نواقص كثيرة قال عبد اللطيف ركادي، إن أي حكم على قاتل بن احمد هو سابق لأوانه، وإن المحكمة وحدها المؤهلة لإصدار أحكام، كما لها صلاحية الاستعانة بخبرة طبية، للتأكد من القدرات العقلية له لحظة اقترافه لجريمته . وواصل ركادي «هذه الجريمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لأن ذلك مرتبط بضعف مؤشر التغطية النفسية والتكفل بالمرضى، ف 90 في المائة من المرضى ليسوا عدوانيين و10 في المائة منهم هم من يشكلون خطورة على الناس وعلى أنفسهم». وتابع "التكفل بالمرضى نفسيا لا يتم في بلادنا بالشكل الأتم، لا من الناحية الطبية فقط، ولكن أيضا من حيث المصاحبة الاجتماعية الضرورية للمرضى، فنحن نعاين اليوم أن هناك خللا واضحا له ما بعده من الانعكاسات السلبية، ويتعلق الأمر بتزايد عدد المرضى نفسيا، بمقابل ذلك هناك تراجع في العرض العلاجي، والدليل على ذلك أنني قضيت 31 سنة في الطب النفسي بالقطاع العام، وأسجل سنة بعد أخرى تراجعا فظيعا فيه، فقد كنا ثلاثة أطباء للطب النفسي بمستشفى محمد الخامس، وغادرناه سنة 2015 بالتقاعد، ومع ذلك لم يتم تعويضنا». وتأسف ركادي على حال الصحة النفسية ببلادنا وقال "الطب النفسي ببلادنا لا يحظى بالعناية اللازمة في السياسات الحكومية المتعاقبة، إلى درجة أن المرضى نفسيا يتم اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، رغم أن الدستور يكفل لهم العلاج والتتبع، لكن واقع الحال إن جميع الأجنحة المخصصة لعلاجهم، فقط عبارة عن جدران وحقن ممتدة الأمد، وها نحن نرى أن مستشفى محمد الخامس بالجديدة، بني من جديد وفيه كل الاختصاصات إلا الطب النفسي، وهذا يعكس بوضوح أنه ليس فعلا ضمن أولويات السياسة الصحية ببلادنا». عبد اللطيف ركادي (مختص في الأمراض النفسية والعقلية) مسؤولية وزارة الصحة كشف بوشعيب بنقرايو أن مرضى الأمراض العقلية والنفسية بإقليم الجديدة، يعيشون وضعية صعبة تنذر بعواقب غير محمودة، وتابع موضحا " بعد مغادرة ثلاثة أطباء مختصين في الأمراض العقلية والنفسية المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة، خلف ذلك فراغا ملحوظا، إلى حد طرح علامات استفهام حول مصير صحة المرضى وتحمل عائلاتهم والخطر المرتبط بذلك، استحضارا لحادثة ابن احمد». وأضاف بنقرايو «مغادرة الأطباء الثلاثة للمستشفى سالف الذكر منذ مدة، أدى إلى حرمان المرضى من العلاج والمتابعة الصحية المنتظمة، وعدم تمكنهم من الحصول على الأدوية المبنية على وصفة طبيب اختصاصي، ما وضع أهالي المرضى أمام خيارين، إما تكبيلهم بالسلاسل والقيود في المنازل، اتقاء لأي سلوك عدواني منهم، أو تسريحهم في الشوارع والطرقات، وهو ما يشكل خطرا على المواطنين». وعلى خلفية ما سبق، أحمل المسؤولية للقائمين على الصحة العمومية "أمام هذا الوضع بات على وزارة الصحة تحمل مسؤوليتها، وعدم ترك سكان إقليم الجديدة بدون مصلحة للطب النفسي وبدون طبيب مختص، وقد كان ذلك مطلب العديد من الجمعيات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني». بوشعيب بنقرايو (إعلامي وناشط تربوي) استقاهما: عبد الله غيتومي (الجديدة) ضحايا المجتمع إن تحميل الدولة مسؤولية تنامي الأمراض النفسية والعقلية فيه نوع من الاختزال، لأن عمق الأزمة مرتبط كذلك بدور المجتمع أكثر مما هو متعلق بغياب سياسة صحية ونفسية متكاملة، إذ في ظل التفكك الاجتماعي، وغياب حوار أسري، يجد الشاب المغربي نفسه، وسط فراغ عاطفي وقيمي كبير، ما يؤدي به إلى التعاطي للحشيش أو الأقراص المهلوسة أو حتى الكوكايين، هروبا من واقع لا يمنحه أي معنى، ومن هنا تبدأ رحلة الانهيار النفسي، التي تتطور من قلق واكتئاب إلى سلوك عدواني أو ميول انتحارية. لكن الأخطر من ذلك، أن المجتمع لا يعترف بالإدمان مرضا، بل ينظر إلى المدمن بازدراء، ويعزله بدل مساعدته، حيث يجد المريض نفسه ضحية للسموم التي تفسد توازنه العقلي، وضحية لنظرة الناس التي ترفضه وتدين ضعفه، ما يدفعه إلى كتم معاناته بدل التماس العلاج، تفاديا للإحراج أو نظرة الآخرين. في حين تصبح الأسرة، التي يجب أن تكون ملاذا آمنا، مصدرا مباشرا للضغط والانفجار، عبر العنف أو التسلط المبالغ فيه. لذلك، يجب على المجتمع، بما فيه الأسر والمدرسة والمسجد والإعلام، الإسهام في تغيير العقليات، وبناء وعي مجتمعي يجرم المخدرات أخلاقيا، ويشجع على العلاج بدل التستر، دون إغفال دور الدولة، التي يجب عليها الاعتراف بأن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الأمن الصحي للمواطن، وتخصيص ميزانية حقيقية لتكوين الأطر، وإنشاء مراكز القرب، وتحسين ظروف العلاج والوقاية. محمد المعوني (مفتش تربوي للتعليم الثانوي بطنجة) سياسات فاشلة أرى أن مسؤولية تنامي الأمراض النفسية والعقلية بالمغرب تتحملها الدولة بالدرجة الأولى، نتيجة فشلها في وضع سياسات اجتماعية وصحية تحمي الفرد من الانهيار الداخلي، إذ رغم الاعتراف المتأخر بأهمية الصحة النفسية، لا زال الوضع يعاني هشاشة بنيوية ناتجة عن غياب المراكز المختصة في العلاج النفسي بأغلب المدن والجهات، بالإضافة إلى الخصاص الحاد في الأطباء النفسيين والممرضين المتخصصين في الصحة النفسية والعقلية، ما يؤدي إلى ترك حالات خطيرة دون رعاية، خصوصا في المناطق الهامشية التي لا تتوفر حتى على طبيب عام بشكل دائم. ومن أخطر المؤشرات التي تؤكد فشل الدولة في ضبط الوضع والتحكم فيه، الانتشار المتزايد لتعاطي المخدرات في صفوف فئات واسعة من الشباب والمراهقين، نتيجة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة، التي تولد لديهم ضغطا نفسيا خانقا وتدفعهم إلى تعاطي هذه المواد السامة للهروب من الواقع،وتؤدي بهم إلى اضطرابات نفسية حادة، كالاكتئاب المزمن، والذهان، ونوبات الهلع، بل والانفصام أحيانا... ومما يزيد الصورة تعقيدا، الانتشار الواسع للمخدرات داخل المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة، وبجل الأحياء الشعبية والراقية، إذ صارت المخدرات، سواء الخفيفة أو القوية، تروج على مرأى ومسمع من الجميع،ليس فقط بسبب غياب الرقابة الأمنية، بل لأن المجتمع أصبح يعتبر الظاهرة جزءا من "ثقافة الشارع"، وأصبح المراهق، الذي يتعاطى الحشيش أو الأقراص المهلوسة، لا يجد من ينصحه أو يحذره، بل يتلقى التشجيع على المضي قدما، إلى حين دخوله إلى مرحلة الإدمان وانفجار الاضطرابات النفسية التي يصعب علاجها في ظل المعطيات السابقة. رشيد كلو (فاعل نقابي وسياسي بطنجة) استقاهما: المختار الرمشي (طنجة)