fbpx
ربورتاج

ذوو الاحتياجات الخاصة يتحدون كورونا

أطفال عاشوا صعوبات في زمن الحجر وفقدوا مهارات ومعارف قبل استعادتها

كانت أياما قاسية تلك التي عشناها خلال الحجر الصحي، بسبب جائحة كورونا، إذ في لحظة قيدت تحركاتنا وأجبر الجميع على البقاء في المنازل على غير المعتاد ولفترة طويلة. إلا أن فئة عانت ضعف ما عاناه المغاربة خلال هذه الفترة العصيبة، دون أن يهتم أحد بأمرها، وهم الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة بكل تلاوينها، حسب ما وقفت عليه “الصباح” خلال زيارتها مؤسسة تعليمية خاصة بالأطفال ذوي الإعاقة بالبيضاء.

إنجاز: مصطفى لطفي وتصوير أحمد جرفي

وجدوا أنفسهم سجناء أربعة جدران، وعجزت أسرهم عن رعايتهم على مدار الساعة، بل هناك من بالغ في اهتمامه بأطفاله الأسوياء لأنهم المستقبل والأمل، وترك ذوي الإعاقة لمصيرهم، إلى أن أعلنت الدولة عودة الدراسة في شتنبر الماضي، إذ فتحت الأبواب الموصدة، وهرولوا مسرعين إلى مؤسساتهم التعليمية، لكن محملين بأمراض نفسية خربت كل المعارف والتقنيات التي تعلموها، قبل دخول الفيروس اللعين المغرب.

أطر شابة متخصصة
بمنطقة عين السبع، انتصبت مؤسسة تعليمية خاصة بالأطفال ذوي الإعاقة، حظيت بهندسة معمارية متميزة جعلتها تضاهي مؤسسات التعليم الخاصة الغالية الثمن، أمامها ركنت سيارات النقل المدرسي في رسالة أن جميع الظروف متوفرة لاستفادة هذه الفئة من التلاميذ من تدريس واهتمام خاصين.
يشرف على تسيير هذه المؤسسة التعليمية، يوسف الرخيص، اسم غني عن التعريف بالبيضاء، إذ له السبق في تأسيس جمعية تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة في بداية التسعينات من القرن الماضي، وانتخب مستشارا جماعيا، وعضوا بارزا بمجلس المدينة، إذ كان ضمن لائحة المستشارين “الثوار” كما لقبهم العمدة السابق محمد ساجد.
بنيت المدرسة بتنسيق بين جمعيته والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، استقطب لها خيرة الأطر الشابة في جميع التخصصات الطبية والنفسية لمواكبة وضعية تلاميذها من ذوي الاحتياجات الخاصة، ونجحت في فرض اسمها على الساحة البيضاوية.
تدريس الأطفال ذوي الإعاقة ليس بالأمر الهين، يؤكد الرخيص، إذ تلزمه أطر كفؤة ورعاية خاصة. عاش الرخيص معاناة حقيقية مع باقي أطر المؤسسات بعد قرار فرض الحجر الصحي بسبب وباء كورونا، إذ أجبر على إغلاق المدرسة وإبقاء التلاميذ في منازلهم والبحث عن صيغة لتمكينهم من مواصلة حصصهم الدراسية.
عادت فترة الحجر الصحي بالويلات على الأطفال، إذ عاشوا معاناة حقيقية، فبعد أن ألفوا مغادرة منازلهم والقيام بجولات ونزهات، أجبروا على البقاء في منازلهم لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر. وبعد العودة إلى الدراسة في شتنبر الماضي، ضاعت كل المعارف والتقنيات التي اكتسبوها.

صدمة التدريس عن بعد
تنقسم المؤسسة التعليمية إلى أجنحة متعددة، كل واحد منها مخصص لعلاج حالات مرضية للأطفال المعاقين، إلى جانب أقسام للدراسة حافظ فيها المدرسون على التباعد حماية للجميع من الفيروس اللعين.
كانت أول زيارة لـ”الصباح”، لقسم الترويض الحركي الحسي، الذي تشرف عليه مختصتان شابتان، إحداهما كانت منهمكة في حصة مع تلميذ.
هدف هذا القسم، حسب هدى، في العشرينات من العمر، اختصاصية في الحركة، هو توحيد جسم التلميذ مع العقل، بتشجيعه على اللعب والقيام بحركات ووضع ألوان أمامه للتمييز بينها بحركة بيده.
وأكدت الاختصاصية أن تلك الحصص يستفيد منها الجميع مسنون ومراهقون وأطفال، مبرزة أن مشكل الكتابة والتركيز يعانيه حتى الأطفال العاديون.
عانت هدى وزميلتها في التخصص الأمرين بعد إعلان السلطات الطوارئ الصحية بسبب جائحة كورونا، إذ أجبرت المؤسسة التعليمية على غلق أبوابها، فدفع التلاميذ الثمن غاليا بسبب هذا القرار.
تكشف الاختصاصية في الحركة، أنها وزميلتها أجبرتا على تأسيس مجموعات على تطبيق “واتساب”، لبث حصص تعليمية عبارة عن حركات عبر الفيديو للتلاميذ، تحت إشراف الآباء.
كانت البداية صادمة بحكم أنه لم يتفاعل العديد من التلاميذ مع تلك الدروس، ما دفعها إلى تغيير النهج والرهان على أولياء أمور التلاميذ، بتقديم فيديوهات حول طريقة القيام ببعض الحركات ومطالبتهم بتلقينها لأبنائهم، وخصص كل يوم لحصة عبر المباشر، تتضمن الحركات.

فترة صعبة للآباء
في البداية، تؤكد هدى، تفاعل الآباء مع الحصص التي بثت عن بعد، إذ كان هناك تجاوب وحماس من أجل تلقين أبنائهم دروسا، لكن مع مرور الوقت حدث ملل وتراخ، بسبب الحالة النفسية التي عاناها المغاربة أثناء بداية تفشي كورونا، إضافة إلى ظروف عمل الوالدين.
عند الرفع الجزئي للحجر الصحي والسماح بالعودة إلى الدراسة، تبين خلال مجالسة التلاميذ أن جميع المهارات والمكتسبات، التي تعلموها قبل الجائحة فقدت بشكل كبير، نسوا حتى الانضباط، والسبب أنه تم التراخي في رعاياتهم بالمنزل خلال الحجر الصحي، إضافة إلى استفادتهم من هامش كبير من الحرية في التحرك والتصرف، وزاد في تعقد الوضع، استعمالهم المفرط الهاتف المحمول.
هذا المستجد، تطلب من المشرفين بالمدرسة وأطرها، بذل مجهودات مضاعفة بعد العودة إلى الدراسة، إلا أن المشرفة بالمؤسسة، تحدثت عن حالات تلاميذ شكلت الاستثناء، وإن كانت لا تتجاوز أصابع اليد، إذ استفادوا بشكل كبير من التكوين خلال الحجر الصحي، والسبب، حسب المشرفة، أن الأطفال راقهم بشكل كبير أن يشرف آباؤهم على تكوينهم خلال الجائحة، فطبقوا جميع الدروس والتكوينات بكل حذافيرها.

قسم النطق
بجوار قسم الترويض الحركي، يوجد قسم النطق، تشرف عليه اختصاصيتان في مقتبل العمر، ويقدم حصصه للمستفيدين مرتين في الأسبوع. لحظة ولوج “الصباح” القسم، استقبلها طفل يبلغ من العمر سبع سنوات بابتسامة بريئة، ووجد صعوبة في مواكبة الحصة وتعليمات أستاذته.
أول ملاحظة أبدتها خديجة مومن اختصاصية في تقويم النطق، أن الهواتف المحمولة والتلفزة خلال فترة الحجر الصحي، كان لها تأثير سلبي جدا على الأطفال، إذ فقدوا كل معارفهم، وتحولوا إلى صفحات بيضاء تجب إعادة ملئها من جديد.
في ذلك القسم، يتم تعليم الأطفال العاجزين عن الحديث النطق، عبر عرض الصور لحيوانات وفواكه وخضروات عليهم. بالنسبة إلى المختصة فإن الطفل ذا ثلاث سنوات عليه نطق كلمة تتضمن فعلا وفاعلا، في حين أن الطفل السوي، يكتفي بكلمة واحدة.
واصلت المختصة حديثها، وهي تعرض صورا جديدة على تلميذ، أن تشخيص العجز عن النطق يتم في سن الرابعة من العمر، إلا أنه يتحول إلى مرض عند بلوغ الطفل السادسة، عندما يكون عاجزا عن الكلام.
تتطلب مدة العلاج وقتا طويلا وصبرا جميلا، حددته المختصة في ستة أشهر، وقد يستمر العلاج لسنة ونصف السنة إلى أن يتمكن الأطفال من نطق ما بين 20 كلمة و50 .
خلال الحجر الصحي، عانى المصابون بعسر النطق صعوبات جمة، ساهمت فيها أسرهم، إذ كانوا ضحية إهمال من قبل أوليائهم، بسبب «غياب الخاطر»، كما كان هناك عتاب لمسؤولي المؤسسة، بحكم أنهم يسددون واجبات المدرسة، ورغم ذلك يقومون بمهام المربيات أو الاختصاصيات، في حين نجح آباء آخرون في الإبحار بأبنائهم إلى شط الأمان، ساهم في هذا النجاح وعيهم ومستواهم الثقافي.
بعد العودة من الحجر الصحي كان الوضع كارثيا أمام اختصاصيات النطق، إذ فقد أغلب التلاميذ كل المهارات التي اكتسبوها في النطق، وكل المكونات الأساسية للغة.

تعاطف بقسم الترويض الطبي
في قسم الترويض الطبي الوضع مثير للشفقة، أطفال صغار يعانون إعاقات مختلفة، يدمي مشهد طفلة لا يتجاوز عمرها أربع سنوات تتنقل متكئة على طاولة بعجلات صغيرة، القلب ويدفعنا إلى حمد الله كثيرا أننا ولدنا أصحاء.
رغم إعاقاتها وصعوبة تحركها، كانت الطفلة ترشق كل من ينظر لها بابتسامة بريئة، يفوح منها الأمل والرضا بما قدر لها، كسبت تعاطف كل من نظر إليها قلبا وقالبا، بل في لحظة جياشة تسعى إلى حملها وضمها بحرارة تضامنا مع إعاقتها، إلا أن وضعها الصحي لا يسمح بذلك. غادرت الطفلة القاعة، فاسحة المجال لفتاة في 14 سنة من العمر، تعاني إعاقة ذهنية وجسدية، وضعت على كرسي متحرك.
كان أول المشاكل التي صادفها المشرفون على قسم الترويض الطبي، بعد العودة من الحجر الصحي، الخوف الشديد للأطفال من كل شخص داخل المؤسسة يضع كمامة، إذ لم يستطيعوا تمييز أساتذتهم والمشرفين عليهم، بحكم ضعف ذاكرتهم، ما دفع أطر المؤسسة إلى إزالة الكمامات مؤقتا لكسب ثقتهم قبل مباشرة الحصة.
حسب المشرفة على قسم الترويض الطبي، يقسم الأطفال إلى فئتين، الأولى تعاني أمراض العظام والروماتيزم، والثانية تعاني التأخر الحركي وهو الشائع بين الأطفال.
يراهن الترويض، حسب مسؤولة القسم، على تصحيح التشوهات التي تكون سواء على مستوى العمود الفقري أو نتيجة تشنجات عضلات الأطراف، كالتواء الأرجل، والعمل على إعادتها إلى وضعيتها الصحيحة.

هزيمة التعليم عن بعد
بعد فرض الحجر الصحي، عاشت أطر الترويض الطبي معاناة حقيقية، فبحكم أن هذا المجال لا يعلمه إلا المتخصصون، وجد أولياء التلاميذ خلال الدروس عن بعد، صعوبة كبيرة في الاستيعاب والتطبيق الصحيح للحركات التي يجب تلقينها لأبنائهم. لتجاوز هذا الإشكال، عمدت أطر القسم، إلى عقد دروس عن بعد مع كل أسرة على حدة، وتقديم توضيحات لها أكثر، باستعمال وسائل بسيطة لمساعدة الأطفال على الحركة، منها الكراسي والرمل والأرز، مع مطالبتهم بفتح النوافذ وتعريضهم لفترة زمنية للشمس.
إلا أنه رغم هذه المبادرة، باءت أغلب المحاولات بالفشل، فالعائلات خلال فترة الحجر الصحي، خصصت لأطفالها العاديين عناية خاصة وأهملت المصابين بإعاقة، والنتيجة كانت صادمة، إذ صار الأطفال ذوو الإعاقة أكثر عدوانية، ولم يتقبلوا وضعهم الجديد، وحصرهم بين أربعة جدران بعد أن ألفوا الخروج إلى الشارع والقيام بجولات ونزهات، الأمر الذي جعل أسرهم في حالة توتر دائم، إذ لم تعد تخشى من وباء “كورونا” بقدر خوفها من تدهور حالتهم النفسية.
بعد العودة من الحجر، فقد الأطفال الكثير من المقومات، إذ صاروا يجدون صعوبات كبيرة في تنفيذ حركات اعتادوا القيام بها بكل يسر خلال الحجر الصحي، وتقهقرت قوتهم العضلية، وعادت التشنجات العضلية كما كان عليه الوضع في البداية.

صرامة وحذر
في قسم معزول، تخصصت مشرفات في رعاية الأطفال ثلاثي الصبغي. عاينت «الصباح» صرامة كبيرة في رعايتهم، مقارنة مع باقي تلاميذ المؤسسة التعليمية، بعدها سيتضح السبب، فهؤلاء يعانون أمراضا مزمنة في القلب ونقصا كبيرا في المناعة، وبالتالي سيكونون فريسة سهلة للفيروس لو تفشى بين أطر المؤسسة لا قدر الله.
هذا الوضع، جعل المشرفات والمربيات في حالة استنفار دائم، والتزام صارم بالتدابير الوقائية، من تعقيم القسم ووضع التلاميذ في مسافات متباعدة لتفادي الاختلاط، ومنعهم من معانقة أي شخص أو مشاركة الغرباء الحديث، سيما أنه معروف عنهم مشاعرهم الحساسة وحبهم للغير، لهذا يتم وضعهم تحت المراقبة لتفادي أي سلوك طائش قد يتسبب لهم في العدوى.

تعليق واحد

  1. ذوي الاحتياجات الخاصة .يعيشون في المغرب دائما معانات كثيرة لا سيما الحجر الصحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى