز في الانتخابات، لكنه وإن فاز بالانتخابات فإنه خسر مواقع كثيرة في محيط القصر. حينما وقع التفاف على السياق الإقليمي، تحولت الحياة السياسية المغربية إلى شأن داخلي بامتياز لا تقع تحت تأثير الربيع العربي، كما حدث في فبراير 2011، وهو ما يفسر ثقل الإدارة التي استعادت التحكم في مفاصل الحياة السياسية بدءا بالانتخابات، حين راهنت على فوز الأصالة والمعاصرة وصولا إلى حالة أزمة تشكيل الحكومة، التي يتحمل بنكيران وبلاغاته مسؤولية تعثرها، بعد أن استغل الرهان على “البام” لصالحه وبدأ ترويج خطاب المظلومية طيلة فترة الحملة الانتخابية.

أزمة سياسية

خلال الولاية الحكومية السابقة، وفي أول تجربة للعدالة والتنمية على رأس الحكومة، لم تكن العلاقة بين حزب رئيس الحكومة والملك، دائما على ما يرام، فكثيرا ما حاول قياديون في “بيجيدي” جر الملك إلى تنازع سياسي، تارة بافتعال المشاكل، كما حدث مع البرلماني عبد العزيز أفتاتي حينما دخل منطقة حدودية عسكرية في الشرق أثارت غضبة ملكية، وتارة بإطلاق تصريحات سرعان ما يتم التراجع عنها أو تصحيحها، وقد حدث مرارا مع رئيس الحكومة نفسه. في الحالتين معا كان المتتبعون يدركون أن الأمر يتعلق بتبادل للأدوار داخل العدالة والتنمية بغرض اختبار تأثيره في النسق السياسي العام، عبر افتعال “التحكم” للتهجم على حزب سياسي قائم، وكذا من خلال محاولة الاقتراب من الدائرة الملكية، وكان آخر كلام بنكيران عن الملك حينما أساء التعليق عن جولات الملك في إفريقيا وربط بين المهام الإنسانية التي يقوم بها للنهوض بالأمم الإفريقية وبين إهانة الشعب المغربي. من هنا يمكن تشخيص “البلوكاج الحكومي” على أنه اختبار قوة بين محيط الملك والعدالة والتنمية، إلا أن هذا الخيار لا ينزاح عن إستراتيجية الدولة “التغيير في ظل الاستمرارية”، أي الانتقال الديمقراطي في استقرار قواعد اللعبة السياسية المتعارف عليها.

تموقع الملك

حرص الملك على احترام الدستور بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، وكرس خيار المنهجية الديمقراطية الذي ناضلت من أجله القوى الديمقراطية لسنوات، حتى يصبح لنتائج الانتخابات مدلولا سياسيا ولا تبقى لحظة تنافس حول من يحصد أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. وفعلا، جاء دستور 2011 لتكريس هذا الاختيار وجعل من الملك الحكم الأسمى فوق كل الأحزاب والمواقف السياسية، وخوله سلطة صيانة الاختيار الديمقراطي. وضمن هذا الاختصاص يقرأ الكثير من المختصين أن تدخل الملك بغرض التحكيم سيكون من بوابة هذا الفصل من الدستور الذي يجعل من المؤسسة الملكية ضامنة لاستقرار المؤسسات وحامية للاختيار الديمقراطي.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى