ملف الصباح

مصاص دماء ينتج “غيتوهات”

الدولة أغدقت على المنعشين بالامتيازات الجبائية والإنتاج غير المدروس وضعها في مواجهة “غيتوهات” الفقر

لم تتوقف آلة إنتاج السكن الاجتماعي عن العمل منذ سنوات، فالمنتوج العقاري الذي بلغ مرحلة الإشباع في السوق، ما زال يجذب الباحثين عن الربح السريع، من المنعشين العقاريين وغيرهم من “أصحاب الشكارة”، فالطلب في تزايد سريع، فرض على المستثمرين تكثيف عرضهم وتنويعه، رغم الإكراهات المرتبطة بصعوبة توفير الوعاء العقاري الملائم في المدن، والحصول على التمويلات البنكية الكافية، بعد تسجيل الفاعلين العقاريين أسوأ زبون من قبل البنوك، بعد أن ضرب الركود منتوجات عقارية أخرى خلال الفترة الأخيرة. الفاعلون اختاروا أمام هذا الوضع اللجوء إلى أطراف المدن الكبرى وضواحيها، وكرسوا صورة زحف الإسمنت على الأخضر واليابس، بوتيرة لم تستطع السلطات، التي أطلقت منذ بداية الثمانينات هذا المنتوج، مواكبتها، خصوصا حين يتعلق الأمر بالبنيات التحتية والنقل والصحة والأمن.
أحياء الرحمة والهراويين وسيدي مومن، وغيرها من الـ”غيتوهات”، التي خلفها تسارع وتيرة الإنتاج غير المدروس للسكن الاجتماعي، شكلت أحزمة فقر أبطات سرعة تنمية وتهيئة مدينة كبرى مثل الدار البيضاء، والأمر يكاد يتشابه في مدن كبرى أخرى، مثل الرباط وطنجة ومراكش، لتجد الدولة، التي أغدقت قبل سنوات على المنعشين العقاريين بالامتيازات والإعفاءات الجبائية، نفسها في مواجهة ورطة كبيرة، عجزت حاليا عن معالجة تداعياتها المتفرعة في كل اتجاه وصوب، فالوحدات السكنية الجديدة التي تم إنجازها من قبل كبريات الشركات العقارية على أطراف المدن، تفتقد للمرافق الحيوية مثل المدارس والمستشفيات ومراكز الشرطة، وكذا المصالح الإدارية المختلفة، وحتى في حال توفير البنيات الإسمنتية، فإن غياب الأطر الكافية يزيد من سوداوية المشهد.
وأمام هذا الواقع، تنضح عناوين الصحف ووسائل الإعلام يوميا، بأخبار تفيد تدني مستوى الخدمات في “غيتوهات” السكن الاجتماعي التي تحاصر المدن، وارتفاع مستويات الجريمة، ذلك أن تجهيزات هذه الوحدات التي تحولت إلى مدن صغيرة، وعدم احترام شروط دفاتر التحملات خلال بنائها، خصوصا ما يتعلق بالمساحة التي يتم التلاعب فيها، والفضاءات الخضراء والإنارة، وكذا نظم السلامة، عقدت عملية السيطرة عليها أمنيا، علما أن مجموعة من هذه المناطق لا تتوفر على مراكز شرطة قارة، ويقتصر تأمينها على تسيير دوريات متقطعة، في ظل وجود فرق شاسع على مستوى الموارد البشرية، المرصودة لتغطية الخدمات العمومية بالنسبة إلى كل نسمة.
ولم تخف تصريحات نبيل بنعبد الله، وزير الإسكان والتعمير وسياسة المدينة، التي خص بها “الصباح” قبل أشهر، ندما وتراجعا حكوميا عن الكم الهائل من الامتيازات الجبائية الممنوحة إلى المنعشين العقاريين عن منتوجات السكن الاجتماعي، بعد الوقوف على اختلالات في  البناء وخروقات في تنفيذ دفاتر التحملات، وكذا تلكؤ عدد من المنعشين العقاريين في البرامج السكنية التي تعلنها الدولة في هذا الشأن، مقابل تكثيف استثماراتهم الخاصة في المنتوج العقاري المذكور، إذ كشف الوزير توجها نحو إعادة النظر في الإعفاء الضريبي الشامل للفاعلين العقاريين عند الاستثمار في منتوج السكن الاجتماعي في أفق 2020، تاريخ انتهاء صلاحية العقد المبرم بين الطرفين في هذا الشأن.
وبهذا الخصوص، تظهر المعطيات الأخيرة فشل البرنامج الحكومي للسكن الاجتماعي، ذلك أن وتيرة إنجاز المشاريع المتعاقد عليها بين الدولة والمنعشين العقاريين الخواص لم تتعد 28 % برسم السنة الماضية، إذ وصل عدد العقود إلى 775 عقدا لبناء مليون و293 ألفا و600 وحدة سكنية، في حين لم ينجز سوى 372 ألفا و566 وحدة سكنية، علما أن حجم حاجيات السكن المحددة من قبل الوزارة خلال الفترة بين 2012 و2016، بلغت 500 ألف وحدة سكن اجتماعي بسعر 250 ألف درهم للوحدة. وتفيد الإحصائيات المتوفرة، الانتهاء منذ 2010 من أوراش بناء 10 % من الوحدات السكنية المنجزة، أي ما يمثل 126 ألفا و341 وحدة، حصلت على شهادة المطابقة والسكن، وسلمت إلى ملاكها، إذ دخل البرنامج في مرحلة ركود منذ 2012، بسبب مواجهة المنعشين العقاريين مشاكل في التمويل والتسويق، قبل أن يعود الإنتاج وحجم الأوراش للارتفاع بزائد 30 % خلال الأشهر الأولى من السنة الماضية.

الربح المضاعف  

انتقد مجلس المنافسة في آخر تقاريره، استمرار توجيه الإعانات المالية والضريبية إلى القطاع العقاري، الذي استفاد من 50 إجراء ضريبيا خلال 30 سنة الماضية، مؤكدا تأرجح هامش أرباح الشركات العقارية الكبرى، بين 25 % و30 عند إنتاج السكن الاقتصادي والاجتماعي، وهو الهامش الذي يضاعف أرباح المنعش العقاري التركي مثلا ثلاث مرات.
وتمثل تكلفة العقار 25 % من إجمالي كلفة السكن الاجتماعي، فيما تصل كلفة البناء إلى ألفين و200 درهم للمتر مربع، أي حوالي 137 ألفا و500 درهم للسكن الواحد، علما أن حساب التكلفة يأخذ بعين الاعتبار المساحة الخام وليست المساحة الصافية للسكن، أي يتم احتساب كل المرافق الجماعية للسكن، زائد المساحة التي تحتلها الأسوار.
وبإضافة العنصرين المذكورين إلى تكلفة المصاريف المختلفة، التي تتأرجح نسبتها بين 7 % و8، تستقر الكلفة الكلية لإنتاج وحدة سكنية من فئة السكن الاجتماعي، سعرها 250 ألف درهم، عند 205 آلاف درهم، بهامش ربح يصل إلى 6 آلاف و500 درهم، أي هامش نسبته 26 %، دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، التي ترجعها الدولة إلى المنعش العقاري، ليرفع أرباحه في المسكن الواحد إلى 31 %.

بدر الدين عتيقي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق