يوسف الساكت هناك حالة من التركيز الإعلامي و"التواصلي" الشديد لإقناع بعض المغاربة، بأن السردين و"كبايلا" و"لانشوبا" وجميع أنواع الأسماك الزرقاء "السطحية"، هي كل ما يستحقون، وأعز ما تطلبه موائدهم الفقيرة. ولم تبدأ عملية "غسل الدماغ" مع الشاب المراكشي، الذي كسر الأسعار وأطاح بها إلى مستويات دنيا، وتحولت "خرجاته" إلى "تراند" في مواقع التواصل الاجتماعي، كما لم تبدأ مع الحملة، التي تسبق رمضان، وتحمل اسم "الحوت بثمن معقول"، بل انطلقت، منذ سنوات، بمخطط دعائي جهنمي، اختزل لائحة الأسماك التي "يجب" أن تكون فوق مواد فئات من المواطنين، في أنواع محددة لا يتجاوز عددها الخمسة في أحسن الأحوال، منها السردين طبعا. ويعتبر التلاعب المنتظم بأسعار السردين، بين الارتفاع والانخفاض، وحجم الكميات المصطادة، والأخرى المسموح لها بالدخول إلى الموانئ والأسواق، وكثرة الوسطاء والوكلاء والسماسرة، واحدة من أهم التقنيات لجعل هذا النوع الرخيص من السمك صعب المنال، وتجعل فئة من المواطنين تقتنع بأن شراء كيلوغرامين منه في الأسبوع، هو الرفاه و"الحياة السعيدة" في حد ذاتها. ومن بين التقنيات أيضا، التوظيف الذكي لـ "علم" الفوائد الغذائية الذي يضع السردين، دون غيره، على عرش الأسماك من حيث غناه بالأحماض الذهنية والـ "أوميغا"، المساعدة في دعم صحة القلب والأوعية الدموية، وتقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية، وحتى في بناء العضلات والحفاظ على صحة الأنسجة، وتوفره على فيتامين "دي" و"الكالسيوم" و"الفوسفور" و"السيلينيوم"، المعززة للنظام المناعي ويخفض مستويات "الكوليسترول"، ومفيد، أيضا، لصحة الأعصاب، وغير ذلك من "الفوائد" التي تجعل من أكل "شواية" من السردين تجنب الذهاب عند الطبيب لعشر سنوات كاملة. والحال، أن الأمر غير صحيح بهذه الدقة العلمية الكاملة، بدليل أن بعض سكان المدن القريبة من السواحل، يأكلون السردين كل يوم، تقريبا، وبجميع الأشكال والأنواع والوجبات والأطباق، لكن لم نسمع أن العيادات الطبية والمستشفيات أغلقت أبوابها في تلك المناطق. شخصيا، لم أعد أقترب من السردين، منذ سنوات، بعد أن نصحني طبيب الجهاز التنفسي والحساسية بالابتعاد عن هذا الكائن الأزرق الصغير، وهو يرى كيف انفتحت واحمرت بشدة بقعة فوق ذراعي، الذي وضع عليه للتو مصلا يحتوي على زيت مركز من السمك نفسه. فلم يقل لنا أحد، من علماء الفوائد، إن السردين، هو واحد من أكبر الوجبات الغذائية التي تسبب في التهاب قصبات الهواء بالرئة، وتحدث انتفاخا في الأنسجة، وقد يؤدي كثرة تناوله إلى أزمة ربو حادة، واختناق مزمن وموت لا قدر الله. لا يريدون قول ذلك، ولا يرغبون، ويقدمون السردين في وصلات الإشهار مثل "سوبرمان"، وسلطان الأسماك المتوج، بينما تخرس أبواق الدعاية نفسها، حين يتعلق الأمر بأنواع أخرى من الأسماك التي "تطير" من أعالي بحورنا إلى الضفاف الأخرى. "حسي مسي" و"برق ما تقشع".