حوار

الوديع: تجربتنا تجتر بقايا تكبح نموها الديمقراطي

صلاح الوديع
الناطق الرسمي باسم الأصالة والمعاصرة قال إن الخيار التنظيمي للحزب استحضر البعد الانتخابي

قال صلاح الوديع، الناطق الرسمي لحزب الأصالة والمعاصرة، إن استقالة سمير عبد المولى، عمدة طنجة، كانت قرارا جريئا. وأوضح الوديع أن القيادة الوطنية باركت هذا القرار، وشجعته رغم تعرضه لضغوطات من طرف لوبيات مصلحية. وعرج الوديع على ما وقع في مكناس وما يقع في الرباط. كما كشف عن إستراتيجية الحزب استعدادا للمحطة الانتخابية 2012، وطبيعة التحالفات التي يؤمن بها الحزب. وفي ما يلي نص الحوار:

 أثار تقديم سمير عبد المولى استقالته من منصب عمدة طنجة جدلا كبيرا، نود معرفة الخلفيات الحقيقية لهذا القرار، خصوصا أن هناك من يتحدث عن ضغوطات مارستها القيادة الوطنية حملت عبد المولى على اتخاذ هذه الخطوة؟
أولا لابد من تسجيل خصلة جديدة بالنسبة إلى جيل جديد من الفاعلين السياسيين والمنتخبين في مواقع حساسة ومهمة وربما إستراتيجية. عبد المولى يعطي النموذج على أن خدمة الصالح العام لا تنحصر في احتلال الموقع، بقدر ما هي مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيه وفي غيره، وطبعا في هذا الموقف ما يفاجئ تقاليدنا السياسية وفكرنا السياسي العام المتسم للأسف بنوع من الطابع التقليدي، وبالتشبث بالموقع مهما كلف ذلك من ثمن حتى لو كان على حساب المصلحة العامة والرصيد الأخلاقي للأشخاص المعنيين. إذن بالنسبة إلى سمير عبد المولى اختير بالنظر إلى كفاءته ونزاهته ونظافة يده، وقد لمس من خلال تجربته أن هناك صعوبات كبرى في تدبير الشأن العام بطنجة بالطرق القديمة بالنسبة إليه، لقد تعرض لضغوطات كثيرة من طرف جهات سياسية ومن طرف لوبيات مصلحية، كما تعرض لضغوط ليخضع لنوع من التعامل مع فاعلين في مجال التدبير المفوض، وعبد المولى اختار أن يصمد في وجه هذه الضغوطات. وخلال مرحلة الشد والجذب، الكمال لله، يمكن أن تكون حدثت هنات أو نقائص من الطبيعي أن تبرز في مثل هذه الحالات، لكن سمير عبد المولى اتخذ الموقف السليم. وعكس ما يشاع، فقد اتخذ قراره وزملاؤه من نوابه بالمجلس، بتوافق مع الهيآت الحزبية الجهوية، وقد حياه المكتب الوطني للحزب بالإجماع، حيى سلوكه وقراره، واعتبره إشارة قوية بالنسبة إلى فضاء الممثلين المحليين، وهذا يبشر بدخول قيم وتمثلات جديدة. وأنا هنا أجدد شخصيا التحية لسمير ورفاقه. وكل مناضلي الحزب لهم الموقف نفسه.

إذن الحزب، لم يندم على اختيار عبد المولى لمنصب عمودية طنجة؟
 أبدا، بل بالعكس، فالإشارات القوية التي أطلقها الحزب عندما رشح عبد المولى مازالت راهنة، وستبقى كذلك، وهي إشارة إلى  طبقة سياسية ألفت أن ترث المناصب، وتبرم تحالفات في بعض الأحيان رغم غياب المنطق، فقط من اجل المكوث في مواقع ذات قيمة إستراتيجية تدر على أصحابها الكثير من المصالح، وربما من الفوائد غير القانونية. فسمير عبد المولى، من هذه الزاوية، وقع على موقف سيسجله له التاريخ، بدون مبالغة.

كيف لحزب الأصالة والمعاصرة أن يضمن عودته إلى عمودية المدينة؟
الحزب يفكر في نوع من التدبير مع الحلفاء المحتملين الذين يجري الاتصال بهم، وبلورة التصور التدبيري للمستقبل، وربما تكون النتائج قريبة جدا على أسس واضحة ومستفادة من التجربة السابقة التي عاشتها طنجة.

تريدون القول إن استقالة عبد المولى لن تؤثر على حضور الحزب في مدينة البوغاز؟
نحن فاعل سياسي والفاعل السياسي لديه مسؤولية كبيرة، سنحاول القيام بكل ما بوسعنا، لأن تظل المبادئ التي كافح من أجلها عبد المولى والتي يتبناها الحزب حاضرة، وأن يظل في موقع العمودية كلما كان ذلك ممكنا.

ألا تخشون أن تطرح الإشكالات نفسها التي واجهت عبد المولى في وجه العمدة المقبل؟
لكل حادث حديث.

ونحن نتحدث عن عمودية المدن الكبرى، دخل حزب الأصالة والمعاصرة على خط الرجة التي وقعت بالعاصمة الرباط، ومحاولة قلب الخريطة، أين وصلت الاتصالات التي تقومون بها إلى جانب الحركة الشعبية مع العمدة فتح الله ولعلو ؟
الاتصالات جارية مع جميع الأطراف. والمهم أن نستطيع في كل لحظة في تدبيرنا لقضية من هذه القضايا الحاملة للمعنى في صيرورة البناء الديمقراطي، أن نتقدم خطوة أو خطوتين، عوض أن نراوح مكاننا. يجب أن تتحكم في عملية انتخاب العمدة توفر قيمة مضافة من ناحية التدبير الديمقراطي وتدبير التحالفات، وفي غياب هذه القيمة المضافة، فلن تعطى للمواطن الذي أدلى بصوته الصورة الضرورية التي تفيد أن الديمقراطية تبنى اليوم في المغرب من أجل خدمة الصالح العام، وبهذا ستكون استقالة عبد المولى حاضرة في كل الأجواء بشكل من الأشكال سواء في الرباط أو غيره، حينما يتم النقاش حول أن يظل فلان بتحالف لا منطقي أو بتحالف أعرج لا يمكن أن يكون إلا على حساب المواطن.

 لكن وضعية مكناس تختلف عن ما أثير سابقا ؟
أخذنا بصفتنا حزبا، كما هو الشأن في كل المحطات المشابهة، المسافة تجاه هذه التجربة، واليوم إذا كانت هناك تطورات تثبت صحة التي أدت بنا إلى الابتعاد، فهذا يثلج صدرنا، لأن ذلك يعني أننا نمتلك نظرة ثاقبة في هذه الأمور، ونأسف من جديد، لأنه يتأكد وجود حالة فساد، ولكن من الواضح اليوم أن الشعار في هذا المجال ليس هو “اللهم استرنا”، ولكن هو “اللهم افضحنا حتى يتبين الخبيث من الطيب”.

إذن أنتم الآن تثبتون قرار طرد عمدة مكناس؟
 القرار اتخذ، وليس فيه مراجعة من طرف هيآت الحزب المعنية، وللأسف مازلنا نجتر في تجربتنا الديمقراطية بقايا تكبح نمونا الديمقراطي، من مثل هذه الحالات، ونحن عازمون بدون تردد على المضي قدما في المساهمة في التخليق على المستوى العام أو في صفوفنا.

لكن تسرب عناصر فاسدة إلى الحزب يظل واردا؟
صحيح حصل في البداية، ما سهل اندساس بعض هذه العناصر في صفوفنا أكثر مما كنا نعتقد، لكننا قمنا برد فعل في الوقت المناسب، وأنتم تعلمون القرارات الشجاعة التي اتخذنا ومازلنا مجندين للحفاظ على المنحى نفسه، فالمسألة لا تتعلق بتنقية صفوفنا، بل بدعم مصداقية البناء الديمقراطي الذي ينشده البلد، تأتينا أخبار من جهات بشأن متابعة منتخبين، وإذ نعتبر أن للعدالة دورها، ويجب أن ننتظر قولها، حين تتأكد صحة المنسوب إلى هذه العناصر، فإننا لا نتردد ولن نتردد في اتخاذ القرار المناسب.
أطلق الحزب مبادرة خاصة بمرافقة المنتخبين، ما هي خلفيات هذا العمل؟
ليست مبادرة، بل سياسة وضعنا لها أهدافها وأسسا منذ الانطلاق. سياسة ترتبط بتصورنا لتدبير الشأن العام ودوره في ترسيخ الاختيار الديمقراطي. من جهة، نعرف المطلوب في المرحلة الراهنة في مجال تنمية الثقافة والتربية الديمقراطيين في مجتمع ينشد بناء الحداثة وترسيخ الديمقراطية. ومن جهة أخرى، نقدر انتظارات المواطنين، وننتبه لتنامي هذه الانتظارات في مجال الشأن العام، ونقدر أن اقتناعهم وثقتهم في جدوى المشاركة السياسية ستتوطد، حينما سيلمسون أن قضاياهم اليومية، تتسم بالتعامل الجدي والمردورية المطلوبين من طرف المنتخبين، بمعنى أن فكرة الانتداب التي تتجسد في المجالس لها أثر فعلي على الحياة، وإذا ما استحضرنا أن المنتخبين يجب أن يكونوا على إلمام بالعملية برمتها وبالبرنامج التنموي المطلوب تنفيذه في دوائرهم، وعلى إلمام بالتواصل الضروري مع المواطنين في كل مراحل التصور والبلورة والانجاز والتقييم والمحاسبة، إذاك يمكن أن نقول إننا قطعنا أشواطا كبيرة في البناء الديمقراطي وفي مواجهة تحديات التنمية.
لقد وافق المجلس الوطني على التصور العام، وعقدت ندوات وأيام دراسية في جهات متعددة. ويتم الانكباب حاليا على وضع برنامج العمل.
من جهة أخرى، وفي غضون أسابيع، سيتم الإعلان عن إنشاء جمعية تضم كل منتخبي الأصالة والمعاصرة الذين يتجاوزون 6000، ويتعلق الأمر بأعضاء الجماعات ورؤساء المجالس وببرلمانيي الحزب وممثلي الغرف. وستكون للجمعية أدوار رائدة، وإضافة في تأطير المنتخبين وتوجيه عملهم، بعلاقة متينة مع لجنة مرافقة المنتخبين التي يرأسها الأخ حميد نرجس. يجب أن تضمن مرافقة المنتخبين قيمة وإضافة نوعية إن على مستوى الطاقة التدبيرية أو على مستوى استحضار معالم المشروع السياسي الحداثي الديمقراطي الذي يحمله الحزب. هذه مسؤولية كبيرة، والمسألة مرتبطة كذلك بالانتخابات المقبلة، سيكون كل الحق مع المواطنين عندما يأتون إلى أي منتخب نجح في لوائح الأصالة والمعاصرة، ليطلبوا الحساب، ويعطوا أو يمنعوا أصواتهم في هذه اللحظة. يجب أن نكون في الموعد، ونعتبر أن هناك ممارسة سياسية جديدة يجب أن نطورها ونلعب دورنا في ريادتها، الموضوع يظهر في كل تجلياته وأهميته، ونحن مستحضرون هذا التحدي بشكل كبير.  

محاربة العزوف لا يرتبط بحزب واحد، بل بجميع الأحزاب.
إننا اليوم في مرحلة حساسة من تطور الحياة الحزبية المغربية. نريد أن نسير نحو الحداثة، والحداثة، التي تعني من الناحية السياسية، استحضار دور الفرد ودور المؤسسة وأهمية المسؤولية في النجاح، كما في الفشل ونشر وتفعيل مبادئ الحكامة، بما تعنيه من شفافية وقدرة على المحاسبة ومن التزام بقضايا الشأن العام. من هذه الزاوية، لا نريد أن ندعي الاحتكار، فالموضوع مطروح على الجميع مهما اختلفت المشارب الفكرية والرصيد التاريخي. المقياس اليوم هو مدى القدرة على الجواب على السؤال الآني المطروح في كل لحظة. ونرى أن هناك ظواهر في المشهد الحزبي تعكس التردد بين الإرادة في الذهاب بعيدا في ممارسة سياسية من نوع جديد، وبين النكوص إلى ممارسات سابقة تتسم بنوع من البطء في التطور وعدم الجرأة على الابتكار والحفاظ على المواقع وجني الفوائد وغيرها.. وأعتقد أن المطلوب من الفكر السياسي المغربي اليوم نوع من التقييم والمراجعة التي لا يمكن إلا أن تعود بالفائدة، والنموذج الديمقراطي المغربي يطلب هذا الاجتهاد ولأجل ذلك، فإن جميع الفاعلين مطالبون بهذه المراجعة. نقول هذا ليس من موقع الاحتكارية أو الأستاذية، لكن من موقع الغيرة على بلادنا ونموذجها.

دخل الحزب في صراعات هامشية مع بعض الأحزاب، وهذا يضيع تنفيذ التصور العام والشمولي الذي تتحدثون عنه؟
 لا أظن أن هذا ما يشكل جوهر ممارسة الحزب. حالات قليلة، هامشية وغير ذات أهمية، ربما بسبب عدم انتباه انجررنا إلى ما تسمينه “معركة” جانبية، لكن هذا لا يمثل الجوهري في سلوكنا السياسي. من زاوية إنجاح مشروعنا الديمقراطي الحداثي، نستحضر مثبطات العمل السياسي، ليكون فعلنا ايجابيا، وليس مجرد ردات فعل، ولو اخترنا أن نجيب على كل من هاجمونا لانحصر عملنا في ذلك، خاصة في بداية السمار، أما اليوم، فالمشهد غير المشهد…  

أخيرا اتخذت قيادة للحزب مجموعة من القرارات التنظيمية، استحسنها البعض، وغضب منها البعض الآخر، ما هو سياق هذه التغييرات؟
ليس هناك غضب، هناك ربما خصاص في التواصل الداخلي عند لحظة انطلاق تنفيذ هذه القرارات، سرعان ما تم تداركه. منذ بداية التأسيس، انطلقنا من أنه لن يكون للحزب أثر في حالة ضعفه انتخابيا، واستحضرنا دائما أن الاهتمام الانتخابي الضروري الذي لا يستقيم  للعمل الحزبي وجود إلا به، يجب ألا يحجب عنا. إننا بصدد المساهمة في إنجاح المشروع المجتمعي ككل، بكل ما يعنيه من استنهاض للكفاءات والطاقات الجديدة، كما استحضرنا أن من بين مثبطات العمل الحزبي حاليا، مركزيته المفرطة، وقلة انتباهه إلى التطور الحاصل اليوم في كل الطاقات والكفاءات التي تدق أبواب  تدبير الشأن العام في الجهات الأربع من بلادنا. وبالتالي، كان خيارنا التنظيمي مستحضرا للبعد الانتخابي والبعد التأطيري على السواء. كان لزاما أن نبني البعدين وأن نستحضر الوزن الانتخابي والوزن السياسي العام للحزب، وبالتالي فمن الناحية التنظيمية، كان من الضروري أن يتسع الحزب لكل مكوناته من المنتخبين، وفي الوقت نفسه أن نعمل على حضور الطاقات الجهوية في المؤسسات الحزبية، وأن نوفر للمنتخبين القدرة على الحضور والتأثير في مجالهم. طبعا، القرارات الأخيرة التي اتخذها المكتب الوطني بناء على التجربة التي عشناها مسألة أساسية، فإحدى شعارات المقاربة التنظيمية الجديدة هي “جيل جديد من المسؤولين الجهويين” يتميزون بالانتماء إلى فئة الطاقات الجديدة، ولا يتمتعون بالضرورة بالانتداب الانتخابي. بالنسبة إلينا الموضوع جوهري، ونعيش اليوم تفاعلات إيجابية وتمت مباشرة المهام من قبل الأمناء الجهويين الجدد والآخرون في الطريق قريبا.

هل ترغبون من وراء تجربة الأمناء الجهويين استباق اعتماد تجربة الجهوية الموسعة؟
إذا ما اطلعتم على الوثائق المؤسسة للحزب سنة 2009، فستجدون أن البعد الجهوي كان حاضرا منذ الوهلة الأولى في تصورنا السياسي والإستراتيجي وفي بنياتنا التنظيمية، فكان التوجه نحو الأمانات الجهوية ثابتا منذ البداية، وليس وليد تطور لاحق. وعكس الإقرار الذي يؤمن بأن الديمقراطية والتنمية تأتي من المركز إلى المحيط، فإن الحل المستديم هو أن تعتبر الجهات شريكا كاملا في ما يتعلق بمسار التنمية وترسيخ الديمقراطية، وبالتالي كان من اللازم أن تكون الأدوات الحزبية التنظيمية منسجمة مع هذا الاختيار، وكذلك كان.
أجرت الحوار: نادية البوكيلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق