fbpx
ملف الصباح

السلفيون مستعدون للحكم

أوجه التشابه والاختلاف بين التقليديين والجهاديين في دراسة مقارنة

حتما لا يجب أن يمر دخول سلفيين مغاربة إلى دائرة العمل السياسي، وسعي بعضهم الآخر إلى تأسيس أحزاب سياسية سلفية محضة، دون أن يترك وراءه غبار أسئلة كثيف. واقتحام هذا الغبار يتطلب التوجس، ومعرفة أولا من هم السلفيون المغاربة؟ التقليديون منهم قبل الجهاديين، الذين وقع أمامهم الضوء، فيما يتحرك في ظلالهم الآخرون وينشطون بحرية تضمن لهم استقطاب الشباب بالآلاف، ونشر خطابهم وتوسيع قاعدتهم. وما هي الأسباب التي جعلتهم ينقلبون على أولوياتهم ويتجهون رأسا إلى العمل السياسي والبحث عن طريق إلى الحكم؟ في الدراسة التي أنجزها الدكتور عبد الحكيم أبو اللوز، تظهر بعض إجابات هذه الأسئلة وتنكشف خطوط الطول والعرض في عالم السلفيين، والمواقع التي يتوحدون فيها والنقط التي تفرقهم، وينجلي غبار ما وراء الأحزاب السلفية المغربية المقبلة.
في الدراسة المقارنة التي أجراها الدكتور عبد الحكيم أبو اللوز عن جماعات السلفيين المغاربة، يظهر أن الخيوط الفاصلة بين السلفيين التقليديين والجهاديين، لا تتجلى فقط في اعتبار الأولين الجهاد «فرض كفاية» وتشبث التيار السلفي الجهادي بأنه «فرض عين»، ومنه ينبثق موقفهم المناصر للجهاد العالمي، بل إن التقليديين يحصرون علاقتهم بالسياسة في النصيحة، ويركزون على العمل الدعوي. فيما قادت التجربة التي مر بها السلفيون الجهاديون في السجون إلى قناعة الانخراط في العمل السياسي وتأسيس أحزاب والدفع بنظرياتهم السياسية.

تلاقي…
وتقول الدراسة نفسها إن التيارين يلتقيان عند سبعة أوجه تشابه أولها الاعتناء بمسألة التوحيد، إذ أن «التيمة الأساسية في إيديولوجيا الحركات السلفية سواء كانت تقليدية أو جهادية هي التوحيد»، ويعني ذلك حسب الباحث نفسه، «إفراد الله بالعبادة دون سواه، فالمجتمع انعكاس، أو ينبغي أن يكون انعكاسا لهذا التوحيد الإلهي، فإذا كان التوحيد صفة أساسية للذات الإلهية، فإنه في المجتمع يحتاج إلى تحقق وبناء. وترجمة التوحيد على مستوى المجتمع لا يتم إلا عن طريق تحقيق مجموعة من مشاريع الوحدة: منها وحدة العقيدة، ووحدة الشعائر».
ولا يقف مفهوم التوحيد عند الموقف الأصولي في الاعتقاد والذي مضمونه:» الاعتقاد بالله كما وصف به نفسه من غير تعطيل أو تـأويل»، إنما يمتد ليشمل  ضوابط الممارسة الدينية، ليؤكد أن السلوك والممارسة ينضبطان لهذا المبدأ انضباطا مطلقا لا مجال فيه لإشراك غير الله في العبادة بأي طريقة سواء كانت صلاة أو تقربا أو دعاء. وبالتالي فإن السلفيين ينقلون الكلام عن التوحيد من مجال المعتقدات إلى مجال الممارسة، وهو ما لا يجعل من السلفيين أصحاب رؤية عقدية بالمعنى الحصري للكلمة فقط، بل، تضيف الدراسة، أصبحت لهم مواقف وردود على واقع الممارسة التعبدية في المجتمع.
كما يتسم خطاب السلفيين بجميع تياراتهم بالتصلب، فيعتبرون أي تفكير وفعل غير منطلق من التوحيد، عبادة للذات. وبذلك، تقول الدراسة، «تضع السلفية المسلم أمام طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يكون سلفيا أو لا يكون مسلما بإطلاق. والثاني رؤية صارمة جدا وملتزمة بحرفية القرآن وفق التقليد الحنبلي، والذي يجعل كل شيء يعود إلى منطوق القرآن والسنة».
وهو ما يجعل من الفكر السلفي أحادي الطبيعة، باكتفائه بمجموعة من المقولات القاطعة والحاسمة المكتفية بذاتها التي لا حاجة لها إلى منبه خارجي يوقظ وعي الذات السلفية، وهو أيضا ما ينتج، حسب الدراسة، هجوما شرسا على مجموعة من صيغ الإسلام، ومنها الإسلام الشعبي، والحركي والعالم، أي الذي يسلك منهج التوفيق في كل الأمور الدينية بما فيها العقائدية والعبادية، كما يرفضون الإسلام الرسمي، معتبرين أنه يتعصب إلى مذهبية واحدة دون سائر المذاهب.
ويتقاسم السلفيون أيضا قناعة الرجوع إلى ما كان عليه الأولون والأخذ بفهومهم للنص الديني، لذلك يعتبرون السلف الصالح ناقلا لمعرفة مقدسة، وهم في الآن نفسه الجماعة المنتجة للآليات التي يجب التعامل بها مع تلك المعرفة، فلا وجود لآية من كتاب الله أو حديث نبوي فاتت الصحابة والتابعين أو تركوها بدون تفسير واضح، وبذلك، تورد الدراسة، تتسامى السلفية على ما يخالفها من أفكار عبر التاريخ الإسلامي.
ويتسم خطاب السلفيين بالنصوصية، إذ يقتصرون، يقول الباحث في دراسته، على استخدام المصطلح الإسلامي الأصلي، ويتخذون من قيم الإسلام ومبادئه المعيار الوحيد في النظر والحكم، ومن النص النقلي مرجعهم النهائي في التدليل والإثبات، دون أن يستوحوا عناصر فكرية مستقلة من خارج الأصولية الإسلامية للاستعانة في تبريرهم الفكري ودفاعهم العقدي.
كما يضخم السلفيون من دور النص، ويتجاهلون دور العامل الإنساني الذي يقوم بتفسير النص، يضيف الباحث، فهم «يرون أن النص ينظم معظم جوانب الحياة، ومن يحدد معناه هو قراءة من الصحابة ، أما الآخرون ، فتنحصر وظيفتهم في تلقي النص وتطبيقه». ويلتقي السلفيون أيضا عند نقطة «الشكلانية»، حسب الدراسة ذاتها، إذ تظهر هذه الأخيرة في السلوكات التعبيرية للخطاب السلفي وهو ما يتبين من خلال طرق السلفيين في إدارة الدروس اليومية وفي أسلوبهم في الحوار والمجادلة والحجاج، «ففي الدروس اليومية تعضد الشكلانية بواسطة التكرار الطقوسي للمواضيع وشرحها شروحات مستفيضة، فهناك كلمات محورية تدور حولها جميع الدروس، كما أن المواضيع نفسها تكون حاضرة باستمرار داخل كل الدروس الملقاة، وذلك بهدف توحيد الدلالة عند المستمعين.
كما يوظف السلفيون بمختلف تياراتهم، مفهوم البدعة كثيرا عند حديثهم عن وسائل الدعوة، إذ يعتبرون أنها «مبنية كلها على التوقيف، ذلك أن حال الأمة الإسلامية لا يصلح عندهم إلا بما صلح بها الأولون وأصلحوا، فالطريق إلى إصلاح الناس هو السبيل الذي درج عليه النبي ودرج عليه صحابته». كما يلتقون عند طرق التلقين،الذي يعتمدون عليه كوسيلة للانتشار والتعبئة.

اختلاف…
تلقي الدراسة نفسها الضوء على أوجه الاختلاف بين السلفية التقليدية والجهادية، والتي تتجلى خاصة في السياسة، والموقف من الجهاد والتنظيم والاستقطاب، فمقابل «تضخم البعد السياسي في خطاب السلفية الجهادية، نجد خطاب السلفية التقليدية يزدري السياسة ويبعدها من اهتماماته، لكنه إذا كان من المستحيل، الحديث عن خطاب سياسي لدى الاتجاهات السلفية التقليدية، فإن الامتثالية السياسية تشكل مبدأ ناظما لفعلها السياسي، إذ تختصر السلفية فعلها السياسي في هذا المبدأ، وتبعد من خلاله كل حديث مفصل عن السياسة بكل ما يتفرع عنه من قضايا. أما في ما يتعلق بالجهاد فإن الجهاديين يعتبرونه «فرض عين» وواجب شخصيا على كل فرد وفي كل وقت، في حين يراه السلفيون التقليديون واجبا جماعيا أي «فرض كفاية»، وأنه ينحصر ضمن حدود جغرافية زمنية، ويتوجب على كل جماعة تتعرض لتهديد عدواني.
على مستوى التنظيم يعبر الخط السلفي التقليدي عن نفسه عبر عدة جمعيات تحمل أسماء متعددة، إلا أن بعض شيوخ السلفية الجهادية يرفضون تأسيس الجمعيات ويعتبرون ذلك بدعة في ممارسة الدعوة.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق