ربورتاج

الانقراض يتهدد قرد الأطلس المتوسط

يعيش في أشجار الأرز وطلبة باحثون أسسوا جمعية لحمايته وتنظيم أنشطة للتحسيس به

لم يعد القرد “زعطوط” المشاكس، آمنا في حياته بغابات الأطلس المتوسط، سيما تلك المحيطة بأزرو وإفران، بالنظر إلى خطر الانقراض الذي يتهدده، منذ سنوات، لتناسل عوامل متشعبة ترهن حياته، ما جعل طلبة باحثين بفاس يفكرون في إنقاذ حياته ويؤسسون جمعية تعنى به وبمناطق عيشه، في تجربة أولى من نوعها. ويهدد حياته اختلال التوازن البيئي وقلة حشرات يتغذى عليها والخطر المحدق بشجر الأرز وحميمية علاقته بها، واستهدافه بالصيد لاستغلاله في الفرجة بمواقع “الحلقة”، رغم العناية التي توليها المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر، للقردة سيما بعد المصادقة على الاتفاقية الدولية حول التنوع البيولوجي وإنشاء شبكة وطنية في المجالات المحمية لحمايتها وإصلاح موطن عيشها. 

تروى عن “زعطوط” نوع من القردة بدون ذيل، عدة قصص مثيرة لا تخلو من مشاهد ساخرة، أشهرها المثل الشعبي “فلوس اللبن يديهم زعطوط”، وانشغال ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا بمجموعة صغيرة منه بصخرة جبل طارق ومحاولة تعزيزها بقردة جديدة تستورد من المغرب، إبان الحرب العالمية الثانية، عملا بأسطورة تربط بين جلاء الإنجليز من هذه المستعمرة، بانقراض القردة منها.  

 

“فلوس اللبن يديهم زعطوط”

 

لم يرو المثل المغربي “فلوس اللبان يديهم زعطوط”، عبثا، بل لتبيان دهاء وذكاء هذا القرد المشاكس وعدم رضاه عن غش بائع اللبن في بضاعته ومزجها بالماء بالقدر نفسه ليبيعه ويجني أرباحا مضاعفة دون وجه حق، ما عاينه قرب واد بعدما باع “اللبان” كل الجرار وجنى أضعاف الربح المحتمل. لكن “زعطوط” سرق منه النقود التي جمعها، وأجهض جشعه وحلمه في الاغتناء اللامشروع. 

تناول “زعطوط” كيس النقود وجلس بجانب النهر منتشيا باستحواذه عليها. كان يضع قطعة نقدية بجانبه ويرمي بالأخرى في الماء، في حركة متوازنة، في غفلة من اللبان الذي لم ينتبه لذلك إلا بعد فوات الأوان، وهو يرى جهده في جمع المال يذهب سدى، دون أن يجد طريقة أنسب للتعبير عن حسرته، إلا قوله “فلوس اللبن يديهم زعطوط” الذي لا يحتاج إلى تفسير. 

وإن كان “زعطوط” وزع مال اللبان بطريقته، فإن لهذا القرد رواية أخرى تداولها الإنجليز في ارتباط بمستعمرتهم في جبل طارق التي يعتقدون أن استمرار بسط هيمنتهم عليها مرتبط بحياته بها، ما دفع تشرشل إلى التفكير في استيراده من المغرب لتأمين حياته مع تخصيص ميزانية سنوية للتكفل به، كي “لا تسقط جوهرة أخرى من جواهر التاج البريطاني” إبان الحرب العالمية الثانية.

في الطريق إلى شجرة “كورو”

 

على طول الطريق من إفران إلى مختلف الغابات المجاورة، يمكن معاينة قردة من هذا النوع، متناثرة بجنبات الطريق أملا في ما قد يجود عليها عابروها من قطع “بيمو” أو موز وفواكه جافة وغيرها مما تشتهيه خاصة في الأيام الباردة، بل تصادف الزائر لافتات صغيرة في الطريق إلى موقع شجرة “كورو” السياحي، تؤشر على خدمات بيع الكاوكاو هدية من زائر يتوخى ود قرد في خطر.

بين الطريق المؤدية إلى أزرو وشجرة “كورو” المنسوبة إلى مكتشفها الفرنسي، ذات القرن ونيف من عمرها، تصادفك لوحات إشهارية لسلع يشتهيها “زعطوط”، الاسم الأمازيغي المعروف باسمه العلمي “مكاك” الموجود في جبال الأطلس بالمغرب والجزائر، المعروف بلونه البني المائل إلى الأصفر، ووجهه الوردي الغامض، ولون الجوانب السفلى من وبره، المائل إلى الرمادي الفاتح.  

على جنبات الطريق، يمكن معاينة أعداد مختلفة من هذا القرد المفتقد إلى الذيل، ذي الأطراف العلوية الأطول من نظيرتها السفلية، وهو يتسلق أشجار الأرز أو يترجل قريبا من عابري المقطع الطرقي بين غابات كثيفة لم تعد توفر الأمن اللازم له أمام استهدافه بالصيد، ما يجعل اقتراب البشر منه ومؤانسته، مستحيلا لخوفه الشديد، سيما بمواقع قبل الوصول إلى موقع شجرة “كورو” السياحي. 

بين الأشجار تراه يقفز باستعمال أطرافه الأربعة، أو منتصبا على أطرافه السفلى، خاصة لما يحس بخطر محدق به، فيما يمكن للزائر التعرف على جنسه من حجمه، سيما أن الإناث منه أصغر حجما من الذكور، لكنه يعد “قردا اجتماعيا” عادة ما يتآلف في مجموعات مختلطة بعدد محدود لا يتجاوز 30 قردا لتوفير الحماية اللازمة على طول عدة كيلومترات مربعة تتعايش فيها سلميا.

 

“زعطوط” في مأمن

 

يفضل هذا القرد الذي يمكن أن يعيش عقدين أو أكثر، ويتغذى على أوراق شجرة الأرز والجذور والفاكهة والحشرات، الابتعاد عن الأماكن الآهلة، خوفا على نفسه من تصرف طائش لزائر قد لا يعير اهتماما لإشارة “لا تطعموا القردة” المثبتة بغابة “كورو”، لحماية “زعطوط”، في تناقض صارخ مع وجود بائعين للكاوكاو يقبل عليها الزوار لجلب القردة للمتعة والتقاط صور للذكرى. 

في الموقع ذاته الرائع المغري بالتفقد والزيارة، لا أثر لـ”زعطوط” القرد الذي سجل قبل 4 عقود ضمن الملحق الثاني لمعاهدة حماية الأنواع المهددة بالانقراض، ويتزاوج خلال الفترة الممتدة من نونبر إلى مارس، فيما يمتد حمل إناثه من 147 يوما إلى 192، إذ يبقى إنجاب الأنثى توأما إلا في حالات قليلة ونادرة، والعادة لكل أنثى طفل يصل إل سن النضج في ما بين 3 سنوات و4 من ميلاده.    

معاينته تطلبت التنقل إلى موقع قريب من شجرة “كورو” الأشبه باليد المعاقة، والقيام بحركات وإشارات، قبل أن يلوح بعضهم في أعلى شجرة أرز متماهية في علوها، لينطلق مسلسل الود بنزولها أرضا ودنوها من هؤلاء الغرباء على موقع تآلفت قردته مع زواره مغاربة كانوا أو أجانب، أملا في صور فوتوغرافية مؤرخة للحظة، آثروا إطعامها بـ”البيسكوي” والموز والكاوكاو.  

كانت فرحتهم كبيرة، وهم يلاعبون بعض القردة، لكن تصرفا غير محسوب العواقب كاد يعكر عليهم صفو بهجتهم، بعدما هاجم أحدهم قرد وانقض عليه، معيدا بحيثيات مختلفة، حادثا تداولته الألسن حول مهاجمة قرد هائج سائحة فرنسية مسنة، ما تطلب نقلها على عجل إلى مستشفى أزرو، لكن ذلك لم يمنع من مواصلة مسلسل إمتاع العين والتجاوب مع قردة آخرين، في تماه وانسجام تطلبا تنازلات.

جمعية لحماية القردة

من معاينة بسيطة للموقع وغيره من غابات الأطلس المتوسط، يمكن الوقوف على تراجع أعداد هذا النوع من القردة المدرجة ضمن الأنواع المعنية بالمعاهدة الدولية لحماية الأنواع المهددة بالانقراض، للخطر الحقيقي المحدق بها، بعدما أدرج في 1980 في اللائحة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة، بعد انخفاض أعدادها للعزل المتزايد الذي تتعرض له للزحف العمراني على مساكنها والأرز.

هذا الوضع المرفوض حرك طلبة ومهتمين بمجال البحث العلمي بفاس، غالبيتهم لهم دراية بالبيوتكنولوجيا البيئية والإيكولوجيا والبيولوجيا، لتأسيس “الجمعية المغربية لحماية تراث قردة الأطلس ومناطق عيشها”، في جمع عام تأسيسي احتضنته دار الشباب القدس، وأفرز مكتبا مسيرا من 7 أعضاء، ويرأسه محمد الدرقاوي طالب باحث في مجال الأرز الأطلسي، وعلاقته بقردة الأطلس. 

الجمع انتخب الطالب رائد الكوراري نائبا للرئيس، وحسن الهراض طالب دكتوراه باحث في البيوتكنولوجيا البيئية، كاتبا عاما تنوب عنه سعاد الترابي طالبة في الأدب الإنجليزي، وإسماعيل بطل طالب علوم البيولوجيا أمينا للمال ينوب عنه توفيق المريزق الطالب المجاز في الاقتصاد، فيما انتخبت هاجر بلحسن الطالبة الباحثة في الإيكولوجيا، مستشارة في هذه الجمعية الأولى من نوعها. 

وستشتغل هذه الجمعية على مجموعة من المشاريع الهادفة إلى الحفاظ على هذه الثروة الطبيعية الوطنية ومناطق عيشها، وغيرها من الأعمال الجمعوية التحسيسية التي ستشمل مختلف الفئات العمرية بمختلف القطاعات. ويطمح مؤسسوها إلى توسيع أهدافها لتشمل جميع المدن اعتبارا لوجود مثل هذه الأنواع من القردة، ببعضها واستنساخ الأخطار نفسها المهددة لها. 

مخاطر تهدد “زعطوط” 

يقول محمد الدرقاوي، رئيس الجمعية والطالب الباحث في الأرز الأطلسي وعلاقته بقردة الأطلس، إن قردة الأطلس نوع مميز من القردة مهدد بالانقراض على المستويين الوطني والعالمي، لتناسل عدة عوامل متشعبة ومتنوعة ومختلفة أهمها تغير نظامه الغذائي، إذ يقوم الزوار بتقديم مأكولات قصد المرح واستدراجه لالتقاط صور تذكارية أو لاصطياده والاتجار فيه عالميا.

وأصبح هذا النوع من القردة متعودا على هذه المأكولات، وعاجزا عن البحث عن طعامه الطبيعي، و”لا تستطيع العيش منفردة، بل بمجموعات وبيئة أساسها أشجار الأرز الأطلسي، التي تعد مناطق عيشها” حسب الدرقاوي، مؤكدا أن خطر الانقراض الذي يهدد الأزر بشموخه وجماليته والقيمة المادية لخشبه، الموجود بكثافة في الأطلس المتوسط، يهدد بانقراض البيئة الطبيعية لعيش قردة الأطلس. 

وقال إن من أسباب تراجع أعداد القردة، نمو تجارة تقوم على بيعها حيوانات أليفة، إذ “رغم أن هذه التجارة غير قانونية، فإنها ما زالت تجارة سرية، ويتم تصدير القردة المصطادة إلى أوربا، أو تستغل في تنشيط الحلقة”، مشيرا إلى تأثرها بالسطو على أشجار الأزر سرا من قبل عصابات تبيعها في السوق السوداء لقيمتها، ما جعلها مصنفة ضمن الأنواع الضعيفة والمهددة بالانقراض. 

ونسبت دراسة أنجزتها جمعية المحافظة على “زعطوط” ومركز التوثيق والتنشيط والإنتاج التربوي، إلى العامل البشري نسبة مهمة في تعرض 300 من صغار هذه القردة للصيد لبيعها أو تهريبها بطرق غير مشروعة، متحدثا عن تراجع خطير في أعدادها أمام استحالة إعادتها إلى المجال الطبيعي بعد تعرضها للصيد لرفض ونبذ المجموعات لها وتعرضها للموت المحقق لجهلها لطرق البحث عن طعامها. 

إعداد: حميد الأبيض (فاس) – تصوير: أحمد العلوي المراني

 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق