fbpx
تحقيق

أربعة أسباب تحول صفرو إلى عاصمة للاحتجاجات

سكان مدينة حب الملوك كسروا جدار الخوف والمسؤولون يواجهونهم ب”العصا لمن عصا”

لجسد صفرو المعماري رائحتان، خاصة إذا زرتها في يوم ماطر. الأولى مريحة، تختلط فيها رائحة التراب الندي والنباتات والأشجار والبنايات الجديدة. ورائحة نتنة، تختلط فيها رائحة قنوات الصرف الصحي بروائح البنايات القديمة النتنة، والنفايات والجدران الرطبة، والنفايات المتراكمة.

وهما الرائحتان اللتان تجبرانك على تقسيم زيارة العمل إلى وحدتين زمنيتين، إحداهما لسكان كتلة البنايات الجديدة، وأخرى لسكان “الواد الحار”. والمفاجأة أنك تخرج بشهادة واحدة، حتى لو تفرقت الروائح، مفادها أن: سفينة تنمية صفرو تحطمت على جبل جليد لامبالاة المسؤولين المحليين والمركزيين. وهذا هو السبب الحقيقي الذي حول صفرو من مدينة حب الملوك إلى ثاني مدينة احتجاجية بعد الرباط عاصمة احتجاجات المعطلين وكل الذين يعتصمون أمام البرلمان. وهو سبب رئيسي يحبل وترشح منه وتتفرع عنه عدة أسباب أخرى يعددها سكان صفرو الواحد تلو الآخر، بلكنتين إحداهما أمازيغية والثانية فاسية.

“جدار الخوف سقط في انتفاضة 2007”. هذا واحد من الأجوبة التي تجدها في صفرو المدينة التي تستقبلك، بعد أربع سنوات على الانتفاضة، وبعد بضعة أيام على أحداث الشغب، بصفوف سيارات أجرة مضربة عن العمل، عن سؤال “ما الذي يجعل هذه المدينة تتبوأ المرتبة الثانية من حيث الاحتجاجات بعد الرباط؟”.

لامبالاة…
وإن كان الجواب الأول يحتمل أكثر من تأويل يتداخل فيه ما هو سياسي بما هو اجتماعي اقتصادي، فإن السبب/الجواب الثاني، الذي يدفع به سكان صفرو كسبب لاعتبار مدينتهم بركانا ينتظر أي مناسبة للانفجار، لا يحتمل أكثر من وجه واحد، وجه يحمل عدة ندوب لجراح قديمة وجديدة، وجه بشع يتمركز في الملاح أو حي الأمل الذي مازال سكانه يأملون خيرا في رئيس بلديتهم وأحد أعضاء حكومة عباس الفاسي الاستقلالي معزوز.
فحين تعبر قنطرة وادي “أكاي” الذي تحول إلى مطرح للنفايات، تستقبلك وجوه نساء ورجال وأطفال تعود إلى مغرب “عام البون”.
كل واحد منهم يجرك إلى بيته، فيما لا تشعر، أنت، متى انتقلت من الزقاق إلى البيت ولا متى خرجت من البيت ووطأت الزقاق، لأن البيوت متداخلة ومفتوحة على العراء من فوق ومن تحت أيضا ومن اليمين واليسار. وحين تشعر بالتيه وسط ركام الحجر والبشر والروائح الكريهة والنفايات تسأل بضيق “واش احنا في الدار أو لا في الزنقة؟”، فيأتيك الجواب من فم راضية التي تشعر بإهانة ما في السؤال، فتقول بما يشبه الغضب، “هاذي داري ..وهذا فراشي…وهذا الخبز الكارم اللي تنترزق بيه الله…وهاذي الكرطونة ديال التلفازات ما فيهاش شي تلفزة، جبتها باش نفرشها للخبز باش يكرم…”. تحدق جيدا بحثا عن معالم ومواصفات “بيت” في هذا المكان الذي تسميه المرأة “داري”، وأنت الذي تجزم أنه زقاق معتم، خاصة أن فيه حفرة عميقة تنبعث منها روائح المياه العادمة، وبالضبط عند الحد الذي تضع فيه راضية وسادة فراش نومها، فتشرح بمهانة وذل، “هذا بيت الخزين عمر عليا بالما الخانز، ماعرفتو منين تايجي؟ قلت للسطات إيجيو إيشوفو، ما داها فيا حد”.
حتى المشردون لا يبيتون في الوضعية التي تبيت فيها راضية التي تعتبر  نفسها تمتلك بيتا، وتقول بما يشبه الفخر أنها ليست مكترية، بل ورثت البيت عن والدتها.
حتى أولئك الذين يصنفون تحت عتبة الفقر لا يعيشون الوضعية الاقتصادية التي تعيشها راضية التي تجوب الشوارع وأزقة الأحياء الأخرى بحثا عن “الخبز الكارم” وتقطع كل المسافات مشيا على الأقدام، قبل أن تعود به إلى البيت/الشارع، لتجففه على أوراق “الكارطون” وتبيع كل كيس “خنشة” بدرهمين!!! 
لا مجال للحديث عن المغرب الوردي في بعض أحياء صفرو، حيث تنتفي شروط الإنسانية أولا، ثم الكرامة ثانيا، قبل أن نصل إلى مرحلة تعجز فيها عن تحديد السلم الاجتماعي الذي ينتمي إليه هؤلاء، خاصة وأنت في عمق حي الأمل الذي علقت في بعض جداراته المتداعية، ومتاهاته النتنة، شعارات “لا للتهميش ولا للإقصاء …ونعم للكرامة ونعم للإنصاف”.
عدد الأسر التي تعيش هذه الوضعيات يناهز 600، وكلها أسر مركبة، إذ يقطن في كل “خربة” زوجان وأبناؤهما المتزوجون وأحفادهم.
الحل الذي تعرضه السلطات على المتضررين، بقعة أرضية مساحتها لا تتجاوز 76 مترا مربعا، تقتسمها أسرتان، وهو حل لم يرض الأغلبية، ليس من حيث مبدأ الاقتسام، بل لأن أفضل مهنة يمتهنها سكان هذا الحي هي خياط وميكانيكي ونجار، فيما تبقى مهن كل الباقين محصورة، حسب دراسة قامت بها لجنة السكن بصفرو، بين مياوم وحمال وصباغ وزلايجي ومتسول وخضار وخباز وكسال وفقيه، مع العلم أن حوالي 80 في المائة منهم يقعون في خانة  “المياوم”، ثم “بدون”.
وهذا جواب صريح من هؤلاء على عدم قدرتهم على تحمل تكلفة البناء، “منين أخيتي، منين نجيبو الفلوس باش نبنيو…عندكم في الدار البيضاء البلاد (العقار) غالية، ذاك الشي علاش المقاولين تيبنيو للناس وتايخذو هما الكراجات، احنا عندنا البلاد رخيصة، والبني غالي، علاش المقاول غادي يبني لينا باش يخسر هو؟”، تقول إحدى القاطنات ممن يهددهن الإفراغ إذا لم تقبل الحل المقترح، وهي التي ترفع كفاها إلى السماء، بعد أن تعبت من رفعهما احتجاجا أمام البلدية والعمالة ومؤسسة العمران و…و…وكل مكان قادتها إليه دعوات الاحتجاج المنظمة من طرف لجنة السكن.
المشكلة إذن واضحة بالنسبة إلى السكان، لكنها مازلت غير مفهومة بالنسبة إلى السلطات، ولذلك قال أحد السكان وهو “كسال”، “كون غير يكتبو لي البلاد من الأول نبيعها، ونمشي نشوف لراسي شي حل في شي بادية”. العرض تلقاه البعض بالفعل، وتناقلته راديوهات الحي من دار إلى أخرى، والردود جاءت متوحدة في أغلبها، لكن ذلك لا يمنع من وجود حالات سكان فضلوا أن يفرغوا بيوتهم المتداعية واستسلموا للقرار، لكنهم ما أن أعلنوا عن موافقتهم على الحل المقترح عليهم حتى فوجئوا بشرط يقيدهم، “قالك غير تقبل خاصك تسني التزام باش تخوي الدار ديك الساع، وفين غادي نمشي؟ ياك غيعطيونا غير البلاد خاوية”.

البطالة…سبب رقم 2
كل ما سبق إذن يمكن اعتباره سببا وجيها لتغذية صفوف المحتجين في صفرو. والسبب الثالث بعد السكن غير اللائق، وتكسير حاجز الخوف، يتجسد في عدد الشباب العاطل عن العمل في صفرو، أزيد من سبع مائة منهم من حاملي الشهادات العليا، وكلهم مروا من تجربة إغلاق أبواب المدارس العليا الخاصة في وجوههم، لضيق ذات أيادي آبائهم، ليختاروا “أيها” شعبة في الكليات بفاس، بعضهم يستفيد من المنحة والبعض الآخر له “الله” ، فيخوضون امتحان البقاء أولا قبل امتحان الدراسة، وحين يتخطون هذه المرحلة يعودون إلى صفرو حيث ينتظرهم “راس الدرب”، وأغلبهم أصبح مثالا لتلاميذ اختاروا الانقطاع عن الدراسة، على المرور من التجربة نفسها لينتهوا متكئين على الحائط، لذلك لا تعثر في حي الأمل، مثلا، على عدد كبير من المجازين، وأغلب الشباب انقطعوا عن الدراسة في مرحلتي الإعدادية والثانوية، “الأكيد أن الشباب هناك لا يهتمون بمتابعة دراستهم الجامعية، لأنهم يعلمون مصيرهم، لذلك يتركون الدراسة، وقلة قليلة تشد الرحال إلى جامعات فاس، والمحظوظون وحدهم يملكون الخيار”، يقول محمد مخلص، أحد أعضاء لجنة السكن بحي الأمل. قبل أن يضيف الشاب بسخرية لاذعة “بعضهم يختار مهنا هامشية، وبعضهم يتورط في ترويج المخدرات، وينتهون في السجن”.
لا تمنعهم الأمطار من الهروب إلى البيوت، بل تجدهم مسمرين إلى جدارات الحي المتداعية، وحين يعلمون أن الأمر يتعلق بالصحافة، يرددون كما لو كان بينهم اتفاق مسبق، عبارة واحدة “الستار الله…الستار الله”، وهي عبارة يلقيها هؤلاء الشباب في حضنك، ومرادهم من ذلك نقل رسالة الخوف الشديد من مآل ومصير مئات المواطنين الذين يؤوون إلى الفراش وهم يتضرعون إلى الله ألا يصبحوا على خراب.
زينب امبارك، بائعة خبز جاف أخرى، امرأة ستينية أمازيغية، ترد بخجل على أسئلتك، خاصة حين تقذف في وجهها سؤال الأبناء، فترد بحزن وخجل، “ابن واحد…راه في الحبس”. وقبل أن تستفسر عن السبب، تقول وعيناها إلى الأرض “شي حشيش”، وتنتقل زينب التي تحرص على نظافة غرفتها الصغيرة، وتقسمها إلى ثلاثة أقسام، أحدها يتوارى وراء ستار وهو المطبخ، والثاني مساحة صغيرة تخصصها لكارتين “الخبز الكارم” ومساحة أيضا ل”البقولة” التي تبيعها أيضا، وقسم لفراش الضيوف. ويبدو أن زينب لا تضع في قائمة الأشياء التي تقلقها أكثر مهنتها الهشة، ولا مصير ابنها السجين، بقدر ما تنبه إلى مصير العمارة بأكملها التي يمكن أن تتهاوى يوما إذا لم تتدخل السلطات لمعاينة الطابق الأرضي “شي حفاري قد البير، ما عرفناش فين واصلين، كلشي طاح”. ومعنى ذلك بالنسبة إليها الموت، وهنا يحين سؤال مصير الابن، حين تعرض زينب أسبابها على سلسلة مترابطة “إلا طاحت الدار غادي نموت، وإلا مت شكون غادي يخدم على ولدي وشكون اللي غادي يدي ليه القفة؟؟ وحتى يلا خرج فين هيا الخدمة؟ كون لقاها في الأول كاع ما يمشي للحشيش”.
“الحشيش” سؤال آخر في المدينة القديمة أو الملاح أو حي الأمل حيث يعشش اليأس، إذ لا يلوذ الشباب بالجدران طلبا للاحتماء بل لإسناد أجسادهم المتراخية، وركبهم الآيلة للسقوط كما بيوتهم، وذلك بفعل مفعول المخدرات من أقراص الهلوسة والحشيش.

حب الملوك…
فاكهة حب الملوك أيضا سبب رابع للاحتجاج بعد أن كانت سببا لتنظيم مسابقات ملكات الجمال، إذ يعتبر الناس هنا، أن مافيات العقار قضت على بساتين حب الملوك، التي لا يمكن أن تعثر على أشجارها إلا في بعض حدائق المنازل، كما قلصت أيضا نسبة استهلاك مستخدمي وموظفي القطاعات التي تحرك الرواج في المدينة، وذلك أولا عبر تحويل البساتين إلى مشاريع عمرانية لإقامة شقق سكنية تفوت إلى فئات كانت تستهلك أكثر، وبعد تقييدها بقروض السكن، تقلصت قدرتها الشرائية، وتضررت قطاعات تجارية كثيرة في المدينة، وليس هذا السبب الوحيد، بل أيضا ابتلعت الأسواق الممتازة بفاس كل الفرص التي كانت تحرك عيش الصفريويين.
أسباب أخرى تحرك البرك الآسنة في صفرو، لكن عوض أن تجد لها السلطات حلولا جذرية، فإنها أيقظت فيها “النزعة البصرية” نسبة إلى وزير الداخلية الأسبق ادريس البصري. وتتسابق لإحصاء عدد المحتجين، ومحاولة تصفية بعضهم، كما حدث مع أحد مناضلي لجنة السكن، والذي يرقد في بيته بكسر في الرجل واليد اليمنيين، وهو الحادث الذي يرويه عبد المولى ….قائلا “بعد مظاهرات 20 فبراير، وقع تخريب، ما عندنا علاقة به، ولكن في اليوم الموالي جاو عندي للقهوة، وخرجوني وداوني حدا المحطة وبقاو عليا بالضرب فينا ما جاهوم…كنت كنسمع شي عيالات كيغوتو…من بعد بداو تيجريو وتيقولو : عاش الملك، عاش الملك…في إحالة إلى أنني ضده أو ربما لإقناع المواطنين باستحقاقي الضرب بهذه الوحشية، من حسن الحظ أن أحد المواطنين كان يصورهم من الحافلة الواقفة، وألقى بالشريط على موقع “اليوتوب”، لتصبح فضيحتهم موثقة”.
لا تقل الشكوى في الأحياء الحديثة، لأن أغلب سكانها اقتنوها عبر قروض، وأغلبهم يكافح من أجل ضمان قوت الشهر، لأن هؤلاء لا يكدون لليوم، بل للشهر “خذي مثلا الفئة التي تتقاضى 5 آلاف درهم، نصفها لقرض السكن، وربعها لقروض الاستهلاك والربع الآخر لمصروف البيت، وهذا حال الأغلبية”.
فئة أخرى تعيش وضعية “أكفس” باللغة العامية، وهي فئة العاملات، “يصعب الحديث عن مشاكل صفرو دون ذكر هؤلاء العاملات، إذ تحولت هؤلاء النسوة إلى “عبدات” داخل المعامل على قلتها في صفرو، فهن يعانين أولا هزالة الأجر الذي لا يحترم الحد الأدنى، ولا عدد ساعات العمل، إذ يمكن أن يشتغل بعضهن من الساعة الثامنة صباحا إلى العاشرة ليلا، دون تعويض، ودون حتى أداء لمستحقات الصناديق الاجتماعية، ودون أيضا الحق في تشكيل مكتب نقابي يدافع عن حقوقهن”.
كلها أسباب تجعل من صفرو تفقد لقب “حديقة المغرب”، وتتحول تدريجيا إلى أم الانتفاضانت الشعبية ومدينة الغضب الشعبي، وقلعة لبرامج وأجندات أحزاب وجماعات معينة، خاصة عندما تحضر بقوة مقاربة “العصا لمن عصا” وتغيب مقاربة “الحوار…وخدمة الصالح العام”.

أرقام

عدد البنايات المهددة بالانهيار، حسب وثائق رسمية حصلت عليها “الصباح”، يصل إلى 171مقسمة إلى ثلاث درجات، وهي عمارات قديمة، مكونة من ثلاثة إلى أربعة طوابق عشوائية، تحتضن في كل منها عشرات الأسر، خاصة المكترية منها، والمتكدسة في غرف منعزلة، والمتناوبة على مرحاض واحد في كل طابق، بعضها أبوابه مهترئة، وهو ما قد يضع أي زائر للمكان يقع في موقف المتفرج رغما عنه على مواطن يقضي حاجته في مرحاض مكشوف. وهنا يصبح حق قضاء الحاجة، عصي المنال، خاصة بالنسبة إلى النساء، كما أسرت إحداهن. وتشير الوثائق نفسها إلى أن عدد الأفراد الذين يقطنون في هذه البيوت المتداعية والآيلة للسقوط، يصل إلى 1310.
فيما تصل قرارات الإفراغ إلى 140، من بين 154 أجريت عليها الخبرة. وهي أرقام لم تتمكن “الصباح” من تأكيدها رسميا على لسان مسؤولي بلدية صفرو، الذين أغلقوا هم الآخرون مكاتبهم إسوة برئيسهم الوزير معزوز.

إنجاز: ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى