مقالات الرأي

حنا عبود: المثقّف…حدوده وآفاقه

العلوم الطبيعية تعطينا العلماء، والعلوم الإنسانية تعطينا المثقّفين، الأولى للتعامل مع الصّيغ الثابتة والثانية للتعامل مع الصّيغ المتغيّرة. وعلى هذا المفهوم العامّ والبسيط جدّاً نعتمد في نظرتنا إلى منجزات الحضارة والثقافة. فنرى أنّ الحضارة عبارة عن أدوات مادّية، تُنتجها الطبقات كلّها، وإن اختلفت نِسب المشاركات، والمثقّف يعمل على توجيه هذه الأدوات، بحيث يُبعِد ما يسيء أو يشوّه أو يقضي على العنصر الجمالي.

والآخر هو ما ليس أنا، ولا ندري لماذا حصروا الآخر بالكتل الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يفكّروا أنّ الآخر يبدأ من العالَم الخارجي، الذي يجب أن تضع الثقافة صيغة التعايش معه، فالطبيعة “آخر”، والسلطة الزمنية “آخر”، والسلطة الكهنوتية “آخر”، والعالَم الخارجي “آخر”، والعالَم الآخر “آخر”، وأيّ كتلة ثقافية مختلفة “آخر”، والعِلم أيضاً “آخر”… إلخ؛ ولكلّ “آخر” نظامه الخاصّ. فالتلفزيون – وإن كان جزءاً من الغرب – له نظامه الخاصّ، ويمكن استخدامه ضدّ الغرب نفسه، وكذلك أيّ منتج حضاري، فمفهوم الآخر يجب أن يشمل كلّ ما أشرنا إليه، أمّا الصيغة فتوضَع لحماية التعايش، وليس للغَلبة، وكلّما اقتربت الصيغة من القانون الرياضي، أمكن استنبات أزهار ثقافية راقية تتجنَّب الحماقة البشرية.

تُعتبر الثقافة من أوسع المجالات، فهي الميدان الذي يهتمّ بالآخر، بكلّ آخر، وليس كالعلوم الاختصاصية، حيث يختصّ كلّ علم بـ “آخر” خاصّ به. ومَن هو الآخر؟ هو كلّ موجود، مادي أو معنوي، خارج الذّات الثقافية: العالم الخارجي والطفل والولد والأم والأخت والشاب والشابّة والكهل والعجوز والأسرة والعائلة والحزب والمؤسّسة والسلطة والفقر والجهل والمرض والتعليم والرياضة…إلخ. من هنا لا بدّ للثقافة من معرفة نظام أيّ “آخر”، لأنّ لكلّ آخر نظامه الذّاتي، النّابع من خصائصه. وأيّ فشل للثقافة في معرفة النظام الذّاتي للآخر، يقود إلى فشل في وضع الصيغة والمُعادَلة. ويُعزى هذا الفشل إلى الغرور الثقافي، بحيث يتصوّر الثقافي المغرور أنّ الآخر بكلّ صنوفه يخضع للنظام الذي يضعه له هو، بنظرة استعلائية تُحدِث الكثير من التشويهات في صورة الآخر، وتُبعِد الصيغة عن التحقّق. فالثقافة تأتي عادةً بعد المنجز الحضاري لترتيبه مع الآخر، فإنْ وضَعت للآخر تصوّرها من دون احترام النظام الخاصّ به فشلت، وصارت متحزّبة، وعندئذ تكون لها شخصية خاصّة أشبه بشخصية الفئة أو الطائفة الطفيلية. صحيح أنّها أوسع علم في التاريخ على الإطلاق، ولكنّ هذا الميدان الواسع، هو بالضبط ما جعل المهمّة الثقافيّة من أشقّ المهمّات على الإطلاق. إنّها المسؤولية الشمولية، من حضانة الطفل إلى الطبيعة والكون… ولا يقف الأمر هنا، بل يمتدّ إلى الأحداث، فأيّ حدث يكون “آخر” أمام المثقّف، لا بدّ من معرفة نظامه الخاصّ، حتّى لو كان الحدث فريداً من نوعه أو كانت الظاهرة غير مسبوقة.

 

المثقّف والسياسة

المثقّف يستوحي العصر سلباً وإيجاباً؛ قد يخفِّف من وقْع المأساة ولكنّه لا يصنعها، وبالتالي لا يمكنه أن يوقفها. ففي العصور المبكرة للبشرية كانت الحروب قليلة جدّاً، ليس بسبب كثرة المثقّفين، وفي العصور المتأخّرة كثرت الحروب، ليس بسبب قلّة المثقّفين. فلكلّ شيء نظامه الخاصّ، والثقافة مظلّة حماية، لا تفيد في شيء عندما تكون العاصفة قويّة، فكلّ ثقافة العالَم العربي لم توقِف زحف هولاكو.

تقوم السياسة على ثلاثة عناوين كبرى: الحرّية، والديمقراطية، والعدالة. وقد ظهرت هذه الأركان الثقافية عندما تمكّن المثقّف من فرض شخصيّة العالَم الخارجي. كان كلّ شيء تابعاً للعالَم الآخر. ولا نشكّ في أنّ مفهوم السياسة الحقيقية الواقعية أُرسي بفضل المثقّفين، ولكنّ التطبيق وما فيه من تشويهات لهذا المفهوم إنّما هو من صُنع السلطات المُهيمِنة، أو بالأحرى من صنْع تلك الطبقات المالِكة لأسباب القوّة والتسلّط.

عندما تتحقّق صيغة الحياة، أو العقد الاجتماعي الجديد القائم على التوازن، وليس على الخوف والتنازل عن الحقوق، كما يقول هوبز، فإنّ طرح مشكلة الحرّية والديمقراطية يغدو قليلاً جدّاً. فبعد الحرب العالمية الثانية واستقلال الجزائر، ظهرت في فرنسا مذاهب وآراء غريبة جعلت الحرّية والديمقراطية رهينتَيْ قيود شديدة. ففي مذهب البنيوية تُعتبَر الحرّية خرافة في ظلّ عمل البُنية الأساسية، فهناك حتميّة أشدّ إطباقاً من الحتميّة التاريخية التي نادت بها الماركسية. وما كان يتغنّى به المثقّفون صاروا منه يسخرون، فأنتَ تُطالب بالحرّية من أجل أن…. ماذا؟ هل مطلبك هذا نابع من دوافع معيّنة؟ إذن أنتَ لستَ حرّاً في هذا المطلب، بل عبد لدوافعك النابعة من بُنيتك الأساسية. أمّا أن تكون أعمالك “حرّة” لا دوافع وراءها، فأنتَ مخلوق خطر، يخشاه الأقربون والأبعدون. صار الوعي الثقافي في أوروبا أكثر عمقاً ممّا كان قبل الحرب الثانية، وصار المثقّف يفكّر في مشروعات كبرى تشمل القارّة؛ وما الاتّحاد الأوروبي سوى دراسة من المثقّفين وتطبيق من أصحاب القوى الكبرى القادرة على الفعل. وأوروبا بهذا تتبع أميركا الشمالية، فالسيناريوهات هناك توضع على المستوى العالمي، وليس على مستوى القارّة كأوروبا، التي ترى نفسها مُجبرة على اللّحاق بأميركا الشمالية، لا لأنّها على صواب أو على خطأ، بل لأنّها القوّة الأكبر القادرة على الفعل، ولو كانت وحدها.

أمّا في باقي القارّات: آسيا وأفريقيا وأميركا الشمالية، فلا يزال وضع المثقّف كما هو، صار هو “الآخر” المحذوف في عرف السياسيّين، بعدما حلّت دكتاتورية الفرد محلّ دكتاتورية القانون. يعود هذا الوباء إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث صارت القارّات الثلاث أشبه برقعة شطرنج “كبرى”، رابحها هو الأقوى (أميركا على رأي بريجينسكي)، فكانت الانقلابات العسكرية تكاد تحدث أسبوعياً فتفرض الأحكام العرفية ويلاحَق المثقّفون.

في هذه القارّات، اضطر المثقّف أن يختبئ وراء الثقافة الغربية المتقدّمة. في الحرب الباردة كان هناك شيء من الوقوف في وجه تلك الثقافة، لكن بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، لم يعد هناك شيء من هذا. لكن على الرّغم من هذه التبعيّة الثقافيّة، ظلّت شخصية المثقّف الشرقي متماسكة، فهو يرى السلطة الدنيوية خصماً له، لعدم وجود أيّ نقطة من نقاط التفاهم الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي؛ في حين يرى في الغرب “آخر” يحتاجه ويتناقض معه، بل يتصارع معه. ليس خصماً، ولكنّه بعيد عن القضايا الثقافية الشرقية. وهو، لضعف المصادر الثقافية في النصف الثاني من القرن الماضي، كان يشعر أنّه دائماً بحاجة ماسّة إلى “الضرع الثقافي”. ولا يُعرف، بعدما نَشرت الموجة الثالثة المعلومات الهائلة، حتّى سُمّيت ثورة المعلومات، إن كان المثقّف العربي يتّخذ مساراً خاصّاً، أم سيكون مُشاركاً في الثقافة العالميّة، أم يبقى كما كان في النصف الثاني من القرن العشرين. أمّا القول بفشل الثقافة العربية أو الشرقية وإلقاء اللوم على المثقّف، لأنّه “لم يفهم الآخر”، فإنّه هرب من المشكلة؛ لأنّ المثقّف عندنا أوضَحَ موقفه من الآخر، سواء العالَم الخارجي، أم العناوين الكبرى للثقافة الإنسانية، أو محاولة القيام بنهضة عربية أو شرقية مماثِلة للنهضة الأوروبية، أو استغلال الثقافة الغربية. إلّا أنّ الآخر الذي ظهر في السلطة منذ منتصف القرن الماضي، ظلّ خصماً له، ولم يعثر حتّى الآن على صيغة ثقافية لمنع وصول الأشقياء المغامرين، الذين يصبغون البلاد بالدمّ، إلى السلطة، وظهورهم شجَّع الاستعانة بالثقافة الغربية، بل بالغرب السياسي للخلاص منهم. يبدو أنّه يعرف الزارع والمزروع. هذه هي الخاصيّة التي ينفرد بها المثقّف عندنا، وهو دائماً يُصاب بالفشل، تماماً كما كان يُصاب دون كيشوت في دفاعه عن الأخلاق الفروسية. وما دام المثقّف نقيّاً في توجّهه، فإنّ الفشل المتعاقب يشير إلى تمسّكه بالعلاقة النبيلة، التي يسقط بترْكها، حتّى لو انتصر، ويبدو أنّ ترْكها شرطُ انتصاره.

 

بعضهم يضخّم دور المثقّف كأنّه مسؤول عن جميع التغيّرات في العالَم، فكأنّه هو مَن ابتكر صناعة السيف، وحرّض على استخدام حصان الجرّ في الحروب وكأنّه مخترع الأسلحة النارية، وكأنّه مسؤول عن فشل العلاقة مع الآخر، سواء مع الطبيعة أم المفكّرين أم الكَهنة أم الإيديولوجيات، ناسين أنّ الأدوات الحضارية هي التي تخلق التغيّرات في الفكر والفنّ والفلسفة. إنّ المثقّف لم يخلق الأسلحة النارية، بل استنكرها وما يزال. ولم يخلق الأسلحة الذرّية ولا أزمة الصواريخ في كوبا؛ فهو ليس الفاعل، بل المنفعِل؛ فالصفات التي أضفوها عليه تشبه صفات زيوس كبير أرباب الأوليمب، بينما هو مسكين يعمل على نار هادئة لخلق صيغة التفاهم مع الآخر. أمّا أنّ المثقّف الجنوبي لم يلتحق بالثقافة الغربية كلّياً، ولم يدعها كلّياً، بل شتمها أكثر ممّا استفاد منها، فإنّ النمط الاستبدادي في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، المشوِّه للفكر والثقافة والحياة، لا يتيح له أن ينمو نموّاً سليماً، من جهة، ولا أن يتعامل تعاملاً سليماً مع الآخر من جهة أخرى. والأفضل عندما ننظر إلى مثقّفٍ أن ننظر في الوقت نفسه إلى ما يجري في ساحة التطوّر من أدوات حضارة ونُظم جديدة، وألّا نخلط بين الأنظمة. فهناك أنظمة ذاتية وهناك أنظمة موضوعية، وهناك عوالِم متعدّدة، ولكلّ عالَم نظام. وتؤخذ هذه الأنظمة بالحسبان كلّما ازداد الموقف الثقافي وعياً وشمولية. وإذا لم تستطع هذه البشرية المنكودة أن تعمّق الموقف الثقافي الإنساني، فإنّها تواجه أحداثها فوق أرض زئبقية بِرِهانٍ خاسر.

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق