تحقيق

خـيـوط مـافـيـا سـرقـة وتـهـريـب الـسـيارات بـالمـغـرب

عصابات منظمة لها فروع في المغرب وأوربا وإفريقيا تعتمد أنظمة تقنية في سرقة السيارات وتزويرها وتهريبها

تصنف جرائم سرقة السيارات في خانة جرائم الأموال، بحكم مسها بحق الملكية المتمثل في الممتلكات المنقولة للأغيار، إضافة إلى أن الإحصائيات الأمنية تشير إلى تحولها إلى ظاهرة إجرامية بحاجة إلى أكثر من مقاربة لمعالجتها.

في السنوات الأخيرة، فككت المصالح الأمنية العشرات من الشبكات الإجرامية التي تورطت في سرقة السيارات وتبين أن بعضها لها امتداد دولي. في هذا التحقيق سنحاول تسليط الضوء على شبكات الإجرام
المنظم العابر للحدود والمختص في سرقة السيارات وتهريبها من أوربا إلى المغرب وبعض الدول الإفريقية، كما سنعرض لنشاط عصابات تحصر نشاطها في التوزيع الداخلي للسيارات المسروقة.

في شهر يونيو 2008 نشرت وسائل الإعلام البلجيكية إحصائيات عن عدد السيارات المسروقة في بلجيكا والمرجح أنها هربت إلى المغرب وبعض الدول الإفريقية، وقدر عددها من طرف الشرطة البلجيكية ب300 سيارة. ورغم أن هذا الرقم فاجأ بعض الإعلاميين المغاربة، ما يفسر ترجمة تلك المعطيات ونشرها في الصحف المغربية، فإن الإحصائيات المتعلقة بالسيارات المسروقة في المغرب تتجاوز هذا الرقم بكثير، بحكم أن مجموعة من الشبكات التي تنشط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط حولت التراب الوطني إلى معبر للسيارات المسروقة في أوربا، ما دفع المصالح الأمنية المغربية في السنوات الأخيرة إلى التنبيه إلى خطورة الظاهرة.
وحسب خبير أمني مغربي، فإن شيوع هذه الظاهرة يعزى إلى عدة أسباب، أهمها اتساع سوق مبيعات السيارات عبر العالم والإقبال الكبير عليها كوسيلة نقل، فضلا عن اقتران هذا النوع من الإجرام بظواهر أخرى مشوبة بعدم الشرعية مثل تزييف الوثائق وتزوير الصفائح المعدنية، بالإضافة إلى استخدام السيارات المتحصلة من السرقة في بعض المخططات الإرهابية وفي ترويج المخدرات أو نقل المهاجرين السريين.
وووفق الخبير الأمني نفسه، فإن المغرب بحكم موقعه الجغرافي الممتد بين إفريقيا وأوربا بالإضافة إلى انفتاح أسواقه على الدول الأجنبية نتيجة تشبثه بخيارات التنافسية الاقتصادية، كان من أكثر البلدان عرضة لهذا النوع من الإجرام الذي أصبح ينشط عبر حدوده الوطنية، سواء باعتباره وجهة نهائية للسيارات المسروقة أو معبرا لتهريبها نحو بعض الدول الإفريقية.

بعد دولي وعصابات منظمة
تفيد دراسة أمنية مغربية أن تداخل مسببات هذا النوع من الجرائم وتباين ظروف ارتكابها واختلاف نوعية المتهمين فيها، أكسبها بعدا دوليا متناميا جراء اقترافها من قبل جماعات الإجرام المنظم العابر للحدود الوطنية التي لم تعد تحصر نشاطها في التوزيع الداخلي للسيارات المسروقة بل مددت مجال اشتغالها ليشمل مجموعة من الدول، سواء دول العبور أو دول الوجهة النهائية التي يتم فيها ترويج المسروقات.
وحرصت المصالح الأمنية المغربية في إطار البحث عن مقاربة ذات جدوى للظاهرة على مواكبة تطورات هذه الجريمة وذلك بتأهيل العاملين في مجال تطبيق القانون، وتعزيز وسائل المراقبة التقنية والمعلوماتية في مراكز الحدود التي من المقرر ربطها، قريبا، مع شبكة الاتصالات العصرية 7/24 I التي وفرتها المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الأنتربول» والتي تحتوي على قاعدة بيانات تضم كل المعلومات المتعلقة بالسيارات المسروقة ووثائق الهوية المزيفة.
ومن بين أهم المقاربات التي كان لها دور في الحد جزئيا من عمليات تهريب السيارات المسروقة إلى المغرب تعزيز الترسانة القانونية بنصوص ساهمت إلى حد كبير في زجر هذا النوع من الإجرام، وذلك بعد اعتماد مدونة جديدة للجمارك تحدد الكيفية دقيقة نظام الاستيراد المؤقت للسيارات والتعشير الجمركي، بالإضافة إلى تشديد العقوبة في القانون الجنائي المغربي على السرقات المقترفة باستخدام السيارات أو العربات ذات محرك.
ويقول خبير أمني في قراءته لظاهرة سرقة السيارات “إنه باستقراء مختلف القضايا المسجلة من قبل مصالح الأمن المغربية في هذا المجال، وبعد جرد الإحصائيات الواردة على المصالح المركزية في قضايا سرقة السيارات، يتضح أن هناك مجموعة مختلفة من الجناة التي تنشط في هذا الإطار، من أهمها صغار المجرمين الذين يحصرون نشاطهم الإجرامي في سرقة السيارات وتفكيكها إلى أجزاء أو قطع صغيرة يعاد توزيعها بأثمان منخفضة نسبيا، إضافة إلى الشبكات الإجرامية التي تستهدف السيارات المتداولة وطنيا وتعمل على إعادة ترويجها في الأسواق الداخلية بعدما تقوم بتغيير علاماتها المميزة (تزوير الصفائح المعدنية، إتلاف أرقام الإطارات الحديدية واستبدالها بأرقام مزيفة، تغيير الطلاء (الصباغة)، تزييف وثائق ملكية السيارات مثل الورقة الرمادية)».
ويلفت الخبير الأمني الانتباه إلى أن هذه الشبكات تعمل في حالة تعذر بيع السيارات المسروقة، على استخدامها في أفعال إجرامية أخرى مثل الاختطاف والاعتداءات تحت التهديد بالسلاح الأبيض أو في نقل المواد والبضائع المحظورة مثل المخدرات والسلع المهربة.

جريمة عابرة للحدود
خلصت الأبحاث الأمنية المنجزة في عدة ملفات إلى أن الشبكات الإجرامية المنظمة العابرة للحدود الوطنية، تتوفر على فروع في مجموعة من الدول الأوربية باعتبارها مصدرا للتزود بالسيارات المسروقة، وفي بعض الدول الإفريقية القريبة جغرافيا بوصفها الوجهة النهائية لتلك المسروقات أو معبرا لتمريرها نحو دول أخرى.
وتحصر هذه الشبكات نشاطها في استهداف السيارات الفاخرة، إذ تعمل على تزييف وثائق ملكيتها عن طريق استبدال البيانات المضمنة بها بأخرى صحيحة من الناحية القانونية كتلك العائدة لسيارات أصبحت ممنوعة من التداول أو غير صالحة تماما للجولان نتيجة حادثة سير.
ولعل أهم ما توصلت إليه الدراسة الأمنية المشار إليها أن ترابط هذا النوع من الإجرام مع ظواهر إجرامية أخرى مثل التزييف والتزوير… انعكس بشكل واضح على بنية وهيكلة الشبكات التي تنشط في هذا المجال، والتي اقتنعت بضرورة التكتل في عصابات منظمة توزع المهام فيما بينها عبر سلسلة مترابطة.
وتستهدف شبكات السرقة والتهريب السيارات الموجودة بكثرة في السوق أو تلك التي تعرف إقبالا كبيرا نظرا إلى سهولة ترويجها بعد اقتراف عملية السرقة وكذلك لسهولة الحصول على وثائق ملكية مزيفة.
وأكثر السيارات عرضة للسرقة هي أولا تلك التي تستعمل كسيارات للأجرة من الصنف الصغير مثل “فياط أونو” و”باليو” وثانيا سيارات “ميرسيديس 240” التي تصلح سيارة أجرة من النوع الكبير الرابط بين الحواضر والمدن، بالإضافة إلى سيارات من نوع “بيجو “205 و”ورونو 307”.

أنظمة تقنية في السرقة
اعتمدت الشركات المصنعة خلال السنوات الأخيرة على بعض الأنظمة التقنية المتطورة، التي تعمل بالرادار أو الأقمار الاصطناعية، والتي تساهم في تحديد أماكن وجود السيارات أو تعطيل محركها عن بعد في حال سرقتها، الأمر الذي يساهم في الوقاية من هذا النوع من الإجرام.
ومن خلال قراءة في إحصائيات سرقة السيارات بالمغرب، الصادرة عن المديرية العامة للأمن الوطني يتضح أن هذه العمليات تتم عادة في الليل وفي أماكن غير محروسة أو نتيجة تعرض أصحابها أو مستخدميها للاعتداء تحت التهديد بالسلاح، وفي حالات أخرى جراء عملية النصب والاحتيال على وكالات كراء السيارات بعد الإدلاء بوثائق هوية مزيفة.
وبلغ عدد السيارات المسروقة خلال الفترة الممتدة بين 2000 و31 دجنبر 2004، 6130 سيارة من بينها 344 سيارة مسجلة بالخارج.
وخلصت الأبحاث الأمنية المنجزة في عدة ملفات إلى أن شيوع هذا النوع من الإجرام في المدن الكبرى، خاصة الدار البيضاء، والرباط، وفاس، ومراكش، وطنجة ووجدة، يعود بالأساس إلى اتساع سوق مبيعات السيارات بهذه الحواضر فضلا عن تمركزها عبر مسالك العبور التي تنشط فيها الشبكات الإجرامية.
وفي جميع الحالات، فإن الجناة يحرصون دائما على مواكبة التطورات الحاصلة في صناعة السيارات خاصة تلك المضادة للسرقة، كما يعملون جاهدين على إحداث ثغرات في الأنظمة المضادة للتزوير التي تحاول الأجهزة الأمنية والجهات المسؤولة عن النقل والجولان (وزارة النقل) اعتمادها للحيلولة دون تزييف البطاقات الرمادية والشهادات الإدارية الخاصة ببيع السيارات المستعملة أو البيع بالمزاد العلني.   
ويتبين من خلال التحريات التي أجريت حول التنظيم المحكم للشبكات الإجرامية المتخصصة في سرقة السيارات، والبعد الدولي الذي أضحت تكتسبه جراء تعقد نشاطاتها وامتدادها عبر الحدود الوطنية، جعلها تعتمد تنظيما متسلسلا يقوم على توزيع محكم للأدوار، انطلاقا من الجناة المتخصصين في السرقة مرورا بالوسطاء، والخبراء المتخصصين في تغيير العلامات المميزة للسيارات ثم الموزعين.
وعادة ما تحصر هذه الشبكات أهدافها الإجرامية في السيارات الفاخرة التي تجلبها من الأسواق الأوربية (فرنسا، اسبانيا، بلجيكا، إيطاليا، ألمانيا)، وتعمل على تغيير صفائحها المعدنية أو تعمد إلى تزوير وثائق ملكيتها وبعدها تهربها إلى المغرب من أجل التسويق الداخلي أو التصدير في اتجاه دول مجاورة.

تنسيق أمني دولي
أسفر التنسيق الدولي القائم بين المكاتب المركزية الوطنية وشعب الاتصال في مجموع الدول مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية والمكتب العربي للشرطة الجنائية عن تفكيك مجموعة من هذه الشبكات وتوقيف العديد من السيارات المسروقة انطلاقا من التعاون الذي حصل في هذا المجال.
وتعتمد شبكات إجرامية على أسلوب النصب على شركات التأمين الدولية، إذ تعمد إلى اقتناء سيارات باسم أحد أعضائها وتأمينها ضد جميع الأخطار بما في ذلك السرقة، وبعدها تهرب إلى دول مجاورة من أجل إعادة بيعها مقابل أن يعمل مالك السيارة على التصريح بسرقتها لدى أحد الأجهزة الأمنية ويتلقى في المقابل مبلغ التأمين الذي يضاهي في قيمته ثمن السيارة.

فرار المتورطين من المغرب
يحرص أفراد هذه الشبكات على مغادرة المغرب مباشرة بعد ترويج السيارات المصرح بسرقتها لدى شركات التأمين، وقبيل عرضها من قبل المشتري على إدارة الجمارك من أجل التعشير، وذلك تفاديا لافتضاح أمر التصريح «التدليسي» المعلن عنه في البلد الأصلي للسيارة أو عملية التزوير التي قد تطول السيارة.
واستفادت هذه الشبكات من النظام الذي كان معمولا به من قبل إدارة الجمارك المغربية، خصوصا في الفترة الممتدة بين
1983 و1988، إذ كانت هذه الإدارة تكتفي بدمغ خاتم يحتوي على نوع ورقم صفيحة السيارة المستوردة في جواز سفر صاحبها، في حين كان الجناة يتملصون من هذه المراقبة بعد اقتلاع الصفحات التي تضم تلك الأختام واستبدالها بصفحات مزورة مأخوذة من جوازات سفر مسروقة.
وبحسب مصدر أمني، فإنه مباشرة بعد هذا التاريخ، ونتيجة اعتماد المنظومة المعلوماتية من قبل الجمارك المغربية، جنحت الشبكات الإجرامية إلى إدخال السيارات الأجنبية بواسطة وثائق ملكية مزورة وباستخدام أوراق هوية مزيفة حتى لا تسجل تلك السيارات باسمهم في المحفوظات الإلكترونية (الأرشيف المعلوماتي).
وابتداء من سنة 1991، وبعد توصيات المنظمة الدولية للشرطة الجنائية الرامية إلى الحد من الاتجار الدولي في السيارات المسروقة انطلاقا من أوربا في اتجاه افريقيا، أصبحت السلطات المغربية تعمل على تنقيط السيارات الأجنبية المراد تعشيرها بالمغرب من خلال قاعدة معطيات المنظمة الدولية للشرطة الجنائية.
وأسفر هذا النمط الجديد في العمل عن تفكيك بعض الشبكات التي كانت تتعاطى لسرقة السيارات من فرنسا والعمل على إدخالها إلى المغرب باستخدام صفائح معدنية دبلوماسية خاصة ببعض الدول الإفريقية.
ويقتصر هذا النوع من السرقات على استهداف السيارات الفاخرة المتداولة بالأسواق الأوربية والتي تهرب إلى المغرب بحكم قربه الجغرافي إما من أجل التسويق الداخلي أو كمحطة للعبور في اتجاه موريتانيا والجزائر وبعض الدول الأخرى.
وهذه السيارات هي بالأساس، السيارات ذات الصنع الألماني خاصة «الميرسيدس» و”أودي” و»فوسفاكن» وبعض السيارات الأخرى أوربية الصنع مثل «رونو» و»بيجو».
ووفق الإحصائية الأمنية تراجعت بشكل كبير جرائم سرقة السيارات بنسبة 106 قضايا خلال النصف الأول من سنة 2010، إذ على المستوى الوطني، فككت 15 شبكة إجرامية متخصصة في سرقة السيارات، وأوقف 57 مشتبها فيه، بالإضافة إلى نشر مذكرات بحث على الصعيد الوطني في حق 114 متورطا في عمليات سرقة السيارات.
أما على المستوى الدولي، فقد تمكنت مصالح الأمن المغربية من حجز 29 سيارة مسروقة، 14 منها مصرح بسرقتها في إسبانيا وثمان بإيطاليا وخمس بفرنسا، كما أوقفت 129 شخصا متورطا في هذا النوع من القضايا، تسعة عشر منهم يحملون جنسيات أجنبية.

رضوان حفياني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق