fbpx
ملف الصباح

السلفية بين الحركة الوطنية ورموزها الجدد

تعدد التيارات السلفية في الفترة الراهنة خلق تنافرا بينها

لم يكن مصطلح “السلفية” ليتخذ هذا المنحى في السنوات الأخيرة لولا تناسل العديد من الحركات الأصولية التي انتسبت للتيار السلفي، واختلفت توجهاتها ومشاربها رغم أن أصحابها يصرون على نسب أنفسهم “للسلفية” ومتعاملين مع هذا المصطلح على أساس أنه صفة إيجابية وتشريف للمنتسب له، فبتنا أمام تيارات من قبيل “السلفية الجهادية” أو “السلفية الوهابية” أو “السلفية الإصلاحية” وغيرها من التوصيفات والتصنيفات. والمتأمل لرموز هذه الحركات، على الأقل، في المغرب، يصعب عليه التصديق أن هناك رابطا بينها، بالنظر إلى تراشقهم التهم في ما بينهم وتباين طرق دعواتهم بين من يعتمد العنف والتكفير وسيلة لتبليغ ما يعتقده، وبين من يعلن أنه جانح للسلم و”يدعو بالتي هي أحسن”، أو من يوجد في منزلة بين المنزلتين، أو من يشكك في دعوات الجميع معتبرا أنهم أوجه متعددة لحقيقة واحدة هي التأسيس لخطاب متشدد يروم خلق قطيعة مع التاريخ والسير عكسا لمجراه نحو الخلف بدل السير إلى الأمام.
لكن السؤال المطروح هل كل الحركات السلفية تتضمن في ذاتها عنصر السلب هذا؟ أليس في الإمكان العثور على نماذج مستنيرة وسط هذا الكم من التيارات التي تناسلت عن التيار الأم والذي يعد امتدادا للأفهام المتشددة للنص الديني، وهذا ما يجعل أصحاب هذه الحركات يرفضون نعتهم بالتيار أو الحركة بل يصفون أنفسهم أنهم هم الإسلام على حقيقته الأولى قبل أن تنضاف إليها ما يسمونه البدع والممارسات الدخيلة.
وبالعودة إلى تاريخ الحركات الدينية في المغرب، نجد أن التيار السلفي كما ظهر خلال النصف الأول من القرن الماضي ببلادنا، على يد مجموعة من الأسماء المرجعية التي أضفت على هذا التيار بعدا مستنيرا، قبل أن يعرف نكوصا مهولا وخطيرا على مستوى الخطاب والممارسة خلال السنوات الأخيرة، فأسماء من قبيل بوشعيب الدكالي أو محمد بلعربي العلوي وعلال الفاسي أو حتى تقي الدين الهلالي لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنتها مع من يمثلون السلفية في الفترة الراهنة، فالبون بينهما شاسع، كما أن الظروف التي أفرزت كلا منهم متباينة لكن مع ذلك يمكن المجازفة وإصدار حكم حول أفضلية سلف السلفيين على خلفهم، وكأن منطق “السابق أفضل من اللاحق” الذي يؤسس للتجربة يأبى إلا أن يعيد نفسه مع أصحابها.
ففي كتابه “أمير المؤمنين” يقول جون واتربوري “إن أصول الحركة الوطنية المغربية ترجع، كمثيلاتها بالشرق إلى النهضة الدينية السلفية” وتمكنت الحركة الوطنية لدى تشكلها خلال الثلاثينات على يد مجموعة من الشيوخ والمفكرين الشباب أمثال بوشعيب الدكالي وبلعربي العلوي وفي ما بعد علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، من توسيع دائرة أنصارهم وسط الشباب المغربي خلال مدة وجيزة، واستطاعوا الانتقال من المجال النظري إلى التطبيقي في مدة وجيزة، رغم الصعوبات التي واجهتهم والمتمثلة أولا في الاستعمار الفرنسي وثانيا البيئة المغربية التي كانت مشبعة بالتصوف الطرقي وأقطاب الزوايا الذين كانوا من ألد أعداء السلفية أو العكس هو الصحيح.
ولعل ما يمكن به تلخيص طبيعة التفكير السلفي لرواد الحركة الوطنية هي هذه الفقرة التي كتبها علال الفاسي في كتابه “حديث المغرب في المشرق” بالقول إن الحركة الوطنية كانت “حركة سلفية ووطنية في وقت واحد، إذ أنها سلفية لأنها تريد إقرار الشرع الإسلامي، وتثبت دعائمه في البلاد، وهي وطنية لأنها تقاوم السيطرة الأجنبية وبرامجها للامتلاك الأبدي لبلادنا”.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق