ملف الصباح

البيضاء مختبر تجارب منذ الحماية

المهندس الأندلسي قال إن عمارات “بورنازيل” و”العنق” كرست المعمار التصنيعي

لم تكن فكرة “السكن الاقتصادي” وليدة اليوم، أو رهينة بالمشاريع التي أطلقتها الدولة، قبل سنوات، لحل معضلة السكن، وإيواء مئات الآلاف من الأسر أو توفير مساكن لها بأثمنة في المتناول وبمساحات أصغر تفي بغرض الإسكان فقط، بل تبلورت مشاريع منذ فترة الحماية الفرنسية، حين وجد المستعمر الفرنسي بالمغرب نفسه في مواجهة أزمات تفجرت بين يديه، جراء التطورات السريعة التي عرفتها مجموعة من المجالات الحضرية خاصة مدينة الدار البيضاء، منذ نهاية ثلاثينات ومطلع أربعينات القرن الماضي.
كان المناخ الدولي حينها مشبعا بالتوتر، إذ كانت رحى الحرب العالمية الثانية قد دارت لتوها، مع ما صاحب ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية، زادتها قساوة الظروف المناخية حدة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المغرب الذي وجد نفسه في مواجهة مجاعات وأوبئة انتشرت به، وتحملت المراكز الحضرية ثقل الهجرات القروية نحوها، الشيء الذي أفرز مشاكل بالجملة في مقدمتها مشكل السكن.
وتبين حينها أن أحياء السكن التقليدي وأحياء الصفيح التي توسعت بشكل سريع، نجمت عنها مشاكل أخرى، أججها توافد الجاليات الأوربية على المغرب هربا من ظروف الحرب، ما جعل تفكير إدارة الحماية يتجه بشكل جدي نحو قضايا التعمير، باعتماد مشاريع شكلت حينها تجارب رائدة في مجال السكن الاقتصادي، ظهرت في البداية لحل مشاكل الأوربيين بالمغرب بشكل تمييزي، ليجد المعمرون أنفسهم ملزمين بإيجاد حلول أيضا لأحياء المغاربة التي بدأت تحاصر نظراءهم الأوربيين، لتظهر بعض أحياء السكن الاقتصادي في مناطق مثل عين الشق والحي المحمدي مثل قرية سوسيكا ولابيطا والكدية والسعادة وغيرها.
في تلك الفترة، أي أواسط الأربعينات، حل المهندس المعماري ميشيل إيكوشار، الذي عينته الإقامة العامة الفرنسية رئيسا لمصلحة التعمير والهندسة المعمارية بالمغرب، قصد إعادة النظر في مشاكل التعمير التي تراكمت في المغرب طيلة عقود من الحماية منذ عهد المهندس هنري بروست صاحب تصاميم التهيئة العمرانية الأولى بالبيضاء.
توقف إيكوشار على طبيعة مشاكل التعمير والتي حددها أساسا في اكتظاظ هوامش المدن ونشوء الكاريانات بفعل سرعة النمو الديمغرافي وتصاعد الهجرة القروية، فكان ضروريا التفكير في تحسين ظروف عيش المغاربة، الذين يشكلون القاعدة الأساسية لسكان المدن بالمغرب، ومنها الدار البيضاء، وهو ما يطرح مسألة إنتاج أكبر عدد من المساكن لإيوائهم أخذا بعين الاعتبار ضعف مستويات عيشهم، وطبيعة خصوصيات مساكنهم.
كما أن استفحال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واتخاذها طابعا سياسيا في ظل تنامي رفض الوجود الاستعماري، دفع سلطات الحماية للتفكير في حلول عاجلة، كما أن إيكوشار الذي أشرف على المخططات المعمارية التي جاءت في تلك الفترة، يبدو أنه كان متشبعا بخلاصات “ميثاق أثينا” الصادر عن المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة الذي انعقد بالعاصمة اليونانية، خلال مطلع الثلاثينات، وشكل لبنة أولى للتفكير الدولي في مسألة أزمة السكن، وكان بمثابة عصارة أفكار الحداثة التخطيطية  التي تعتبر العمارة فنا يرتبط بالحاجات النفسية والاجتماعية للناس، وأن جوهر تخطيط المدن وظيفي وليس جماليا، عبر أبعاد ومبادئ أربعة أساسية هي: السكن والعمل والراحة والسير.
في هذا السياق يرى المهندس المعماري رشيد الأندلسي، في حديث مع “الصباح”، أن مسألة السكن الاقتصادي بالدار البيضاء شغلت بال المعمرين الفرنسيين على اعتبار أن هذه المدينة شكلت حقلا خصبا للتجارب الهندسية الطليعية، وكان من وجه هذه التجارب إيجاد حلول سكنية لاحتواء زحف الكثافة السكانية، عبر انخراط الإدارة والخواص في ذلك.
يقول رئيس جمعية “كازا ميموار” إن نماذج السكن الاقتصادي التي سادت في البيضاء لم تكن موحدة، بل تراوحت ما بين النماذج التي ارتأت إدخال الشكل المعماري المغربي في البنايات المقررة، وهذه الرؤية موروثة عن ليوطي، وهو ما ظهر في بعض الأحياء مثل عين الشق وسوسيكا بالحي المحمدي، فأعطت حلولا ثورية معمارية في هذا المجال، خاصة أن الشركات الصناعية بدورها ساهمت في إيجاد مساكن لعمالها تجعلهم قريبين من أماكن عملهم.
كما أن نماذج سكنية أخرى، يردف الأندلسي، مثل عمارات “بورنازيل” و”العنق” و”ريفيرا”، أعطت صورة أخرى تروم تسويق الهندسة المعمارية، وفيها دخل السكن مرحلة التصنيع وإنتاج قوالب معمارية متشابهة، تقتصد المجال والوعاء العقاري وتؤوي أكبر عدد من السكان، لكن في الوقت نفسه تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الإنسانية والفنية التي تحتاج إلى فضاءات موازية محيطة بالعمارات تستجيب للحاجيات الروحية والنفسية للعنصر البشري، وليس فقط الحاجات المادية، وهو ما يعاب على مشاريع السكن الاقتصادي في الفترة الحالية.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق