fbpx
ربورتاج

زاويـة الشيـخ … الدعـارة تقــــــــــاوم الحمـلات

لجن شعبية أجبرت المومسات على مغادرة المدينة والتهميش يزيد المدينة عزلة

تغير الوضع كثيرا بزاوية الشيخ، مقارنة مع فترة التسعينات وإلى حدود 2008، وقتها كانت المدينة قبلة للباحثين عن اللذة، بعد أن استولت الوسيطات على حي بأكمله “الزاوية القديمة” وحولته إلى “بورديل”،يعج بالمومسات من مختلف المدن المغربية، قبل أن ينتفض السكان و”يحرروا” الحي ويطردوا المومسات من المدينة. شكلت الدعارة في تلك الفترة مصدر دخل للمدينة، إذ كانت العائلات لظروف اجتماعية قاهرة، تغض الطرف عن احتراف بناتها لـ”الدعارة المعيشية”،  لأنها مصدر لقمة عيش، فبمالها كان يؤدى الثمن للتاجر والجزار ومالك الشقة والأطباء والصيدليات، بل حتى للدولة في شكل ضرائب.

حاليا تغير الوضع، إذ نجحت برامج تنموية سواء في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أو تلك التي أشرف عليها المجلس البلدي في إعادة الاعتبار لسكان المدينة، لكن هذا لا يعني أن الدعارة اختفت بشكل كلي، بل انتقلت من العلانية إلى السرية.

بين الأطلس والدعارة علاقة تاريخية، لدرجة أنها أصبحت أيقونة شر تلتصق كلما تمت الإشارة إلى سفوح جبال الأطلس الممتد من خنيفرة إلى زاوية الشيخ. هذا الاتهام يغضب سكان المنطقة بحكم أن الدعارة توجد بتجلياتها الكبيرة بالمدن الكبرى مثل البيضاء ومراكش وأكادير، ورغم ذلك يتم التعامل معها كأنها مدن طاهرة.

تختلف الإجابات والتبريرات عن هذا السؤال، لكن يبقى المثير أن المنطقة تاريخيا كانت مقرا لزاويتين الناصرية والدلائية، اللتين كان لهما حضور قوي في تاريخ المغرب، تم تهميش تاريخهما بشكل غير مبرر، كما أن سكانها رمز للشهامة والشجاعة. فأجداد سكان هذه المدن، هزموا الاستعمار الفرنسي في معركة “الهري” الشهيرة، بل إنه في الوقت الذي خضعت فيه كل مناطق المغرب للاحتلال الفرنسي، واصلت هذه القبائل مقاومة الاستعمار ولم تركع له إلا أواخر العشرينات من القرن الماضي. ظلت هذه المدن متخلفة وتعاني تهميشا كبيرا، على نقيض المدن الأخرى التي صارت تتشبه بالعواصم الأوربية.

كل شيء  مراقب

كانت الانطلاقة من قصبة تادلة، بعد إخبار “الكورتي” بوجهتنا إلى زاوية الشيخ وتسديد ثمن سيارة الأجرة. ظل يراقب ويتطلع في تحركاتنا. بدونا غرباء له، ووجهتنا إلى زاوية الشيخ، أوهمته أننا من زوار اللذة.

استمرت الرحلة على متن سيارة الأجرة نصف ساعة، ولحظة وصولنا المدينة، كانت ترشقنا نظرات غريبة من قبل المارة. توجهنا صوب مقهى بعد أن ضربنا موعدا مع عزيز، شاب في العشرينات من العمر من أبناء المدينة، الذي قرر مساعدتنا في إنجاز هذا التحقيق.

تأخر عزيز عن الموعد كثيرا، وقررنا التوجه إلى منتزه “عين تامدة”، الذي يعتبر متنفسا لسكان المدينة، قبل أن يفاجئنا عزيز بحضوره هناك رغم أننا لم نخبره بوجهتنا. أجابنا في الحين أنه أخبر من قبل نادل مقهى أننا في عين “تامدة”.

وقتها أدركنا أننا تحت المراقبة فعلا، وهو الأمر الذي اعتبره عزيز عاديا، ومن تجليات الحرب على الدعارة التي انخرط فيها سكان المدينة بضراوة، ونجحوا في استئصالها بشكل نهائي.
على نقيض السنوات السابقة، تطورت زواية الشيخ بشكل واضح.

بنية تحتية متميزة، وهندسة معمارية رائعة، كأنها نفضت عنها غبار التهميش وتسعى جاهدة للحاق بركب المدن الحديثة بالمغرب، رغم ضعف الإمكانيات، يزيد في جمالها طبيعتها الخلابة، فهي محاطة بجبال الأطلس وأشجار الزيتون المغروسة بكثرة.

وقفات احتجاجية

الحديث عن الدعارة أصبح يشكل “طابو” بالمدينة منذ 2011، عندما نظم سكان المدينة  مسيرات ووقفات احتجاجية تطالب السلطات بمحاربة الدعارة، التي لطخت سمعة المدينة والأمازيغ بصفة خاصة. استجابت السلطة لمطالبهم، وشنت حملات أمنية ساهمت في اجتثاث هذا “الوباء” حسب قول عزيز. تم تكليف عون سلطة و”مخازني” بإيقاف أي غريب عن المدينة والتحقق من هويته، وفي حال تبين أنه باحث عن اللذة يجبره على مغادرة المدينة في الحال.

أول الأحياء التي شملتها زيارتنا، حي “الزاوية القديمة”، الذي شهدت فيه الدعارة حراكا غير عاد في السابق، بعد أن قطنت أغلب منازله وسيطات في الدعارة، وكانت كل واحدة تحت تصرفها أربع مومسات أو أكثر. كان الحي قبلة لرجال وشباب المدن المجاورة، قبل أن ينتهي كل شيء.

داخل الحي يعم صمت رهيب. يخيل إليك أنك في مدينة هجرها السكان بسبب كارثة. أبواب موصدة، وكتب على عدد منها عبارة لـ”البيع”. نادرا ما تصادف شخصا مارا بالزقاق. وإذا صادفته يجبره فضوله على مراقبتك إلى أن تختفي عن أنظاره، وتشعر أنه يريد أن يخبرك أن ضالتك انقرضت منذ سنوات.

يطل ممر بالحي على ساحة كبيرة، أوضح عزيز أنها كانت مكانا سابقا للسوق الأسبوعي بالمدينة، الذي ينعقد كل أربعاء، قبل أن يتم نقله إلى خارج المدينة.

يوضح عزيز أن تغيير مكان السوق كان له وقع سيىء على محترفات الدعارة، إذ في السابق، كانت الطريق إلى السوق القديم تمر عبر أحياء المومسات، فيستغل العديد من المتسوقين هذه الفرصة لممارسة الجنس مقابل 10 دراهم وقتها،  قبل أن يعرجوا على السوق للتبضع، لكن منذ تغيير مكانه، تراجع شيئا ما الإقبال عليهن، بعد أن أصبح الزبناء مضطرين قطع مسافة طويلة من السوق إلى الحي لقضاء نزواتهم الجنسية.

ذكريات غير مأسوف عليها

ممارسة الدعارة بهذه المدينة كانت مباحة في وقت سابق، لا تشكل أي حرج، وبمباركة حتى العائلة، إذ تروى قصص عديدة حول هذه النقطة، منها قصة فتاة كان يحضرها والدها إلى السوق الأسبوعي، قبل أن يفترقا محددين موعدا في الزوال، تتوجه الفتاة إلى منزل وسيطة، وتمارس الدعارة، وبعد أن تضمن مالا كافيا، تلتقي بوالدها وتسلمه المال للتسوق.

من جهته، يتذكر عماد (اسم مستعار)، ولوجه منزل مومس، وأثناء انتظار دوره ، تفاجأ بدخول شابين إلى المنزل. انتابه خوف من أن يتعرض لسوء، ، لكن الضيفين لم يكترثا به، وتحدثا مع قريبتهما بالأمازيغية قبل أن يغادرا المنزل.

ظلت الدعارة تهمين على الحياة اليومية لزواية الشيخ، قبل 2008، تتزعمها مومسات من قرى أمازيغية بضواحي المدينة، أجبرهن فقر أسرهن وغياب فرص العمل على احتراف الدعارة، لكن بعد 2008، سينتفض السكان، وتتشكل ما يشبه  “لجن شعبية” ضد الدعارة يتزعمها أساتذة وموظفون وطلبة.

لكن رغم هذه المبادرات، إلا أنها لم تتمكن من القضاء نهائيا على الدعارة بالمدينة، صاحبة هذا القول، خديجة، لا يتجاوز عمرها ثلاثين سنة، بدينة شيئا ما، صارمة في حديثها، أو هي ربما غاضبة على واقعها الذي ترفضه، بعد أن وجدت نفسها تكتري جسدها لتعيل عائلتها.

دون تردد قالت خديجة بلهجة غاضبة، إن نساء المدينة يعانين التهميش والفقر، فلا وجود للمعامل أو المصانع، والنتيجة سيحترفن الدعارة مهما قاومن.
وواصلت حديثها بلغة عربية ممزوجة بلكنة أمازيغية، ” حاليا نحن في موسم جني الزيتون، ربما هي فرصة لهن لضمان عمل “حلال”، لكن  هذه الفترة لن تتجاوز ثلاثة أشهر، وبعدها ستعود الفتيات إلى أحضان الدعارة من جديد”.

اعترافات

تعترف خديجة أنها مومس، لكن خلسة، ومع أناس معينين، مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 500 درهم و700 لليلة، كما تشتغل “شيخة” في مناسبات، فهي من تتكلف بالإنفاق على عائلتها المعوزة وإخوتها الصغار.

تعترف خديجة أنها تدفع ثمن خطأ فادح، عندما توهمت بالمحافظة على شرفها عند قبولها العمل “شيخة”، إذ اعتقدت أنها ستكتفي بالرقص ، لكن مع توالي السهرات، وجدت نفسها محط إغراءات عديدة، سيما في السهرات التي ينظمها أعيان المنطقة، عرض عليها أحدهم مبالغ مالية تتجاوز 2000 درهم،  لم تستطع المقاومة، ومكنته من جسدها، لكن عندما احترفت الدعارة، أصبحت تتقاضى أقل من 500 درهم.

خريطة الدعارة تغيرت بالمدينة تؤكد خديجة، ففي الوقت الذي كانت تتركز في “الزاوية القديمة”، انتقلت المومسات للعيش في أحياء جديدة بالمدينة، يمارسن الدعارة بحذر شديد، خوفا من رد فعل السكان، ومداهمة الدرك وعناصر القوات المساعدة.

تعترف خديجة أن الهاتف المحمول، ساهم بدوره في تغيير مسار الدعارة بالمدينة، حسب قولها. في السابق كانت الوجهة دور الدعارة وما ينتج عنها من صدامات ومشاكل مع الناس والسلطة، أما الآن، قتم تحديد الاتفاق والتفاهم على الثمن عبر الهاتف، ومن ثم تحديد مكان اللقاء، أسلوب جنب المومسات بالمدينة المضايقات، وجعل الدعارة تمارس بشكل سري.

ودعنا خديجة وهي تترجى أن يصل صوتها إلى المسؤولين لإنقاذ نساء وفتيات هذه المدينة من الفقر، فهي ترفض أن تلقب بالمومس، لأنه مصطلح بغيض وقدحي، فهن لا يطالبن إلا بفرص عمل بسيطة للعيش في “الحلال” وتكوين أسرهن على غرار باقي نساء المغرب.

بطاش : تهميش تاريخي

كان لـ”الصباح” لقاء مع محمد البطاش، الرئيس السابق للمجلس البلدي لزواية الشيخ، فهو من أشرف على تسيير المدينة لخمس سنوات الأخيرة، وله دراية بكل تفاصيلها الصغيرة.

اعترف البطاش بوجود تهميش كبير على المستوى التاريخي، ليس للمدينة فقط، بل للشريط الممتد من خنيفرة إلى زاوية الشيخ، من جميع النواحي، التعليم والصحة والبنيات التحتية والاستفادة من الاستثمارات، لأن الدولة راهنت بقوة على المدن الساحلية، كما أن الاستثمار في “الجبل” سيكلف الكثير لغياب بنيات تحتية مهمة وكبيرة، بل حتى إن المشاريع الكبرى من قبل المخطط الأخضر استفاد منها أعيان بالمنطقة وكبار الفلاحين فقط.

رغم محاولات تصحيح الوضع، سيما من خلال برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلا أن هذه المبادرة لم تلق النجاح الكامل لاعتبارات عديدة.

عند الحديث عن الدعارة في هذه المنطقة، يبدي الرئيس السابق استغرابا كبيرا، إذ حسب قوله، الدعارة الحقيقية هي التي توجد بالمدن الكبرى، التي تعج بآلاف المومسات وتتم في الفنادق والمطاعم المصنفة والكاباريهات، ومع ذلك يتم التركيز على الأطلس، لوجود بضع نسوة ينتمين إلى وضع اجتماعي فقير يمارسنها في المنازل وليس الفنادق.

كما سجل البطاش مسألة في غاية الأهمية، إذ يقول :” في المدن نجد نساء ينتمين إلى طبقات متميزة اجتماعيا يمارسن الدعارة، لاقتناء سيارات أو شقق فاخرة، بعبارة أخرى الارتقاء إلى طبقة اجتماعية أعلى، عكس المومسات في الأطلس اللواتي يمارسن “الدعارة المعيشية” أي لتوفير لقمة العيش فقط، يساهم في ذلك الأمية والجهل وغياب فرص العمل”.

وبعد صمت لم يدم طويلا  شدد قائلا :” الدعارة بهذه المناطق تمارس بالحشمة والوقار وتتم داخل المنازل، وغالبا ما ترتدي المومس لباسا محتشما، على نقيض المدن الكبرى، التي تظهر فيها مومساتها بأزياء فاضحة ومشينة”.

إنجاز: مصطفى لطفي – (تصوير دحو بن دحو)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى