fbpx
الصباح السياسي

إصلاح الدستور … إصلاح الأحزاب

الخطاب الملكي يربط بين التدبير السياسي والمحاسبة ويضع على عاتق الأحزاب السياسية رهان إنجاح ورش الإصلاح

لم تخرج مواقف كثير من الأحزاب السياسية، في ردود فعلها على الإصلاحات التي أعلنها خطاب 9 مارس، عن الترحيب والتجاوب. غير أن كثيرا من هذه التنظيمات السياسية، اكتفت بالتصفيق دون مبادرة تروم التعبئة لإنجاح الورش الإصلاحي. في عدد من الحالات دعا الملك الأحزاب السياسية إلى الاضطلاع بدورها كاملا في التأطير والتكوين، وفي أحيان أخرى، وفي ما يشبه تدخلا في الشأن الداخلي لهذه التنظيمات، طالبها بالمزيد من الديمقراطية الداخلية وتأهيل نفسها للتفاعل مع محيطها الانتخابي.

تأهيل التنظيمات الحزبية… رهان الإصلاح
الخطاب الملكي الأخير، أعاد التأكيد على دور الأحزاب السياسية، ضمن المحاور الأساسية للإصلاح، وذلك بالدعوة إلى “تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية، في نطاق تعددية حقيقية، وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية، والمجتمع المدني”، وهو ما يلقي على عاتق هذه الهيآت مسؤوليات جسيمة تتعلق أولا بالتأطير والتعبئة من أجل المساهمة في ورش إصلاح الدستور، سواء تعلق الأمر بالتعبئة للاستفتاء الشعبي أو بتقديم تصورات تروم المساهمة صياغة نهائية لمنظور الإصلاحات السياسية والدستورية المقررة.
بالمقابل، يشدد الخطاب الملكي على دور الأحزاب السياسية، من منطلق أنها المعني الأول والأخير بنموذج الإصلاح الذي يبلوره المغرب، فتكريس المنهجية الديمقراطية وتعيين الوزير الأول وتشكيل الحكومة وتدبير الشأن العام والمحاسبة والمراقبة، وإنهاء ظاهرة التقنوقراط، كلها مراحل يتطلب قطعها التوفر على هيآت سياسية قادرة على رفع التحدي، وضمان تداول النخب داخلها والتخلي على ذاتيتها، في سبيل المصلحة العامة للوطن.
وبشكل أدق فإن الدعوة إلى فصل السلط وتوسيع صلاحيات واختصاصات الوزير في تدبير الشأن العام، يتطلب أن تكون هذه الأحزاب نفسها قادرة على تحمل المسؤولية، بأن تخرج من حساباتها الإيديولوجية الضيقة وصراعاتها التنظيمية الداخلية، والتوجه إلى الرأي من أجل التأطير والاستقطاب بدل الارتكان إلى نزعتها الانتخابية الموسمية التي تبرر بها وجودها.

المنهجية الديمقراطية… “وضع متقدم” للأحزاب
لقد أقر الخطاب الملكي توجها يروم تكريس تعيين “الحزب الأول”، على رأس أغلبية منسجمة، وذلك بترسيم “تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي، الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، وتقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي”، كما ألقى بجزء من المسؤولية على الأحزاب السياسية، التي منحت موضعا متقدما، في ضمان انتخابات نزيهة تمثل الواقع الانتخابي، ذلك أن الهيآت السياسية مطلوب منها أن ترشح من ترى فيهم الكفاءة والقدرة على تحمل التنافس الشريف، حتى تعكس نتائج الاقتراع “برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة، مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، كفيلة بنهوضه بمهامه التمثيلية والتشريعية والرقابية”، وذلك لما يترتب عن هذه النتائج من “حكومة منتخبة بانبثاقها من الإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب”.
لقد كشفت مطالب “حركة عشرين فبراير”، عن ارتباك واضح في صفوف الأحزاب السياسية، وبالتالي انقسمت بين رافض وداعم ومشكك في أهداف ومطالب هذه الحركة، بل إن بعض الأحزاب رفضت المشاركة في النقاش الذي دشنته هذه الحركة حول الإصلاحات السياسية، رغم أن حزب كبير من هذه المطالب يتقاطع مع ما ظلت ترفعه هذه المنظمات الحزبية منذ سنوات، وبذلك فإن الحركة كشفت أيضا أن الشباب غير بعيد السياسة بقدر ما هو بعيد عن الشأن السياسي في مضمونه الحزبي، وليس المطلبي، في حين أن البنى التقليدية لهذه الأحزاب قد لا تسعفها اليوم في التفاعل مع الخطاب الإصلاحي الذي ترفعه أعلى سلطة في البلاد.
من جهة أخرى، يطرح الخطاب الملكي ربط مسؤولية التدبير السياسي بالمحاسبة والرقابة، وهي إضافة نوعية من شأنها أن تعيد الثقة والاعتبار إلى الحياة السياسية،  وهو ما أشار الخطاب بالتأكيد على “تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة”، ذلك أن المحاسبة تمر عبر صناديق الاقتراع والمراقبة تختص بها مؤسسات الدولة المكلفة بتتبع طرق تسيير أموال الشعب المغربي.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى