fbpx
خاص

أزواغ: إطلالة على حال المقال في النشر السيكولوجي الواقع في إشكال

في رصد وضعية البحث والنشر في العلوم النفسية

عرف البحث العلمي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية ملحوظة مست بنياته المؤسساتية واستراتيجيات تشجيع وتحفيز الباحثين؛ وهو ما يتجلى في إعادة تنظيم وهيكلة بنيات البحث في التعليم العالي باعتباره القطاع المعني بالبحث العلمي والجامعي وتمويل مجموعة من المشاريع في إطار برامج بحث وطنية ودولية. إلا أن هذه الدينامية لم تنعكس بعد بشكل إيجابي على جودة البحث العلمي، إذ يكاد يتفق الجميع على أن هذا الأخير يعاني جملة من الإشكالات ذات الطابع المؤسساتي والهيكلي والتدبيري التي تعرقل سيرورة تطوره وتحول دون تحقيق الأهداف المتوخاة منه، ويزداد الأمر سوءا بالنسبة للعلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل عام والعلوم النفسية بشكل خاص. والجدير بالملاحظة أن العلوم النفسية (علم النفس المعرفي، علم النفس الاكلنيكي، علم النفس الاجتماعي، علم النفس الشغل، إلخ.) لم تحظى بعد بالاهتمام الكاف والمكانة التي تستحقها في إطار هذه البرامج مقارنة بالإسهامات العلمية التي يجتهد فيها الباحثون على مستوى البحث الأساسي وبالخدمات الحيوية (المصاحبة، الاستشارة، التوجيه، الإنصات، العلاج، التدخل، الخ) التي يقدمها المختصون في كل مناحي الحياة (العمل، المدرسة، الأسرة، الخ).  وقد بينت جائحة كوفيد-19 بشكل لا لبس فيه الحاجة الماسة إلى العلوم النفسية سواء من أجل فهم وتفسير الحالات النفسية للمغاربة وتفاعلاتهم في سياق هذه الجائحة أو من حيث المصاحبة والتتبع لمختلف الشرائح المجتمعية والمهنية المتضررة أو المتأثرة (الأشخاص المسنون، النساء، الأطفال، المهنيون، الخ). بطبيعة الحال، أن المغرب عرف بعض التجارب فيما يتعلق بالمجلات ونشر الأبحاث والدراسات السيكولوجية، لكنها لم تشكل إرثا أو تراكما معرفيا، كما لم تنشأ عنها تقاليد في التأليف والنشر. 

واليوم أكثر من أي وقت مضى، علاوة على كل الإكراهات ذات الطابع الخارجي والتي تنضاف إليها قلة منابر النشر العلمي المتمثلة في المجلات والدوريات المتخصصة، تواجه العلوم النفسية أزمة تتعلق بالبحث العلمي والنشر كممارسة عملية؛ الأمر الذي يمكن رصده ومعاينته على نطاق واسع بالجامعة ومؤسسات التعليم العالي إن على المستوى الكمي (عدد البحوث العلمية والمنشورات) والكيفي (جودة هذه البحوث والمنشورات) أو على المستوى النوعي (من حيث الاختصاص في الطرح والمقاربة). ولن نبالغ في القول بـأن أغلب ما يتم إنتاجه من دراسات ومقالات سيكولوجية على المستوى الوطني ينشر، في أحسن الأحوال، في كتب أو مجلات محلية لا تستجيب لا للأنظمة المقننة للمجلات المحترمة ولا لمعايير مصداقية النشر وفق ما هو متعارف عليه دوليا في العمل العلمي. صحيح أن هناك مجهودات جبارة ومحترمة يبذلها بعض الباحثين المغاربة، اعتمادا على إمكانياتهم الذاتية، الذين ينشرون مقالات في مجلات علمية محكمة ومصنفة في قواعد البيانات العالمية كSCOPUS أو WEB OF SCIENCE، وهو المنحى الذي تؤكد عليه الجامعات ومؤسسات البحث سعيا للرقي بالبحث العلمي ولاحتلال مكان يُذكر ضمن التصنيفات العالمية للمؤسسات وللباحثين، لكن الحصيلة الإجمالية تبقى دون مستوى الانتظارات، بل وتبعث على نوع من “القلق”.

وفي هذا الإطار، نستشهد بالتقرير حول البحث في العلوم الانسانية والاجتماعية لـ 2009 الذي أقر بضعف إنتاج البحث العلمي عند الأساتذة الجامعيين الذي من المفترض أنه دورهم الأساسي، بل ومنهم من لم يكتب ولو سطرا لعقود ومن لم ينجز عملا يذكر منذ أطروحة الدكتوراه التي تعتبر مفتاح التوظيف في الجامعة. والجدير بالذكر أن العلوم النفسية لم تجد لها أي ذكر في هذا التقرير ولا لما قد يُحسب لها في مجال الأبحاث والنشر. يبدو أن العلوم النفسية مازالت تتخبط في متاهات الشخصنة، حتى وإن اختلفت الأجيال، فالعملة لها امتداد في الممارسات على حساب الاجتهاد في البحث والتأليف والنشر. ويغلب على المنشورات التي تعنى بالعلوم النفسية، رغم قلتها، طابعا إنشائيا يتميز بالإطناب ومنطق العنعنة وتصريف لمعلومات بمرجعيات متقادمة. وفيما يخص لغة الإنجاز أو تحرير البحوث فهي إما باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، في غياب تام للغة الإنجليزية كلغة عالمية للعلم.  كما أن التطلع إلى تسجيل مشاركة في المؤتمرات العالمية والمجلات الدولية ذات الصيت العلمي المعتمد يبقى بعيد المنال، وليس له اعتبار يُذكر في أجندة الأنشطة العلمية للباحثين (أساتذة وطلبة دكتوراه). وبالتالي فالمنشورات المحتضنة للأبحاث تظل مغيبة تماما من أنشطة التدريس والتأطير، وبالنتيجة يجهل الطلبة بوجودها، اللهم من يُلزمهم باقتناء كتبه. 

قد لا يتجادل اثنان في مسألة كون المعرفة العلمية السيكولوجية التي تنتج على المستوى الوطني تبقى في غالبيتها ذات جودة “متوسطة” إن لم نقل “ضعيفة”؛ وهو ما يمكن ملاحظته أو استنتاجه من خلال مشاريع نهاية الدراسة بسلك الماستر وأطروحات الدكتوراه وجل المقالات المنشورة في المجلات “العلمية” بالمغرب. إن الاطلاع على هذه المقالات يجعلنا نقر بأن أغلبها لم يخضع لا لتحكيم ولا لمراجعة الاقران، في حين أن هذه العملية تشكل خطوة ضرورية لكي يتحقق شرطي النزاهة العلمية والموضوعية.  وهكذا، فإن هذه الممارسات تنعكس سلبا على جودة البحث العلمي وعلى مكانة المغرب في التصنيفات العالمية. ونشير هنا إلى “الصدمة” التي تعرضت لها مؤخرا الأوساط الأكاديمية، نتيجة تبوأ المغرب لمرتبة متقدمة على المستوى العالمي فيما يخص عدد المقالات المنشورة لباحثين مغاربة في المجلات الوهمية أو المفترسة Revues prédatrices المصنفة في قاعدة البيانات SCOPUS (للاطلاع على المقال كاملا، انظر Macháček et Srholec, 2021)، في حين يبقى الهدف الرئيسي لهذه المجلات هو الربح المادي وذلك بتبنيها لنمط الولوج المفتوحopen acces  وإقرار رسوم نشر منخفضة frais de publication مقارنة بالمجلات العلمية ذات المصداقية، مقابل التسريع في نشر المقالات مع عدم إخضاعها للتمحيص اللازم والمراجعة العلمية الضرورية من طرف الأقران paires ou reviewers.

المنشورات السيكولوجية بين الممارسات القائمة-المتقادمة والجودة المفقودة  

بالنسبة للمجلات السيكولوجية التي تحاول أن تجد لها مكانا اليوم بين المجلات العلمية بالمغرب، بحكم نذرتها وبالخصوص تلك التي تبدو متوفرة في صيغة إلكترونية، فهي تبقى مبادرات شخصية ولا تنخرط في مشروع مؤسساتي أو جماعي. وبالتالي، فهي لا تخضع لأي نظام تدبيري أو خط تحريري ولا لمنظور علمي واضح، بحيث ترتكز فقط على إقحام أسماء لأشخاص وفق تقاليد التبويب وتركيبة الزوايا. وهي منشورات لا تحترم شروط وقواعد النشر كما هو معمول بها عالميا (اطلاع مدير النشر Editeur على المقال المرسل من طرف المؤلِف لمعرفة إن كان هذا المقال يستجيب لشروط المجلة ويستحق إرساله إلى الأقران، إحالة المقال، دون ذكر هوية المؤلِف، على الأقران أو الممتحنين، توصل المؤلِف برأي معلل من طرف مدير النشر مع ملاحظات الأقران وقرارهم:  قبول المقال مع إجراء تعديلات طفيفة، قبول المقال مع إجراء تعديلات كبيرة، رفض المقال، الخ)، إذ أنه غالبا ما يتم قبول ونشر المقالات المرسلة كما هي مُوفَدَة من أصحابها دون مراجعة. ولعل التباين الصارخ في المقالات المنشورة في نفس المجلة إن على مستوى الشكل (بنية المقال، الهوامش والاحالات، الجداول والرسوم البيانية، إلخ.) أو المضمون (سرد الدراسات السابقة، صياغة الإشكالية والفرضيات، وصف منهجية البحث، تقديم البيبليوغرافيا، إلخ)، ناهيك عن الأسلوب وعدم احترام معايير الكتابة والنشر APA، خير دليل على انعدام شروط الفحص والمراجعة والضبط والحياد. وهو ما يترتب عنه آفة خطيرة تتمثل في نشر مجموعة من المقالات التي تنعدم فيها شروط النزاهة العلمية والضبط المعرفي. هذه المقالات، على علتها وفي كثير من الأحيان، يتم تضمينها في الملفات العلمية الخاصة بمناقشة أطروحات الدكتوراه أو الترقي الجامعي. وبالنتيجة تؤثر هذه الممارسات سلبا على جودة البحث العلمي السيكولوجي وتعيق تقدمه، كما يجهل الطلبة أعمال أساتذتهم والزملاء للإنجازات والاهتمامات البحثية لبعضهم البعض.

ثم من جملة الأسباب التي تقف وراء هذه المعضلة الفتاكة في العلوم النفسية، هناك غياب، إلى عهد قريب، استراتيجية لتشجيع النشر والبحث العلمي الرصين. فحتى الأنشطة العلمية للشعبة وللمختبر أو لفريق البحث تغيب عنها برمجة إنجاز البحوث أو التخطيط لنشر المقالات، إذ تقتصر أنشطتها على تنظيم ندوات عامة لا تربطها صلة مباشرة ببنيات تخصصها وأعمالها البحثية. وفي نطاق هذه الأنشطة التي قد تبقى مناسباتية واحتفالية تتميز باللمة وإحياء صلة الرحم، تكون المداخلات المشاركة ذات طابع عام، بحيث لا تستند لأي أساس بحثي، اللهم ما يبقى في حساب أطروحة الدكتوراه لأصحابها. فيما يبقى توجيه تلك المداخلات للنشر في المجلات العلمية في حكم الغائب، وبالمقابل ينزع المنظمون نحو جمع المداخلات لنشرها في كتاب جماعي. ناهيك عن البعض من الأساتذة الذين يشترطون نظير مشاركتهم توفير ظروف مترفة من استقبال وإقامة وتعويض مادي، وأما المساهمة في النشر فهو أيضا بمقابل. وهذه عوامل من بين أخرى، تساهم في نذرة الأنشطة العلمية.  أما فيما يتعلق بالانخراط في بحث علمي، سواءا كان ممولا أو غير ممول، فيبقى متوقف على شرط التعويض المالي الذي يمكن تقاضيه، في الوقت الذي تنقسم فيه أجرة الأستاذ-الباحث إلى شطرين: التعويض عن التدريس والتعويض عن البحث، غير أن مسألة الأجرة اختزلت في الراتب الوظيفي للأستاذ فقط.  وقد تداركت بعض الجامعات تداعيات هذه الوضعية والنقص الحاصل في البحث والنشر العلمي، بالعمل على تحفيز الباحثين بإقرار منح مالية على منشوراتهم في مجلات علمية مصنفة عالميا. ويجدر التذكير بآلية الترقي التي صارت بمثابة هاجس بالنسبة للأساتذة في مسارهم المهني والتي ترتكز على النشر وإنتاج المقالات العلمية مع التقدير الذي يولى إلى النشر بالمجلات المصنفة.

وعلى صعيد آخر، هناك ظواهر تقليدانية مازالت إلى حد ما حاضرة من خلال بعض الممارسات الجامعية، وإن صارت في طريق الانقراض بزوال أصحابها من الجيل الذي تقاعد أو في طور التقاعد، وهي ظواهر يكرسها ما يسمى بثقافة الشيخ والمريد. فلكي يحصل المريد (باحث في الدكتوراه أو أستاذ-باحث حديث العهد بالمهنة) على رضا شيخه (أستاذ ذو أقدمية وخبرة مهنية طويلة)، يتوجب على الأول أن يقدم طقوس الولاء التام للأستاذ “الشيخ” في كل مناسبة. وفي خضم هذه العلاقة القائمة على الولاء والخنوع، على حساب الاشراف المعرفي والممارسات السليمة المطلوبة لتقدم البحث العلمي، بعد توسل المريد إلى الأستاذ “الشيخ” أو بإيعاز من هذا الأخير، يقوم المريد بإعداد مقال (كيفما كان(ت) نوعه وحجمه وجودته) استعدادا لنشره في المجلة “المباركة” التي يتدخل الشيخ فيها أو قد يترأس مصيرها ويرعاها ويحرص على ديمومتها. لأنه الآمر والناهي والمقرر فيما يُمكن نشره، وبالتالي، ترتبط ديمومة المجلة بديمومة المشيخة والولاء. وهكذا، يتم خلق نظام من العلاقات الزبونية والمحسوبية والمحاباة في مجال البحث العلمي ضارب صوب الحائط كل المعايير التي يقوم عليها العلم؛ أي الحياد والموضوعية والأمانة والاستحقاق. بالإضافة إلى أن بعض ” المشايخ” في العلوم النفسية يدعون صفة الفقيه-المتفقه في كل شيء (ولا شيء)، وهذا النمط من التفكير والممارسة هو السائد والمهيمن بقوة في العلوم النفسية بالمغرب وهو ما يؤكده واقع بعض الكتابات والندوات ومناقشات الدكتوراه والبرامج التلفزية. 

من بين النتائج المباشرة لضعف جودة البحث والنشر طغيان خطاب سيكولوجي فضفاض وغير علمي عند بعض أهل العلوم النفسية. خطاب تتلخص أهم تجلياته في مبدأين: 

  • مبدأ الأنا “العارفة”: ويخص أهل العلوم النفسية الذين يجيبون عن كل التساؤلات ويتدخلون في كل المواضيع والقضايا، بما في ذلك التي ليست لها علاقة بمجال اشتغالهم وأحيانا لا تمت بصلة لعلم النفس. مما ينتج عنه عطب في الفهم على جميع المستويات؛
  • مبدأ الأنا “المُتَقولة” أو “المُتَكلِمة“: هو ما يلخصه المثل الدارج “اجي أفم وكَول”. ويحيل إلى بعض أهل العلوم النفسية الذين لا يجدون أي حرج في تبني خطاب غير علمي، والاجتهاد بالمزج بين العلوم النفسية والعلوم الشرعية من دون سند ابستمولوجي ولا مرجعية نظرية مثبتة، فقط ما تفتقت به عبقرية أصحابها. وبالتالي، الإبقاء على أبواب التفسير والتأويل مشرعة لاستهواء السامعين جارفة للظواهر والسلوكات، مع الحرص على تغييب الكتابة في استبعاد دلائل الإثبات التي لا تندثر أو تخضع لتلوينات القيل والقال. وهكذا ساد منطق سرد الكلام على عواهنه في نوع من السفسطة المقترنة بالسكلجة، وكأن مسألة تفسير الظواهر النفسية تحتكم إلى أهواء الباحث ونزواته، وليس إلى الدراسات العلمية. وتتميز أيضا هذه الأنا باعتماد استراتيجية “الغميق”، من خلال تبني خطاب فضفاض وعام وغامض: “قمنا بمجموعة من الدراسات في هذا المجال”؛ “هذا ما لاحظناه”؛ “هذا ما توصلنا إليه” أما أين، وكيف ومتى وهل هذه الدراسات منشورة وأين … فهي أمور تعدو ثانوية. 

وللإشارة، فهناك من المتدخلين في وسائل الإعلام والوسائط التواصلية، الذين يتفقهون ويتفننون في القول السيكولوجي، وهم عاجزين عن التأليف لتوفير بحث أو مقال يُثبت أقوالهم أو يفيد المعرفة التي يبرعون في الكلام بها وعنها، والاكتفاء بالعمل على تكريس الثقافة الشفهية التي لا تلزمها شروط وضوابط الكتابة والنزاهة العلمية.  

نحو ممارسات فضلى وآفاق واعدة 

والحال أن المنتمين إلى مجال البحث العلمي والجامعي مطالبين بالانخراط في دينامية إنتاجية متجددة تقطع مع التقاعس والتبعية. كما هناك ضرورة إجراء تقييم علمي موضوعي ومسؤول للمنشورات العلمية السيكولوجية التي تصدر بالمغرب للوقوف عند الإكراهات والعراقيل وتحديد مكامن الخلل من جهة، وتعزيز الممارسات العلمية الفضلى لتجويد البحث السيكولوجي من جهة أخرى.  إلا أن هذا يتطلب منا نقدا ذاتيا موضوعيا الذي يتوجب تقبله مهما كانت شدة قسوته.  كما أنه لا مناص من نشر الابحاث والدراسات العلمية في المجلات العلمية ذات المصداقية والمصنفة عالميا. لماذا؟ لأن هذه المجلات العلمية تشتغل وفق ما يسمى بمراجعة الأقران مزدوجة التعمية double-blind peer review. مما يضمن، من ناحية، الموضوعية والصرامة المنهجية والجودة المنشودة (والتخلص من المحسوبية والزبونية وفق ما مفاده “عافك اصاحبي أو شيخي إلى منشر لي عندك هذ البركة بش تسمن الخبزة”). ومن ناحية أخرى، يتعلم الباحث المبتدئ أو المتمرس تقبل الملاحظات وانتقاد الاخرين لعمله ويتعود على ذلك، بل ويصبح جزءا لا يتجزأ من مهنته وهويته. فإذا كان العلم يقوم على مبدأ التصحيح الذاتيself-correcting ، فالمبدأ الذي يُفترض أن يكون سائدا لدى الباحث يتمثل في المتابعة المقترنة بالتكوين المستمر عن طريق: (أ) الاطلاع الدائم على المستجدات، (ب) الانخراط في شبكات البحث العالمية وثورة المصداقية في العلوم النفسية، (ج) اكتساب عضوية في الجمعيات العلمية العالمية، (د) المشاركة في المؤتمرات الدولية، الخ. 

وللانتقال إلى هذا المسار، يستوجب الحال إذن تظافر جهود جميع الفاعلين من باحثين وممارسين وطلبة ومؤسسات البحث.  لذا، لا بد من التأكيد على أن البحث العلمي الرصين يجب أن يمارس في ذاته ولذاته، من حيث استبعاد التعامل معه من باب المتاجرة أو الترقي المهني أو الحصول على الشواهد، وإنما من باب الواجب المهني والأكاديمي والمجتمعي. كما آن الأوان للتخلي عن الخطاب “السائد”؛ أن هذا البحث هو سلعة وطنية موجهة للسوق الداخلية و”المستهلك” المغربي. صحيح أن البحث العلمي يتأثر بالإمكانيات المتوفرة والمتاحة للباحثين، لكنه لا يتقيد بالحدود الجغرافية أو المكانية. ونشره عبر مقالات في المجلات العلمية المصنفة من شأنه أن يصحح سبل توزيع وتداول الإنتاجات العلمية ويضع سيرورة البحث على سكة صحيحة وفق قواعد سليمة مقبولة محليا وعالميا.

لقد أضحى التقيد بالصرامة العلمية شرطا أساسيا من أجل تعزيز مكانة العلوم النفسية على المستوى المجتمعي والأكاديمي. ولهذه الغاية وحتى تتحقق الجودة على رأس الأولويات سواء على مستوى البحث العلمي والنشر والخطاب السيكولوجي الموجه للعموم، بات من حكم الواجب:

  • التخلي عن نشر المقالات المرمقة (من الترميقbricolage ) في مقابل الانكباب على نشر مقالات علمية ذات الجودة؛
  • الاحتراز من الاعتماد على التجربة والآراء الشخصية في فهم وتفسير الظواهر النفسية من طرف السيكولوجيين. فمناقشة مواضيع وقضايا علمية أو مجتمعية كلاسيكية كانت أو ذات راهنية تقتضي التقيد بالروح العلمية والاستناد إلى الدراسات العلمية، لأن العلوم النفسية تشتغل وفق مبدأ “العلم المسند بالدليل”. 

من بين مداخل التغيير الأساسية الأخرى العمل على توجيه وتأطير الطلبة والباحثين الشباب (طلبة الماستر والدكتوراه) في إنجاز البحوث والدراسات الميدانية، وفق ما تقتضيه أدبيات البحث العلمي على المستوى الدولي، حول القضايا المجتمعية ذات الأهمية. مما سيسهم في ترسيخ روح السيكولوجيا العلمية عوض السيكولوجيا الشفهية أو المصبوغة بزيف المعارف. فتحفيز وإشراك الباحثين الشباب في مشاريع البحث العلمي وكتابة المقالات العلمية بات ضرورة ملحة، لأنه السبيل الأمثل لتكوينهم علميا وعمليا على منهجية البحث العلمي وإعدادهم للمستقبل. وبالتالي، الالتفات إلى التكوين الفعلي للتمرس على كتابة المقال العلمي، فرغم بعض التجارب على مستوى تكوينات الدكتوراه إلا أنها لا ترقى إلى تحقيق ما تستهدفه.

إن التغيير المنشود لن يأتي سوى عن طريق الالتزام بأخلاقيات المهنة والبحث العلمي واحترام الباحثين في العلوم النفسية لتخصصاتهم بهدف رسم الحدود وخلق جسور الالتقاء والالتزام بالتخصص، وهذا لا يعني الانغلاق أو التقوقع على الذات، وإنما احترام الباحث لتخصصه ولتخصصات زملائه، بحيث يكون ملما بمجاله وباستطاعته تحقيق مردودية ذات فائدة، مع الانفتاح على العلوم النفسية الأخرى، لاسيما بحكم مهام التدريس. كما يمكن العمل في بحث يكون محط انشغال مشترك من مجالات علمية وزوايا النظر متنوعة من أجل الوصول إلى تفسير وفهم علميين دقيقين. فالهدف الأول والأخير، هو مساهمة الباحث بشكل أساسي في تنشيط مجاله العلمي بشكل خاص وعلم النفس بشكل عام إن على مستوى البحث أو على مستوى النشر.  إن النقص الحاصل في المجلات المتخصصة في علم النفس أو العلوم الإنسانية لا يبرر هذا الواقع المرتبك والملتبس الذي يحيط بالمجلات المزعومة وبجودة المقالات المنشورة. فالنشر العلمي لا تحكمه حدود جغرافية، ورصيد الباحث يتوقف على مصداقية المنشور.  

سفيان أزواغ 

أستاذ-باحث في علم النفس الشغل والأرغونوميا

عضو في حركة العلم المفتوح والميثودولوجيا

جامعة محمد الخامس بالرباط 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى