fbpx
تحقيق

ترقيم الدراجات النارية… تلاعبات وتزوير

مليون ونصف مليون دراجة بسعة محركات مزورة ووزارة النقل والمستوردون والموزعون  في قفص الاتهامSITINC

حركت السلطات بركة آسنة، حين قررت ترقيم أسطول الدراجات النارية الضخم، الذي يقارب عدده مليونا ونصف الميون دراجة، ظلت  تجوب الشوارع طيلة سنوات خارج القانون. عملية الترقيم، المؤطرة بقرار للوزير المنتدب المكلف بالنقل، متعلق بتحديد شكل ومحتوى سند الملكية، انطلقت منذ أشهر وسط ارتباك وارتجال، عكسته الأرقام والمعطيات الأخيرة، فإلى غاية 5 دجنبر الجاري، تم تسجيل ألف و200 دراجة فقط، تهم المبيعات المنجزة بعد 20 ماي الماضي، تاريخ صدور القرار المذكور، في الوقت الذي لم يتجاوز عدد الدراجات المسجلة، المنتمية إلى الأسطول القديم 200 ألف فقط، علما أن واردات الدراجات ومبيعاتها في السوق لم تتوقف. هذا البطء في الإقبال على التسجيل، رغم دنو آجال المراقبة الفعلية بنهاية الشهر الجاري، بالنسبة إلى ملاك دراجات الأسطول الحديث، تفسره مجموعة من الإكراهات، أهمها مرتبط باختلالات في عملية تحديد سعة المحركات، ذلك أن ملاك الدراجات التي تتجاوز سعة محركها 50 سنتمترا مكعبا، وجدوا أنفسهم أمام مسطرة تسجيل خاصة، بعد حصولهم على “وثيقة رفض”من مركز الفحص التقني، تفترض الإدلاء بشهادة المصادقة من المركز الوطني للتجارب والتصديق، وهي الشهادة غير المتوفرة لدى أغلب الموزعين والمستوردين، رغم دخول هذه الدراجات إلى السوق بواسطة تصاريح جمركية توضح بما لا يقبل الشك، أن سعة محركاتها تتجاوز السقف المذكور، ليظل السؤال مطروحا حول الجهة المتورطة في التلاعب بسعة محركات الدراجات؟. “الصباح” اقتحمت مسلسل ترقيم الدراجات وفتشت في حلقاته من خلال هذا التحقيق، لتصادف حقائق صادمة تنشر لأول مرة.

إنجاز: بدر الدين عتيقي

منطلق البحث عن هوية الجهة المتورطة في التلاعب بسعة محركات الدراجات، يقود إلى الإطار التشريعي المنظم لعملية ترقيم الدراجات واستصدار سندات الملكية، فقرار الوزير الخاص بهذا الشأن، جاء تنفيذا لمضامين نصوص مدونة السير الصادرة قبل خمس سنوات. يتعلق الأمر تحديدا بالمادة 53، التي تدعو كل مالك سيارة أو دراجة نارية أو دراجة ثلاثية العجلات بمحرك، إلى تسجيلها قبل الشروع في استخدامها، فيما تشدد المادة 65 من جهتها، على وجوب توفر أصحاب الدراجات النارية على سند الملكية، وأن يكون لها رقم ترتيبي، وبالتالي فالقرار الأخير، جاء لينظم طريقة تنفيذ هذه المقتضيات المذكورة، ومنح لجميع المعنيين به فترة انتقالية للانضباط للقانون استغرقت سنوات، ومن هنا ثبتت مسؤولية وزير التجهيز السابق كريم غلاب، والوزيرين الحاليين عزيز رباح ومحمد نجيب بوليف، ذلك أنهم تغاضوا عن فرض القانون وتفعيله منذ سنوات، وحين قرر رباح وبوليف في النهاية اتخاذ هذه الخطوة، لم يعدا البنية التحتية والآليات الكفيلة بضمان نجاعة عملية تسجيل وترقيم الدراجات، ذلك أن مراكز التسجيل شهدت ارتباكا في استقبال الملفات ومعالجتها، فيما لم تتوفر مراكز الفحص التقني على التجهيزات والخبرة الكافية لقياس سعة المحركات، وبالتالي تم منح دراجات من الطراز والمحرك نفسه، تصنيفين مختلفين، حسب حسن سفولي، نائب رئيس جمعية الأحرار لتجار سوق الدراجات بالبيضاء.

“لافيزيت”وهمية
هذا المعطى الصادم، يعكس حالة الارتباك في منظومة تسجيل الدراجات، انطلاقا من مراكز الفحص التقني، التي انتعشت مداخيلها مع انطلاق عملية التسجيل، إذ عاينت “الصباح”إقبالا كثيفا على مراكز الفحص، وتتبعت مسار العملية من البداية بأحد المراكز الموجودة في منطقة عين السبع بالبيضاء. يوم الاثنين، الذي يمثل بداية الأسبوع وذروة الحركة التجارية على الشريط الساحلي للمدينة، يشهد زحاما شديدا أمام المركز، الذي يشرع في فتح أبوابه على الثامنة والنصف صباحا، إلا أن بعض الزبناء فضلوا ركن دراجاتهم أمامه خلال الليلة السابقة، لتفادي طول مدة الانتظار.
يتقدم نبيل، شاب قرر اقتناء دراجة نارية أخيرا، لتأمين تنقله إلى مركز للتكون المهني بعيد عن مكان سكناه، وجد نفسه في لجة التسجيل، لا يدرك من الإجراءات شيئا، إلا أنه يتلصص بين الفينة والأخرى، على الأحاديث الجانبية التي انخرط فيها غيره من الزبناء. بعد ساعتين من الانتظار، يحل الدور على الشاب الذي يحاول عبثا، الخروج بمعلومات أكيدة من تحليل ما راكمه من معطيات خلال هذه الفترة الوجيزة، حول ترقيم دراجته. يدنو منه التقني بسرعة، ويطالبه بركن دراجته في المكان المخصص للفحص، والإدلاء بمجموعة من الوثائق الخاصة، بما في ذلك عقد البيع والبطاقة الرمادية ونسخة عن بطاقة التعريف الوطنية، إلى جانب تصريح بالشرف يفيد ملكية الدراجة من قبل هذا المالك، قبل أن ينتقل التقني بسرعة إلى عملية تحديد سعة المحرك، التي لم تستغرق سوى بضع ثوان، إذ أمر صاحب الدراجة بتشغيلها، والضغط على كابس البنزين ثم المكابح، واستكمل عملية المراقبة بمطابقة رقم الإطار الحديد “بيسرينا”أو “pisrina”، مع ما هو مدون في البطاقة الرمادية.
عملية المراقبة التي خضعت لها دراجة نبيل، يسميها أحد تجار الدراجات النارية “لافيزيت”الوهمية، ذلك أن عملية الفحص لا تنسجم مع أي معايير تقنية، متسائلا عن كيفية قياس سعة محرك بمجرد الضغط على كابس البنزين، وهنا يضيف، أن خبراء الدراجات العالميين، وحدهم من يستطيعون التكهن بالسعة بمجرد الاستماع إلى صوت المحرك فقط، فكيف لتقني بمركز فحص أن تكون له هذه الخبرة، وهو حديث التعامل مع الدراجات، إلا أن هذه الانتقادات لا تهم الشاب، الذي تنفس الصعداء بمجرد سماع، “لديك أقل من 50 سنتمترا مكعبا”، وبالتالي سيؤدي ما قيمته 100 درهم لقاء الترقيم وتثبيت صفيحة معدنية على الدراجة، بعد أخذ موعد لذلك، يصل إلى شهر في المتوسط، فالأهم يظل تجنب متاهات التسجيل، في حال ثبت أن سعة المحرك تتجاوز السقف المذكور، وبالتالي لينخرط في مسطرة تسجيل أخرى، مشابهة تقريبا لمسطرة تسجيل السيارة، بما تتضمنه من ضرورة التوفر على رخصة سياقة الدراجة، وأداء رسوم القوة الضريبية وغيرها من الإجراءات.
عمليات المراقبة التقنية، على غرار هذه العملية، تسببت خلال الفترة الماضية في منح تصنيفات مختلفة لدراجات من الطراز نفسه، يتعلق الأمر خصوصا بدراجات “سي 90″تنتمي إلى طرازات “جاغوار”و”دوكير”و”ريمكو”، وكذا “بيكان”، علما أن هناك جهازا خاصا بقياس سعة المحرك، لا تستخدمه مراكز الفحص، بخلاف الإدارة العامة للجمارك، التي يخضع أفرادها الدراجات المستوردة لعملية قياس سعة المحرك ويتم تضمينها في التصريح الجمركي. ويحكي عزيز قماح، رئيس جمعية مستوردي الدراجات النارية، كيف يعمد مراقبو الجمارك إلى استخدام “البياكوليس”لقياس سعة المحرك، بعد مطالبة المستورد بنزع الهيكل الخارجي للدراجة “كاريناج”و”الكيلاس”.

افتحاص عاجل
لا شك أن الوزارة المنتدبة المكلفة بالنقل تتحمل مسؤولية اختلالات تحديد سعة محركات الدراجات لدى مراكز الفحص التقني، إلى جانب مسؤوليتها عن عدم تنفيذ مضامين مدونة السير بخصوص الترقيم طيلة خمس سنوات الماضية، إلا أنها أفسحت المجال مع صدور القرارات التطبيقية الأخيرة، أمام فاعل آخر في المعادلة ليشاركها المسؤولية. يتعلق الأمر بالمستوردين والموزعين، الذين ما زالوا يسوقون الدراجات النارية بسعة محرك غير حقيقية، ويمنحون بطاقات رمادية بتواريخ سابقة، من أجل تمكين الملاك الجدد من الالتفاف على القانون، وتجنب الخضوع للمراقبة بنهاية الشهر الجاري، خصوصا ملاك الدراجات المباعة بعد 20 ماي الماضي، تاريخ تنفيذ القرار الوزاري المتعلق بتحديد شكل ومحتوى سند الملكية. وهنا يكشف قماح عن وجود خلل في تمرير المعطيات بين الإدارة العامة للجمارك ووزارة النقل، ممثلة في مراكز التسجيل، موضحا أن التصريحات الجمركية صحيحة لا غبار عليها، في الوقت الذي يتم التلاعب في السعة عند البيع من قبل الموزعين، مستدلا في هذا الشأن، باستيراد 80 ألف دراجة تتجاوز سعة محركاتها 50 سنتمترا مكعبا بنهاية شتنبر الماضي، و9 آلاف دراجة تحت السعة المذكورة، في الوقت الذي تظهر زيارة بسيطة لمراكز التسجيل، ترقيم أربعة آلاف دراجة كبيرة فقط من العدد المستورد، الأمر الذي يفرض على الوزارة إجراء افتحاص عاجل لسجلات مبيعات الموزعين.
أمام غياب المراقبة، أصبح المشترون أكثر تشددا مع الموزعين، بخصوص الإشارة في البطاقة الرمادية إلى سعة المحرك، قبل إتمام عملية البيع، إذ يضطر مالك الدراجة الذي ينوي إعادة بيعها لشخص آخر، للعودة إلى الموزع الذي اقتنى منه الدراجة، من أجل استخلاص بطاقة رمادية جديدة، تحوي هذا التغيير، يتعلق الأمر بحالة عاينتها “الصباح”لحسن، شاب يملك دراجة نارية من نوع “سكوتر”، طراز “نيترو”، التي لا تتجاوز سعة محركها 49 سنتمترا مكعبا، إذ طالبه المشتري ببطاقة رمادية تجنبه المشاكل خلال عملية الترقيم. بغضب يتحدث الشاب عن صعوبة تغيير البطاقة لدى الموزع الذي باعه الدراجة، في الوقت الذي أفادت مصادر مهنية، استغلال بعض الموزعين لهذا التطور في الإجراءات، من أجل ابتزاز زبنائهم، إذ يتم تغيير مضامين البطاقة الرمادية مقابل مبالغ مالية، في الوقت الذي، فضل بعض الموزعين لأسباب تجارية، مبادرة زبنائهم بـ”كرم”تغيير تاريخ بيع الدراجة، لغاية تجنيبهم المراقبة بنهاية السنة الجارية، وهو الأمر الذي يؤشر على حالة فوضى في تسويق الدراجات النارية، في الوقت الذي لم يتوقف تناسل مشاكل الترقيم عند هذا الحد، فحسب أحد تجار سوق الدراجات المستعملة بالإدريسية في البيضاء، تعترض مجموعة من العراقيل الإدارية عملية بيع دراجة تم ترقيمها سلفا، ذلك أن المالك الجديد لا يستطيع نقل ملكية الترقيم لدى مراكز التسجيل إليه، إذ تظل في ملكية البائع، وما يترتب عن ذلك من تداعيات سلبية. يتعلق الأمر حسب التاجر دائما، بإمكانية تورط دراجة في حادثة سير أو فعل إجرامي، فيسهل حينها تسجيل ترقيمها، والعودة مباشرة إلى مالكها الأصلي، الذي ما زالت ملكية اللوحة مسجلة باسمه في النظام المعلوماتي الخاص بالتسجيل.

عقوبات للمتخلفين

يشير الفصل 156 من مدونة السير إلى أن كل مصنع أو وكيل أو مستورد يسوق عربات، دون التوفر على شهادة تصديق بشأنها، يعرض إلى عقوبة مالية تتراوح ما بين 15 و30 ألف درهم عن كل عربة، وفي حال العود يمكن أن يتعرض إلى عقوبة السجن من ثلاثة أشهر إلى سنة ومضاعفة العقوبة المالية أو إحداهما. ويتعرض كل مالك أو سائق يجول بمركبة في الشارع العام وتتطلب لوحة ترقيم دون التوفر عليها، إلى عقوبة تتراوح بين 2000 و6 آلاف درهم، حسب الفصل 160، وتوضع المركبة في الحجز إلى حين تسوية وضعيتها القانونية. وينص الفصل 148 من المدونة على أنه يعاقب كل شخص يسوق مركبة تتطلب سياقتها رخصة دون توفره عليها، بغرامة ما بين 2 و 4 آلاف درهم، وتضاعف العقوبة، في حالة العود.

“إلدورادو” التأمينات

كشفت معطيات جديدة، تحصيل شركات التأمينات اكتتابات إضافية بقيمة ناهزت 900 مليون درهم منذ انطلاق عملية ترقيم الدراجات بموجب مرسوم للوزير المنتدب المكلف بالنقل، حول تغيير شكل ومحتوى سند الملكية، إذ مكنت عملية إعادة قياس سعة محركات الدراجات في مراكز الفحص التقني، من نقل تأمين عدد مهم من الدراجات من التصنيف الأدنى إلى الأعلى، ذلك أن الدراجات التي تحمل محركات تقل سعتها عن 50 سنتمترا مكعبا، ظلت قيمة اكتتاب تأمينها في حدود 750 درهما، فيما انتقلت تلك التي تجاوزت سعة محركها السقف المذكور، إلى أداء قيمة اكتتاب في حدود ألف و200 درهم في المتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى