fbpx
الصباح السياسي

البلعمشي: مفهوم الدبلوماسية الموازية تعرض للتشويه

إشراك القبائل في الديبلوماسية الشعبية
قال إن المرحلة الراهنة تتطلب من كل الفاعلين ابتداع أسلوب هجومي في الدفاع عن القضية

قال عبد الفتاح البلعمشي، مدير المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن رصد واقع النزاع حول الصحراء منذ الشرارة الأولى لاندلاعه وحتى الآن، “يدفعنا إلى الإشارة إلى ثلاث بديهيات”، أولها أنه لابد من وضع هذا الصراع في إطاره الصحيح، وهو العلاقات الثنائية المغربية الجزائرية، على اعتبار أن كل مراحل تدبير الملف، وأهم محطاته، كانت بمثابة نزال مفتوح بين البلدين، والنتائج الحالية كلفت الطرفين استنزافا دبلوماسيا وسياسيا واقتصاديا معتبرا، كان من الأولى أن يتجه إلى خدمة قضايا أخرى. أما المعطى البديهي الثاني، فيتمثل في  طريقة تدبير المغرب لملف الصحراء، إذ يجمع المختصون على أن هذا الأمر عرف تحولات مهمة، رغم مجموعة من الأخطاء التي تراكمت حتى أصبح من الصعب التخلص منها.
وأخيرا، لا بد من التذكير بمعطى ثالث، في محاولة لتجاوز لكل القراءات الأخرى، إذ يمكن الحديث عن مكاسب حققها المغرب في الواجهة الدبلوماسية، نتيجة رفع سقف تنازلاته نزوعا نحو طي الملف بشكل نهائي، وأن ما تحقق من مكاسب، لا يحتمل الوقوع في أخطاء جديدة.
والغاية من طرح هذه البديهيات، يوضح البلعمشي، هو أن موقع المغرب في مواجهة أي حل سلمي وسياسي متفاوض عليه بين الطرفين يجب أن يأخذها بعين الاعتبار، وأن أي إستراتيجية وطنية بخصوص تدبير ملف القضية الوطنية، تنطلق من عناوين واضحة،  ووفق إستراتيجية مركزة.  
وارتباطا بالمراحل الدبلوماسية التي قطعها ملف النزاع حول الصحراء المغربية، يقول البلعمشي إن الذي “يهم في تدبير الدبلوماسية المغربية لهذا الصراع الذي تم تدويله بطريقة مشوهة، أننا لم نستطع تعديلها عبر فترات النزاع بالكيفية المطلوبة، كما أن التسرع في اتخاذ العديد من القرارات المصيرية كان له وقع على تدبير ملف الصحراء”. ويعتقد البلعمشي جازما أن الدبلوماسية المغربية في تعاطيها مع القضية الوطنية الأولى مرت بمجموعة من المراحل، تتمثل في مرحلة عدم الاعتراف ببوليساريو، وتبني سياسة الأمر الواقع عبر تسويق مقولة عدم التفريط في أي شبر من الأرض، ولو اقتضى الأمر مزيدا من المواجهة العسكرية، مع ما عرفته هذه المرحلة داخليا ودوليا بتعاطي الدولة مع الأقاليم الجنوبية بمنطق أمني مغلق منع على كل المتدخلين المفترضين من لعب أي دور، بما في ذلك الأحزاب السياسية والبرلمان وأجهزة الدولة الأخرى التي لم تكلف بمهمة في هذا الشأن.
ثم هناك مرحلة مواجهة الجزائر دوليا في ما يمكن التعبير عنه بلعبة “الاعتراف وسحب الاعتراف”، التي كلفت الطرفين، المغرب والجزائر، مجهودا كبيرا في كسب الدعم خصوصا في الدول الإفريقية، هذا الأمر جعل الملف يراوح مكانه بالنظر إلى المنافسة الشرسة بين الطرفين.
وفي هذه المرحلة أيضا، يضيف  البلعمشي، “حقق المغرب بعض الإنجازات العسكرية أهمها بناء الجدار الأمني سنة 1987 ، لتتلوه مرحلة وقف إطلاق النار أواخر سنة 1991، كما بدأت تظهر مداخل جديدة، ومربكة لخصوم الوحدة الترابية، من خلال  نداء “إن الوطن غفور رحيم” الذي مازال قائما إلى اليوم.
وباستحضار واقع تدبير ملف النزاع حول الصحراء، كشف البلعمشي أن المغرب وصل حاليا إلى مرحلة جديدة في التدبير تمازجت فيها مجموعة من المعطيات الجديدة، أهمها  اقتراح مشروع الحكم الذاتي بجهة الصحراء، وظهور الدبلوماسية الموازية كثقافة وممارسة في دعم الملف، إلى جانب التعامل مع الملف بمقاربة تشاركية ساهمت في تكريس نظرية الإجماع الوطني.
ويرى البلعمشي أنه قد تأسست هذه المرحلة على أرضية مفعمة بوعود التدبير الديمقراطي لشؤون جهة الصحراء، مما أكسبها نوعا من الصدقية على المستوى الدولي، وإن كانت من جهة أخرى أقصى تنازل يمكن أن يقدمه المغرب في إطار الحل السياسي.
ففي هذه المرحلة، ظهر نوع من التوجه نحو إشراك القبائل الصحراوية، عبر إحداث المجلس الملكي الاستشاري لشؤون الصحراء، وكذلك إحداث وكالة للتنمية خاصة بالمناطق الجنوبية، وبغض النظر عن مدى فاعلية هاتين المؤسستين، وما يمكن فعله في اتجاه تأهيلهما للقيام بأدوارهما كاملة، إلا أنهما بالإضافة إلى قرار توجه البلاد نحو “جهوية موسعة” شكلت عناوين بارزة للمرحلة الجديدة، وتعبر عن إرادة نشطة في اتجاه التعبير عن أن السياسات العمومية تسعى إلى خلق دينامية داعمة لمشروع الحكم الذاتي.
ومن أهم التحولات في المرحلة الراهنة، يضيف البلعمشي، أيضا جلوس طرفي النزاع إلى الطاولة نفسها في إطار مفاوضات ترعاها هيأة الأمم المتحدة وتحضرها الجزائر وموريتانيا.
وحسب البلعمشي، فإن  المرحلة الراهنة لا يجب أن تثني كل الفاعلين، الحكوميين منهم  وغير الحكوميين، عن ابتداع أسلوب هجومي وفعال في الدفاع عن القضية الوطنية بما يتطلبه الموقف من تعبئة متواصلة وضغط مكثف للتأثير في المسار الدولي وتوجيه المواقف لصالح الحقوق الوطنية في الصحراء. وهذا يحتاج بالضرورة إلى منهجية واضحة تقوم على تدابير عملية على المستوى الداخلي تسرع الحسم في التعاطي مع القضايا التنموية والمطالبات الاجتماعية بشكل مركز يسمح بمصالحة جديدة مع السكان بما يضمن كرامتهم ويوجه انتباههم للقضية الأم، تأكيدا لبناء الثقة أولا، وتجاوزا لأسباب الجحود ثانيا.
وبخصوص الدبلوماسية الموازية كمفهوم دخل بقوة إلى قاموس الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد، يوضح رئيس مركز الدبلوماسية، أنه يبدو أنه بدأ يتعرض للتشويه حتى بات نوعا من “الفوضى”، وأصبح يتبناه الجميع بدون خلفية منهجية، أو إستراتيجية علمية، مما قد يفرز نتائج سلبية، إذا لم يتم تدارك الأمر، وهو “ما قمنا في وقت سابق، إلى فتح نقاش وطني حوله في إطار تنمية الإدارة الدبلوماسية، حيث اقترحنا،  إحداث مجلس وطني للسياسية الخارجية، وهو المطلب الذي مازال قائما، بل وملحا، القصد منه جمع شتات الفاعلين المفترضين في الدبلوماسية الموازية، لتوحيد جهودهم بصيغة فعالة ومتناسقة وفق إستراتيجية متوافق عليها ومضمومة النتائج”.  
وتأسف البلعمشي لأن هذا المطلب  لم يلق آذانا مصغية إلى حد الآن، “مما يحيل إلى ضرورة خلق قنوات خاصة للتنسيق بخصوص المبادرات والاقتراحات والعمل على الاستفادة منها”، يقول البلعمشي، الذي مضى موضحا أنه “من الناحية الدبلوماسية، يفترض استثمار كل آليات الدبلوماسية الهجومية التي من أبرز ملفاتها قضية المغاربة المطرودين من الجزائر، والملفات الضاغطة الأخرى وعلى رأسها قضية الصحراء الشرقية”. هذا بالإضافة إلى استثمار التحول في السياسة الدولية تجاه منطقة شمال إفريقيا بعد ظهور تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، الذي أفضى إلى تحول في القيمة الإستراتيجية للمنطقة، وجعلها منطقة دولية تحظى بكثير من المراقبة الأمنية، مما يحرج في كثير من الأحيان وجود تنظيم مثل بوليساريو في مخيمات لحمادة، بمعنى أن تعاطي التجارة غير المشروعة، وتهريب البشر والسلاح، لم يعودا ميسرين بالشكل الذي كانت عليه الأوضاع في السابق، مما يشكل ورقة ضغط يمكن التعاطي معها بأسلوب جديد. بالإضافة إلى ملفات ومداخل أخرى مساعدة يمكن إخضاعها للتشاور في الإطار المناسب بكيفية خدومة للأهداف الوطنية في هذا المجال.
نادية البوكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى