ربورتاج

المغاربـة والسكـر … “القالـب غالـب”

«الصباح» تخترق سلاسل الإنتاج في مصنع “كوسومار”

على الشريط الساحلي للبيضاء، خط مصنع للسكر فصول حكاية مدينة شيدت على أكتاف المهاجرين. قرية السكر كما تناولها الكاتب مبارك ربيع في روايته «الريح الشتوية»، التي تؤرخ لميلاد العاصمة الاقتصادية، تشكلت من عمال المصنع الذي أداره المستعمر حينها، واحتضن في ما بعد خلايا المقاومة الوطنية. تاريخ أبيض بلون قوالب السكر، التي ما زالت تنتج بمصنع «كوسومار» في منطقة الصخور السوداء حتى الآن. أزيد من ألف طن من «القوالب المعنفة»، تخرج كل يوم من المصنع، الذي تم توجيه إنتاجه، بشكل كامل، منذ 2012 إلى قالب السكر العصري، المستحوذ على 30 % من إجمالي الاستهلاك الوطني للسكر.

هدير محركات الشاحنات الكبرى وأصوات منبهات السيارات سمفونية مجنونة لا تكاد تنتهي على طول الطريق الساحلي «روش نوار»، إذ احتفظت المنطقة المطلة على البحر بخصوصيتها العمرانية منذ سنوات الحماية، فرغم تعاقب تصاميم التهيئة والمخططات والبرامج، ظلت فضاء صناعيا بامتياز، يحوي عددا مهما من المصانع والمستودعات، أبرزها مصنع «كوسومار»، الذي شيد منذ 1929 من قبل الفرنسيين، وبلغت طاقته الإنتاجية منذ 1931 وتيرة 100 طن يوميا من السكر، في شكل «القوالب المقطرة»، نسبة إلى التقطير، وهي الصيغة التصنيعية الوحيدة، التي كانت تسمح بفصل الأجسام الصلبة عن السائلة، بالاعتماد على المهارات اليدوية وآلات أقل تطورا حينها، ليقتطع القالب منذ ذلك الحين، جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة، والثقافة والعرف الشعبيين، إذ أصبح مرتبطا للمناسبات والعادات والمواسم والاحتفالات.

مصنع «كوسومار» العملاق الذي يمتد على مساحة 19 هكتارا، يحوي أكثر من وحدة إنتاجية، أهمها وحدة إنتاج القالب، التي تصنع ألف طن يوميا، بوتيرة منتظمة، بعد تركيز صناعات هذا المنتوج من السكر في وحدة خاصة منذ 2012، في إطار تنفيذ المجموعة لمخطط استثماري كبير امتد إلى عشر سنوات منذ 2003، وساهم في إحداث 16 خط إنتاج. الوحدات الإنتاجية تجانب بعضها البعض، في ارتباط مع المصنع القديم، الذي يحتضن حاليا، المركز الإداري والتدبيري لـ»كوسومار»، التي ما زالت تحتفظ بوحدتين إنتاجيتين خارج البيضاء، يتعلق الأمر بمصنعي أولاد عياد وسيدي بنور، في الوقت الذي تستعد لافتتاح مخزن كبير للقالب، بمحاذاة وحدة الإنتاج، يمتد على مساحة ألفي متر مربع، لغاية تمرير المنتوج بسلاسة من المصنع إلى المخزن والمحافظة عليه، عبر تقليص عمليات الشحن والنقل، حسب مسؤول التلفيف في المجموعة.

“الطراسابيليتي” حاضرة

يستحوذ هاجس الجودة على اهتمام إدارة «كوسومار»، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقالب السكر، المنتوج الأكثر استهلاكا من قبل المغاربة، خصوصا في المجال القروي، إذ تعتمد في تدبيرها لعملية التصنيع، على الفصل بين المراحل الإنتاجية المختلفة، وهنا يؤكد عبد الجليل قدوري، المدير العام المساعد في المجموعة، إخضاع المنتوج لعمليات مراقبة مستمرة خلال مختلف المراحل في المختبرات، المصادق عليها بعلامة الجودة «إيزو 17025»، موضحا أن كل قالب أو علبة قوالب «كارطونة»، تحمل ترقيما خاصا، عبارة عن أرقام تسلسلية، بما يتيح تتبع المنتوج «الطراسابيليتي»، داخل المصنع، وحتى في السوق، ذلك أنه عندما تتوصل الإدارة بشكاية من مستهلك ما حول عيب في المنتوج، فإنه يسهل تتبع عملية تصنيعه.

ويشدد قدوري على أهمية الجودة بالنسبة إلى المجموعة، إذ يتوفر مصنع إنتاج القالب على لوحة خاصة بتتبع مسار الجودة والوزن، يتم تغذيتها بالتقارير اليومية. وعاينت «الصباح» خلال جولة في الوحدة الإنتاجية، مختلف مراحل تصنيع القالب، التي أصبحت أكثر تطورا مقارنة مع التقنيات التي كانت مستخدمة منذ عقود، إذ تخضع المادة الخام إلى التكرير في المصنع، سواء كان مصدرها الاستيراد أو المزودون المحليون، ثم تحضر في آلة خاصة، قبل أن تصب في قوالب، بعد وزنها بشكل دقيق، ذلك أن الآلات الحديثة باتت تحوي موازين خاصة، تضبط كمية كل وحدة منتجة، ثم تمرر القوالب بعد اتخاذ شكلها المعروف، إلى مرحلة سكب المحلول، إذ يتم إشباعها بـ»السيرو»، لتمر إلى مرحلة التجفيف «الشوفاج»، وصولا إلى مرحلة التهوية، حيث تسنح للقوالب المرصصة جنبا إلى جنب، فرصة التصلب واندماج عناصرها المختلفة، ليتم تلفيفها بعد ذلك.

دقة الموازين

لم يتردد مسؤولو «كوسومار» في التأكيد على أن الدقة لا تنقص وزن قالب سكر، فالموازين المستخدمة، سواء خلال التصنيع أو التلفيف، قانونية ومصادق عليها من قبل الجهات المختصة، إذ لا يتجاوز هامش الزيادة أو النقصان في كل قالب يزن ألفي غرام (كيلوغرامان)، 20 غراما فقط، إذ تتوفر آلات صب قوالب السكر على موزاين خاصة، فيما يتكلف مسؤول المراقبة بمهمة وزن القــــــالـــــــــــــــــــــــــــــب خلال التصنيع، وتعديل الآلات عند الوقوف على أي خلل، والأمر نفسه عند بلوغ القالب مرحلة التلفيف، ذلك أنه يخضع لإعادة الوزن من جديد، فيما تسجل الأوزان بانتظام خلال مختلف مراحل الإنتاج المستقلة عن بعضها البعض للقالب.

وسبق للمكتب الجهوي للجمعية المغربية لحماية وتوجيه المستهلك في أولاد عياد، التقدم بشكاية إلى عامل إقليم الفقيه بنصالح وباشا المدينة، لغاية التظلم من التلاعب في وزن قوالب السكر التي تنتجها شركة «كوسومار»، بعد أن عمد المشتكون إلى وزن مجموعة من القوالب، التي تزن كيلوغرامين، وفق العنونة التي يحملها كل قالب، ليكتشفوا نقصا في الوزن يتراوح بين 150 غراما و180 في الوحدة، الأمر الذي اعتبروه غشا في شكايتهم، مطالبين بتدخل السلطات من أجل حماية المستهلك، علما أن المنطقة تحتضن أحد أكبر مصانع الشركة.

ويؤكد مسؤولو «كوسومار»، أن مصنع القالب الذي يتوفر على شهادة الجودة «إيزو 9001»، يتبنى «هامش السماح» في وزن قالب السكر لا يتجاوز عشرة غرامات زائدة أو ناقصة، موضحين أن أي ادعاءات بنقص الوزن، يجب أن تستند إلى موازين دقيقة، ومصادق عليها قانونيا. ويتخصص المصنع في إنتاج قوالب سكر خاصة، مثل قالب «الفرحة»، الذي يستهلك بشكل واسع في المجال القروي، إذ يصنع بإضافة العسل إليه.

نوستالجيا صناعة الحلاوة

أحدثت أول وحدة لتكرير السكر بالمغرب في 1929، تحت اسم «كوسومار»، أي الشركة المغربية للسكر، التي كانت تنتج 100 طن يوميا من قوالب السكر،  فيما تستورد المادة الخام «السكر» من كوبا، قبل أن تشهد هذه الصناعة تحولا جديدا في سياق التطور، حين وقعت الدولة في 1967 اتفاقا مع شركة «سانت لويس» في مارسيليا، استحوذت بموجبه على 50 % من رأسمال شركة السكر، التي تحول اسمها إلى «الشركة المغربية للسكر والتكرير».

استثمرت الشركة في موقعها بالسوق، وظلت تحوز الحصة الأكبر، كما رسخت علامتها التجارية، قبل أن تستحوذ مجموعة «أومنيوم شمال إفريقيا» المعروفة اختصارا بـ»أونا»، على رأسمال الشركة في 1985، وتجميع وحدات إنتاج السكر لغاية ضمان نجاعة تدبيره، فيما تكرس هذا التفرد في الإنتاج وطنيا بعد ذلك، من خلال عملية اقتناء شركات السكر الأربع الأخرى في السوق من قبل «كوسومار» في 2005، يتعلق الأمر بشركات «سوطا» و»سونابيل» و»سيكرافور» و»سيراك».

بدر الدين عتيقي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق