fbpx
حوار

أوريد: الدول الفقيرة ضحايا شركات اللقاح

الكاتب والأديب المغربي قال لـ «الصباح» إن أمريكا لم تنته بعد والشعبوية مرض الديمقراطية وخطر قائم

قال حسن أوريد، الكاتب والأديب المغربي، الذي حل ضيفا على مكتب “الصباح” في الرباط، إن هناك أزمة قيم، أو كسادا ديمقراطيا كما قال البعض، ما أسهم في ظهور الشعبوية. وأكد الأديب المغربي، أن الربيع العربي أخفق في ترسيخ الممارسة الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن عشر سنوات على الحراك كفيلة بالحكم على فشله، كما أن مؤشر الإخفاق ظاهر على وضعية الدول الفاشلة. ويرى الأكاديمي أوريد أنه لا يمكن الجزم أن كورونا نتيجة حرب بيولوجية، لغياب معطيات دقيقة، قبل أن يتابع “قيل أثناء ولاية ترامب، إنه فيروس صيني أريد منه تدمير الاقتصاد الأمريكي. مثل هذه القضايا من العسير الزعم أنها حرب بيولوجية، علما أن الخطاب الأمريكي حيال الصين تغير مع ظهور كورونا”. وتطرق المفكر والكاتب إلى مجموعة من القضايا الراهنة، نعرضها في الحوار التالي:

إعداد: مكتب الرباط وتصوير (عبد المجيد بزيوات)

> كيف ترون واقع العالم على ضوء ما حللته في كتابك “عالم بلا معالم”، هل فعلا انتهى التاريخ وانتصرت القيم الليبرالية كما روج فرانسيسكو فوكوياما على نطاق واسع؟
> يأتي كتابي “عالم بلا معالم” للرد على أطروحة فرانسيسكو فوكوياما التي صاغها عقب سقوط حائط برلين حول نهاية التاريخ، والتي يمكن أن توجز في سيادة القيم الليبرالية، وسياسيا من خلال ترسيخ الديمقراطية، واقتصاديا عبر هيمنة اقتصاد السوق تحت ريادة أمريكا. هو ذا مؤدى أطروحته باختصار شديد.
من الناحية التاريخية صاحب أطروحة نهاية التاريخ لم يكن فوكوياما، وإنما الفرنسي ألكسندر كوجييف من أصل روسي، وهو من شراح الفيلسوف الألماني، فريديريك هيغل، وكان أستاذا لريمون أرون، وكان أول من قال بنهاية التاريخ في ركاب أوربا.
ما يظهر جليا هو أن قيم الليبرالية لم تسد كما بشر بذلك فوكوياما، ونظام السوق في صيغته النيو ليبرالية في أزمة، والقيم السياسية التي يتضمنها طرحه، وتتمحور حول الديمقراطية في مخاض بدورها. وبالتبعية فالولايات المتحدة لم تعد هي قاطرة العالم، ونحن نعيش تعددية قطبية فعلية. هذا ما وضحته في الكتاب.

> هل أثرت الأزمات على القيم الكونية التي تسود الآن العالم وتزعزع القيم التقليدية لكل المجتمعات؟
> هناك فعلا أزمة قيم أطلق عليها البعض مصطلح كساد الديمقراطية، مما أسهم في ظهور الشعبوية، وهذا كله يدحض أطروحة نهاية التاريخ. هناك قضايا مستجدة عرضت لها، منها الديكتاتورية الرقمية، وأفردت فصلا للهجرة، باعتبارها مشاكل الغد. قد لا يرى القارئ وجود خيط ناظم للكتاب، ولكنه قائم ضمنيا، وهو رد على أطروحة فوكوياما حول نهاية التاريخ.
> هل هناك مخطط فعلا لتدمير النظام الليبرالي خصوصا بعد تبادل الاتهامات بين إدارة دونالد ترامب والصين الشعبية بنشر الفيروس أو التلاعب في جيناته؟
> لست مؤهلا علميا كي أخوض في تحديد من يقف وراء نشر كورونا، ويمكنني أن أتكهن، لكنها مجرد فرضيات. ما يهمني هو اتخاذ جائحة كورونا محطة مفصلية، وكما أوضحت في توطئة الكتاب، نستعمل علامات تاريخية فارقة كما هو الشأن بالنسبة إلى 11 شتنبر، لكن لا يمكن أن نختزل التاريخ في أحداث أو تواريخ. لا يمكن أن نذهل عن حركية الأفكار. حرق البوعزيزي، لحظة فارقة، ولكن ما أكسب الحدث الزخم الذي عرفه هو الدينامية الفكرية التي سبقته. لا يمكن اختزال التغيرات الدولية في أحداث أو تواريخ. الأحداث تتشابك مع حركة فكرية، تفضي إلى مرحلة فارقة، نؤرخ فيها لما بعد وما قبل. جائحة كورونا لحظة مفصلية، لأن هناك ما قبل، وما بعد. لكن ليس معناه أن الأزمة الحالية منفصلة عن ارتدادات كانت قبل جائحة كورونا.
منذ 2003، بعد فشل تجربة تدخل أمريكا في العراق، وأزمة 2008 الاقتصادية. عرّت جائحة كورونا وضعا متأزما.
منذ الذكرى 30 من سقوط جدار برلين في 9 نونبر 2019، كنت أفكر في اهتزاز عالمي بعد سقوط حائط برلين. ووقفت على كتاب لاقى اهتماما كبيرا في الغرب لإيفان كراتستف وستفان هولمس، Ivan Krastev et Stephen Holmes والمعنون بالفرنسية “الزمن اللاليبرالي”، وفي أصله بالإنجليزية، “النور الذي أخفق”، ” The Light That Failed”، وكان جليا أن الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ظهرت قبل كورونا، وعلى مستوى العلاقات الدولية كانت الأحادية القطبية تترنح. انتقلنا إلى وضع جديد الآن مع نُذُر الحرب الباردة.

> أظهرت كورونا أخطاء الدول في تدبير قطاعات مثل الصحة والتعليم والبحث العلمي كيف سيتم تجاوز الأزمة، وهل يمكن استخلاص العبر؟
> لا توجد ايجابيات بالمطلق، ولا سلبيات بالمطلق كذلك، وإذا استخلصنا العبر والدروس من كورونا، سيكون الأمر إيجابيا. يظهر جليا أن الدولة لا يجب أن يقتصر وجودها على القيام بدور المسهل، كما لا يمكن في نهاية المطاف اعتبار الخدمة الاجتماعية، و المرافق العمومية للمواطنين، مثل التعليم، والصحة، كأنها سلع، لذلك اعتبرت أن قضية انسحاب الدولة من قطاعات اجتماعية حيوية يعد خطرا، لذلك يجب استخلاص العبر حتى يصبح الأمر إيجابيا.
سبق للرئيس الأمريكي جو بايدن أثناء حملته الانتخابية أن أطلق خطة جديدة لإنقاذ الوضع في بلاده أطلق عليها ” نيو ديل” ، ومن دون شك ستكون ايجابية إذا استطاعت البشرية توسيع مجالها لتتجاوز أمريكا وتصبح عالمية” Global New Deal”. سيكون الأمر مفيدا أن تكون الخطة عالمية، لإنعاش الاقتصاد وإرساء قواعد جديدة في العلاقات الدولية.

لابد للدولة أن تسترجع سيادتها
> يظهر أن تيار نهاية التاريخ وسيادة قيم الليبرالية نجح فعلا بخلاف ما يروجه البعض بأنه غير صحيح، بسبب هيمنة شركات ومختبرات الأدوية واللقاح التي تتحكم في نمط عيش البشرية ككل، عوض الدول. ألم يحن الوقت للإقرار بانتصار التيار الليبرالي الذي يتحكم في سلوكنا؟
> لا بد للدولة أن تكون فاعلة، وأن تسترجع سيادتها، وأكيد أن منظومة النيوليبرالية ما تزال تفرض توجهها. في ما يخص هذا الموضوع، نحن الآن في بداية مسار، وليست لدينا مسافة زمنية كي نحكم، وبدون شك هناك الزائف والصحيح في ما يرافق اللقاح، وقيل إن اللقاح هو من أجل تنميط حياة الناس. ولا أستطيع أن أجزم في هذا الأمر، أعتقد أن اللقاح ضروري، ولا يوجد حل آخر سواه.
للأسف الشديد قيل قبل اكتشاف اللقاح، إنه لن يكون لأغراض تجارية، لكن ما حدث يثبت العكس، إذ تحكم هاجس الربح بين الكبار على حساب الدول الفقيرة. البشرية واحدة، ولا تمييز بين مكوناتها. وللأسف فإن اكتشاف اللقاحات وصراع الشركات كان بدواع تجارية محض، إذ طغى جانب الربح على الاعتبارات الإنسانية، والضحية هي الشعوب الضعيفة والدول الصغيرة، التي لا تتوفر على مختبرات، ولا مال لشراء اللقاح. وأرجو أن يتم استخلاص العبر من هذا الزيغ في تسويق اللقاح.
> هل نشهد حربا بيولوجية أم ستستمر الحرب الباردة؟
> لا أستطيع الجزم بأنها حرب بيولوجية. قيل أثناء ولاية ترامب إنه فيروس صيني أريد منه تدمير الاقتصاد الأمريكي، من العسير جدا الزعم أنها حرب بيولوجية في غياب معطيات دقيقة ومعرفة علمية. هل هناك حرب باردة؟ من المؤكد أنه تم استعمال هذا المصطلح من قبل المتصارعين، والخطاب الأمريكي حيال الصين تغير مع ظهور كورونا، ويتم نعتها بالحزب الشيوعي الحاكم في الصين. نحن نعيش إرهاصات حرب باردة، وبدون شك لن تكون نسخة للحرب الباردة التي سادت سابقا بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفياتي المنحل.

لا قوة تزاحم أمريكا عسكريا
> يتحدث الأمريكيون دائما إنهم ضحايا، سواء خلال كورونا، أو قبلها وحتى في الحرب العالمية الثانية ربحت أمريكا عسكريا وخسرت معنويا وماليا، كيف تفسرون هذا الأمر خاصة أن ترامب أحيى نزعة قومية لمواجهة منافسي أمريكا؟
> لا أريد الوقوف كثيرا عند دونالد ترامب، رغم أنني أعتقد أن الترامبية لم تنته. ترامب لم يبرز فجأة، ولكن جاء نتيجة واقع موضوعي. كان يردد ما يقال في شرائح أمريكية من أن الأمركة لم تكن في صالح أمريكا، وأن أمريكا تكسب الحرب وتخسر السلم. ربحت الحرب العالمية الثانية، واستفادت منها اليابان، وألمانيا، وكسبت الحرب الباردة، واستفادت منها الصين الشعبية.
أمريكا تعرف أزمة عميقة وجودية. يتوجب أن نعرف ماذا يعتمل في أمريكا، فهي من وضعت نواميس العالم، وتحدد الاتجاهات التي يسلكها العالم، وسياستها وخياراتها تنعكس على الدول. المفاهيم الكبرى التي عشنا معها خلال الثلاثين سنة المنصرمة هي من صياغة أمريكا، مثل النظام العالمي الجديد، وصراع الحضارات، والقوة الناعمة، والفوضى الخلاقة، ونهاية التاريخ، وتوافق واشنطن. فهي من يصوغ المفاهيم ويحدد التوجهات العامة، وهي كلها مفاهيم لم تخرج من رحم الصين الشعبية، ولا من الهند، ولا أوربا بل من رحم الولايات المتحدة.
وفي جميع الحالات، لن تبقى أمريكا فاعلا وحيدا. لا أزعم كما في بعض القراءات السطحية أن أمريكا انتهت، ولكن أقول إن القطبية الأحادية هي التي انتهت، وهذا لا يعني بتاتا نهاية أمريكا، لأنها لوحدها تستحوذ على 40 في المائة من القوة العسكرية ذات التقنية العالية بترسانة عالمية متميزة نوعيا، مع أحلاف وقواعد عسكرية في العالم وأساطيل بحرية، ولا توجد في المنظور القريب قوة من شأنها أن تزاحم أمريكا عسكريا.

> هل بذهاب ترامب ومجيء بايدن ستنتهي الشعبوية أم ستستمر؟
> هذا من التحديات التي تواجه العالم، وهناك دراسة رصينة للفرنسي بيبر روزانفلان Rosanvallon حول الشعبوية، الذي اعتبر أنها قدر القرن الحالي في كتابه “قرن الشعبوية”. الشعبوية ظاهرة معقدة، وتثير مخاوف في الغرب. هي حقيقة، وترامب يشكل نموذجا لها. لا ينبغي أن ننسى أن هناك 75 مليونا صوتوا على ترامب. هناك اتجاه في أمريكا مضمر، يؤمن بتميز الإنسان الأبيض، والقوة لحل الخلافات. ينبغي التذكير بحدث تفجير أوكلاهوما سيتي في 1995، حينما تم استعمال العنف والقوة من قبل شاب تيموتي ماكفي، وهو التفجير الذي خلف أكثر من 60 ضحية، وتم اكتشاف أن الجاني يرتبط بتوجهات وتنظيم.

> ما هو تأثير الشعبوية على المغرب وأين يتجسد هذا؟
> حرصت على التمييز في المفاهيم، لأن هناك خلطا بين الشعبوية، والديماغوجية، فالأولى عرَض من أعراض اعتلال الديمقراطية، ويعسر أن نتحدث عن الشعبوية في ظل غياب الديمقراطية، إذ لا يمكن التحدث عن الشعبوية في نظام شمولي مثل كوريا الشمالية، أو في أنظمة “أتوقراطية”، أو تيوقراطية”، لأنها حالة لصيقة بالديمقراطية.
لكن يمكن تصور أن تكون للشعبوية في الغرب انعكاسات على دول الجنوب. وهو ما حصل، إذ يمكن أن تقع تحالفات بين أنظمة شعبوية في الغرب، وأنظمة سلطوية في الجنوب..
الانتخابات أصبحت “شو”

> هل يمكن القول إن الشعبوية كشفت قصور بعض أوجه الديمقراطية في صيغتها الحالية عن طريق صناديق الاقتراع؟
> هناك لافتة حملها متظاهرون في اسبانيا تقول “نقترع ولكن ليس لنا صوت”. ولذلك تزعم الشعبوية أنها تصحيح للمسار الديمقراطي، وتقول “نحن الشعب”، أي أنها تحتكر تمثيل الشعب، وتعتبر أن النخب استحوذت على القرار، سواء النخب التكنقراطية داخل الدول، أو نخب بروكسيل في ما يخص أوربا، وحتى ترامب مثلا الذي يمثل الشعبوية اليمينية، كان يصب انتقاده ضد “استابليشمنت”، ولذلك الشعبوية تقول نحن عودة لروح الديمقراطية، نحن الشعب ونعود لتصحيح مسار الأمور. والمشكل اللصيق بالشعبوية أنها ترفض كل الاتجاهات التي لا تندرج في اتجاهها، أو تصورها، أي أنها تحتكر الشعب، وتقول نحن الشعب، وغيرنا ليس الشعب. لا تؤمن بالتعددية، وهنا تكمن الخطورة.
لو كانت الاتجاهات الشعبوية اليمينية تقول نحن جزء من الشعب، فلا جدال في ذلك، لكن الخطورة مثلما يقول الباحث الألماني مولير في كتاب له بعنوان “ما الشعبوية” أنها تحتكر تمثيل الشعب، وتقوم على استعداء الآخر، العدو هو الآخر، إذا أردنا أن نستعمل جملة جون بول سارتر “الجحيم هو الآخر”، والآخر هم المسلمون والمهاجرون والمكسيكيون في الولايات المتحدة الأمريكية. هناك شعبوية أخرى، يسارية، وقد عرضت في كتابي “عالم بلا معالم” إلى تنظير شانتال موف، منظرة هذا الاتجاه، وهي تعتبر أن هناك زيغا للمسار الديمقراطي، إذ أن الانتخابات أصبحت “شو”، وأن المهيمن في نهاية المطاف هي الأوليغارشيات المالية، ولذلك الحل هو الشعبوية اليسارية التي تستعيد السيادة الشعبية. عمليا، يجب أن نقر أن تأثير الشعبوية اليسارية محدود، والحالات التي برزت فيها، لم تستمر مثل بوديموس في إسبانيا، ولذلك فالشعوبية اليمينية هي الأكثر تأثيرا.

> هل يمكن الحديث عن الشعبوية الإسلامية؟
> هناك كتاب صدر برئاسة “برتراند بادي” يعرض فيه لشعبوية إسلامية، لكنني شخصيا أظل وفيا للإطار الأكاديمي الذي يقول إن الشعبوية اعتلال للديمقراطية، وأحد أعراضها، ولذلك لا يمكن أن نتحدث عن شعبوية إسلامية. يمكن أن ننعت بعض الأنظمة، أو اتجاهات في دول إسلامية بالديكتاتورية أو الشمولية. تجربة أردوغان تدخل في خانة الشعبوية، لأنه في نهاية المطاف تجل لمسار ديمقراطي، وهناك نوع من احتكار التمثيل، ودور القائد. من الخصائص المميزة للشعبوية، هو الدور المحوري للقائد، أي أن هناك دائما التفافا حول شخص كاريزمي، لا أدري ما إن كان من الجائز القول إن هناك في تركيا تجربة شعبوية إسلامية، لكنها بكل تأكيد تدخل في خانة الشعبوية.

بنكيران وشباط والعماري ليسوا شعبويين
> هل يمكن اعتبار تجربة بنكيران شعبوية؟
> أكاديميا لا نستطيع ذلك. هناك تضخم في استعمال مصطلح الشعبوية، مما يفقده معناه. إذا اعتبرنا الشعبوية اعتلال الديمقراطية، فيصعب أن نجري هذا الحكم، لأننا نقر عمليا بوضع ديمقراطي في المغرب. يمكن أن نتحدث عن فترة انتقالية، أو ديمقراطية هجينة. لذلك لا يمكن أن ننعت أسلوب بنكيران وشباط والعماري وغيرهم إلا بالديماغوجية، لكن أكاديميا حسب الضوابط المعروفة، من الصعب الحديث عن الشعبوية.
لا بد أن نتحدث في إطار مفاهيم مضبوطة، وتحديد متواضع بشأنه ومتفق حوله. من الأمور الملازمة للشعوبية مثل ما درس بيير روزنافالون ما أسماه “ديغاجيسم” dégagisme، أي أن الاتجاهات الشعبوية بحكم أنها تحتكر التمثيل، تطالب بتنحي الآخرين، كالتي برزت في أمريكا اللاتينية، وهي شعارات تنادي بالارتحالية، لا أدري إن كانت الترجمة موفقة. هناك خلط في المفاهيم، كما الشعبوية والديماغوجية، والحال أنني أظل وفيا في كتابي للمفاهيم المتواضع بشأنها، ولا يمكن الحديث عن شعبوية، حيث لا تكون هناك ديمقراطية.

> قلتم إن القيم السياسية تعيش أزمة، برأيكم ما سبب هذه الأزمة؟
> أي قيم سياسية؟

> بمعنى أن الأشخاص لم يعودوا يمارسون السياسة بأخلاق، وبكل المظاهر السلبية؟
> تطرقت في الكتاب عن انزياح يطول بالأخص مفهوم السيادة الشعبية. السيادة الشعبية أصبحت مهددة في الغرب، بطبيعة الحال لم ترْق عندنا السيادة الشعبية بعدُ لكي تكون مرجعية قيمية. الشعب يصوت في الغرب ولا يختار. يختار قيادييه، ولا يختار السياسة التي يُحكم بها، والتي يحددها تقنقراطيو بروكسيل. هناك سابقة باليونان، حيث صوت الشعب خلال استفتاء برفض “ديكتات” “ترويكا” بروكسيل، لكن “تروكيا” الأوربية مارست ضغوطا على الحكومة اليونانية، من أجل تطبيق إملاءات بروكسيل. لم تعد للاستفتاء الشعبي قيمة، وهو الأمر الذي حدا بالبعض للحديث عن “الديمقراطية المخصاة”La démocratie castrée “.
الديمقراطية في الغرب تعيش أزمة، ولذلك انصب خطاب الرئيس الأمريكي بايدن خلال حفل التنصيب على عودة الديمقراطية.
هناك انزياح للقيم، لم أعرض لها في هذا الكتاب، وعرضت لها في كتب أخرى، هو أن سيادة المنظومة النيوليبرالية، أفضت إلى تشييء كل شيء، وأصبحت القيمة والمعيار هو المال وليس القيم، حتى في ما يخص الجانب الاجتماعي تمت التضحية به، مع ما تراكم في أوربا من امتيازات اجتماعية تمت التضحية بها. العالم يعيش أزمة قيم، بشهادة الغربيين، وهذا ينعكس علينا.
بالعودة إلى أطروحة “فوكوياما”، الذي تحدث بأن الإسلام هو الذي يهدد الليبرالية وسيشكل نهاية التاريخ، وأن المستقبل هو لليبرالية.

> هل يمكن اعتبار حروب الخليج والشرق الأوسط وتأسيس داعش حربا إيديولوجية على الإسلام، أم أن هناك حربا اقتصادية تحكمت بالدرجة الأولى في هذا الصراع؟
> لا أدري إن كان “فوكوياما” تحدث عن خطر الإسلام، لكن بغض النظر عن ذلك فإنه بعد سقوط حائط برلين، كان هناك خطاب سائد، حول ما هو الخطر المقبل على الغرب بعد اندحار خطر الشيوعية، وقد عرضت لذلك في كتيب صغير بعنوان “الإسلام والغرب والعولمة”، كما كان هناك تصريح لأمين عام حلف الناتو “كليتز “Claits، من أن الإسلام هو الخطر المقبل. كان هناك تمرين من قبيل الإقناع الذاتي L’autosuggestion حول خطر الإسلام، لكن العالم الإسلامي ليس وحدة متجانسة، ولا يمكن أن نجري القوالب نفسها التي كانت بالحرب الباردة. من دون شك أن ما بعد 11 شتنبر 2001، غيّر النظرة تجاه العالم الإسلامي، مع التمييز بأن هناك عدوا هو الراديكالية الإسلامية، لكن الكثيرين لا يقيمون تمييزا بين الإسلام الراديكالي والإسلام كدين و ثقافة. الأعداء المحتملون للغرب كما ميزهم مؤتمر الناتو في الذكرى السبعين لتأسيسه، في يناير 2020 ببريطانيا، الصين وروسيا والراديكالية الإسلامية.

“بيجيدي” لم يغير لا الديكور ولا القوانين
> هل حقق الربيع الديمقراطي أهدافه في ترسيخ الديمقراطية؟ وما تفسيركم لصعود الإسلاميين في العالم العربي، هل نجحوا في مهمتهم؟
> الجواب عن السؤال لا يحتاج لخبرة. الربيع العربي أخفق، وعشر سنوات كافية لتقييم تجربة هذا الربيع. هناك دول فاشلة، وليست هناك تجربة ديمقراطية راسخة، وحتى حزب العدالة والتنمية المغربي لم يغير لا “الديكور” ولا القوانين في المغرب، شأنه شأن حركة النهضة بتونس، فثورة تونس كانت واعدة، لكنها تعيش حاليا مخاضا عسيرا.
تجربة الإسلاميين في الحكم، انسكبت في أحسن الأحوال في الإطار القائم، كما ممثل يصعد للركح، دون أن يتقن الدور، ليمثل المسرحية نفسها بالنص نفسه، لكن مع عدم امتلاك اللغة.
والسؤال المطروح والمشروع، هل يمكن أن ينتقل التوتر الذي يعرفه الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا. هناك تخوف أن تصبح شمال إفريقيا ساحة للحرب الباردة.

> هناك من يدعو إلى الانخراط الشامل في العولمة وفي الوقت نفسه يطالب بحقوقه القبلية والإثنية مثل نشطاء الأمازيغية، كيف تفسرون هذا التناقض؟
>  هذا من الاتجاهات التي برزت في بداية العولمة، بروز نقيضها، من الخصوصيات الثقافية قال بذلك بنيامين باربر في كتابه Jihad Versus Mc World، أي أن العولمة تفضي إلى بروز خطابات هوياتية، سواء دينية أو عرقية، أو ما يسمى في فرنسا الانكماش الهوياتي.
لكن اليوم، لم نعد في هذا السياق، وأصبح الأمر متجاوزا، وأصبحنا نعيش في وضع يمكن من خلاله استعمال هذا التنوع الثقافي قنابل موقوتة، يُتحكم فيها عن بعد، دون  أن تكون للدول الوطنية، من وجهة نظري، أدنى سيطرة على هاته التعبيرات.
فمثلا الدولة العراقية ليست لها أي سلطة في إقليم كردستان. الولايات المتحدة في سياستها في المنطقة رسخت الطائفية، وجعلت من العراق أنموذجا ورسمت خطاطته، فيما يسمى في العراق المحاصصة. وهي التجربة التي فشلت. نعيش وضعا يجعل الدولة الوطنية لا تتحكم في البنى الثقافية والتي يمكن أن توظف، وهذا الوضع الذي يبرز بشكل جلي في الشرق، يُخشى أن ينتقل إلى شمال افريقيا.

الحرية الفردية تحتاج إلى ترسانة قانونية
> تحدثتم عن الحرية الفردية وأنها ضرورة اجتماعية، وتعتبر مثل النوم، الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ولا يمكن تصور حياة متوازنة دون حرية فردية، فما هو مفهومكم للحرية الفردية، وحدودها؟
> من المفترض أن يقوم المجتمع الحداثي على حريات فردية، لكن الذي حدث أن التكنولوجية، تطورت بشكل أصبحت تحد من الحرية الفردية. فوسائل الاتصال الحديثة أضحت تتيح إمكانية دخول حميمية أي شخص، و تقلص من مجال حريته. من أجل ذلك، فالوسيلة الوحيدة لحماية الحرية الفردية هي القانون، لكن هل الترسانة القانونية المتاحة تستطيع أن تحمي الحريات الفردية؟ الجاسوس الأمريكي “إدوارد سنودن”، قال في كتابه إن الحرية الفردية في العالم مهددة. فلا يمكن عمليا، ولاعتبارات عديدة، إلغاء التكنولوجية، لكن من الضروري حماية الحرية الفردية من خلال ضوابط قانونية وأخلاقية أيضا، سيما أن الموضوع طُرح في المغرب، أكثر من مرة، في الوقت الذي تم تداول بعض الصور وفيديوهات تكشف الحياة الخاصة للأشخاص. أعتقد أنه لابد من وضع ترسانة خاصة لوضع حد لانتهاك الحياة الشخصية للأفراد. كان هناك اتفاق في بعض الدول على الاحترام الضمني للحياة الشخصية. مفهوم الفضيلة بالنسبة إلى الفيلسوف مونتسكيو، ليس شخصيا أو أخلاقيا، بل هو احترام الصالح العام.

> هل هناك علاقة بين انتهاك الحرية الفردية وبين الدكتاتورية الرقمية وهو المصطلح الذي جئت به في كتابك؟
> لم أصُغ مصطلح “الديكتاتورية الرقمية”، إذ أن خبراء أمريكيين استعملوا هذا المصطلح. الديكتاتورية هي إسكات كل الأصوات، وبالتالي يمكن أن يكون هناك إسكات بوسائل رقمية.  الثورة الرقمية تسهم في كسر احتكار المعلومة والدمقرطة، لكن اليوم صرنا نرى صورة أخرى للثورة الرقمية، ذلك أنها صارت تهدد الحرية الفردية، علما أن البنيات التي استفادت من هذه الثورة، هي المؤسسات الأمنية، مثلا في روسيا والصين وبعض دول العالم العربية. الحرية الفردية ليست ترفا. لا بد للأشخاص مجال حميمي، وهو ضروري كما النوم بالنسبة للتوازن الفيزيولوجي و النفسي للشخص.

أمازيغي وأفتخر

رحلة طويلة تلك التي أسهمت في تكوين شخصية أوريد الثقافية والإنسانية، بدأت من قصر السوق الصحراوية (الرشيدية)، حيث ولد في 24 دجنبر 1962، من أصول أمازيغية. خصوصية هذه المنطقة ونشأته كان لهما الأثر البالغ في تحديد توجهاته الفكرية والثقافية والعلمية، فكان شاهدا على مجموعة من الأحداث، التي أثثت المشهد السياسي المغربي.
فطنته ونبوغه وتفوقه على باقي أقرانه في إحدى المدارس الابتدائية في الرشيدية، أهلته للدراسة مع الملك محمد السادس، ولي العهد آنذاك، بالمدرسة المولوية في يناير 1977، قبل أن يرتقي في سلم التحصيل والمعرفة ونيل الشهادات الواحدة تلو الأخرى.
حصل أوريد على الباكلوريا، ومنها انتقل إلى كلية الحقوق والعلوم الإنسانية في الرباط، حيث نال الإجازة في القانون العام ودبلوم الدراسات المعمقة، قبل أن يناقش الدكتوراه في العلوم السياسية سنة 1999 في موضوع «الخطاب الاحتجاجي للحركة الإسلامية والأمازيغية في المغرب».
تبوأ أوريد منصب المتحدث باسم القصر الملكي مع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، ثم واليا بجهة مكناس تافيلالت، فمؤرخا للمملكة المغربية، وقبل ذلك شغل مستشارا سياسيا في واشنطن.
يعتبر أوريد أن الأمازيغية هوية منطقة شمال إفريقيا كلها وخصوصيتها، لهذا فهو يفتخر ببعده الأمازيغي، كما أن تجربته واليا في مكناس، حيث كانت تسير من قبل حزب سياسي، عمقت معرفته بالحركات الإسلامية والعدالة والتنمية، وساعدته على إصدار كتاب عن مأزق الإسلام السياسي باللغة الفرنسية و»الإسلام السياسي في الميزان».
تفرغ أوريد للكتابة والبحث العلمي وتنشيط الندوات والمحاضرات، ما جعل إنتاجه المعرفي أكثر غزارة وتنوعت مؤلفاته بين العربية والفرنسية والإنجليزية، كما لقيت إبداعاته الفكرية متابعة واسعة حول قضايا ساخنة مثل التحديث والإصلاح والإسلامي السياسي والعولمة، كما انخرط في النقاش العمومي والسياسي والثقافي في العديد من المحطات.
يواصل حسن أوريد، المفكر والأديب والشاعر مسيرة البحث والتحصيل من خلال إصدار كتب قيمة تعكس بجلاء التوجهات الكبرى، التي تشغل الرأي العام العربي والعالمي، آخرها كتابه الجديد «عالم بلا معالم» تطرق من خلاله إلى قضايا ذات أهمية قصوى، نظير تواري الديمقراطية في العالم وكسادها وظهور الشعبوية واستشرائها، كما حاول تفكيك اهتمامات وتطلعات ظلت تسكنه عن أمريكا والصراع الصيني، وأمور أخرى تطرق إليها الأكاديمي والأديب في إصداره الأخير، الذي رد من خلاله على أطروحة فوكوياما حول نهاية التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى