fbpx
ربورتاج

شالة … مقبرة الرموز والأسرار

تعاقب عليها الرومان والوندال ودول إسلامية ومازالت تخفي أكثر مما تعلن

إنجاز: عزيز المجدوب

تبرز أسوار شالة الأثرية مقابلة لباب زعير الذي يعد أحد الأبواب الرئيسية، ولا تكاد تبعد عنه إلا بحوالي مائتي متر، شامخة على الضفة اليسرى لوادي أبي رقراق قبل مصبه في المحيط بحوالي كيلومترين إلى الجنوب الشرقي من الأسوار التاريخية للعاصمة.

ينتصب الموقع الأثري أمام أنظار العابرين من قربه على شكل قلعة أو قصبة، بابها الضخم الذي يعلوه برجان يصنعان له ذلك البروز خارج الأسوار، وهو ما يمنح الموقع هيبة خاصة في النفس، تجعل الزائر يخال نفسه في حضرة موقع أثري شامخ يوحي بعظمة الحضارات التي تعاقبت عليه وساهمت في تشكيله وترك بصمماتها عليه، تلك البصمات التي انمحت معالمها مع تعاقب السنين لدرجة بات معها الموقع يضمر من الأسرار أكثر مما يعلن عنها.
بمجرد ما تجتاز عتبة المدخل الرئيسي للفضاء، تلفحك نسمة ريح باردة تحمل معها عبق تاريخ غامض، قادم من سفح الموقع الذي ينبسط على منحدر يمتد من الباب الرئيسي نحو الجنوب الشرقي، وترخي الأشجار المحيطة بالممرات بظلال وارفة تمنحها انتعاشا يحس به العابر، ممزوجا بالهدوء الذي يكتنف المكان، فتكون المحصلة إحساسا عارما بجلال الفضاء وهيبته.
استقرار قديم

يتحدث الباحث المصري عثمان عثمان إسماعيل في كتابه “حفائر شالة الإسلامية.. أبحاث تاريخية وكشوف أثرية بالمغرب الأقصى” عن منطقة شالة قائلا إنها “تمتاز بمميزات طبيعية أضافت إلى أهمية الموقع الاستراتيجي أهمية حربية. منها الموقع المتوسط بين الجنوب والشمال وقربها من البحر مما جعلها طريقا رئيسيا للقوافل والجيوش عبر تاريخ الإسلام بالمغرب الأقصى عندما كان ملتقى الطرق بين فاس ومراكش وطنجة والأندلس».

ويضيف الباحث الذي استقر بالمغرب خلال ستينات القرن الماضي وأنجز أبحاثا عديدة في الموضوع أن “منطقة مصب أبي رقراق تعتبر أكبر وأصلح مركز للتشجير. ولا شك أن وجود الأخشاب ومجاري المياه للنقل وتوسط المنطقة قد أوجب قيام صناعة السفن خاصة لغرض الجهاد في الأندلس، وهكذا بنى يعقوب المنصور المريني دار صناعة السفن وباب المريسة في سلا المقابلة لشالة على الضفة الأخرى لمصب النهر في البحر المحيط، وقد سبق ذلك إنشاء عبد المومن الموحدي مدرسة بحرية في القصبة التي بناها بالضفة الغربية قرب شالة وسماها المهدية».

ولم يقتصر دور شالة في التاريخ على دور المقبرة الملكية في عصر الدولة المرينية بالقرن الثامن الهجري، وإنما كانت موقعا حيا على الدوام ومنذ ما قبل الإسلام، كما تعتبر شالة من المواقع المغربية التي تمتاز طبوغرافيتها بمميزات خاصة جعلتها مسكونة منذ القدم من قبل الأمازيغ أي السكان الأصليين بالمغرب، كما مر من هذا المكان الفينيقيون الذين استوقفتهم وفرة مياهه العذبة والمصب النهري المتميز الذي يصل البر بالبحر، فاتخذوه مركزا تجاريا على الساحل الأطلسي، ثم دخلت المنطقة تحت النفوذ الروماني فكانت من المرافئ المزدهرة التي استمر إشعاعها زمنا طويلا.
وفي هذا السياق يشير عثمان إسماعيل، خبير الآثار سابقا بوزارة الشؤون الثقافية المغربية خلال السبعينات، في كتاب آخر له بعنوان “تاريخ شالة الإسلامية”، إلى أن شالة بلغت أوج ازدهارها مستعمرة رومانية في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي ولعبت إلى جانبهم دورا كبيرا، بل إن البعض نسبها إلى الرومان لكثرة ما أحدثوه فيها من بناءات. ومنذ أواخر القرن الرابع الميلادي أخذت أهمية شالة تتضاءل مع ظهور الوندال ولكنها عادت مع البيزنطيين إلى مجدها القديم حتى ظهور الإسلام بالمغرب.

تعاقب الدول

في العهد المرابطي ستتحول شالة إلى رباط حصين يلعب دورا كبيرا خلال الصراع العنيف بين المرابطين وبين زناتة تارة، وتارة أخرى بين المرابطين وقبائل بورغواطة. وخلال صراع المرابطين ضد زناتة من بني يفرن ومغراوة، عادت شالة مرة أخرى ليد بني يفرن بينما هب المغراويون بفاس، وهكذا جمع بين شالة وفاس وحدة الصراع ضد لمتونة (المرابطون) إلى أن تم ليوسف بن تاشفين دخول فاس سنة 462 هجرية فكان ذلك إيذانا بآخر سقوط شالة كمملكة تلعب أدوارا خطيرة في النشاط السياسي والإداري والحربي والعلاقات المغربية بالداخل والخارج.
وعندما وصل الموحدون لحكم المغرب، كانت شالة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وقد اقتنع كثير من المؤرخين بفكرة قضاء الموحدين على شالة ببناء مدينة رباط الفتح مقابلة لها، في الوقت الذي تحدث ليون الإفريقي عن أن يعقوب المنصور الموحدي أعاد بناءها، بحكم أن منطقة مصب أبي رقراق وتشمل شالة وسلا والرباط كانت تمثل العاصمة الثانية للموحدين بعد مراكش فقد كانت مركز تجمع الجيوش الموجهة إلى إسبانيا ومركز إقامة الموحدين الصيفي.

وفي عصر بني مرين، (خلَف الموحدين) أصبحت سلا عاصمة المرينيين الثانية بعد فاس، ولفتت أنظارهم فاختارها أبو يوسف يعقوب المؤسس الحقيقي للدولة مقبرة للمجاهدين من ملوك بني مرين وأصبحت شالة مدينة للموتى بعد أن كانت مدينة للأحياء. وتحدثت كثير من الكتابات التاريخية عن العديد من الشخصيات المرينية المدفونة بشالة وهو الأمر الذي أكدته في ما بعد الكشوف الأثرية، لتضيف إليها شخصيات أخرى لها وزنها في التاريخ السياسي والحربي أو التنظيم الإداري أو النشاط الثقافي من ملوك وقياد وأمراء ووزراء وكتاب. وبعد هزيمة أبي الحسن المريني في موقعة “طريف” بالأندلس، التي تمثل نهاية الحرب المقدسة في ما وراء المضيق، أهملت شالة زهاء قرن من الزمان حتى تم خرابها فعلا أيام عبد الحق آخر ملوك المرينيين أواخر القرن التاسع الهجري.
ورغم هذه النهاية المأساوية لشالة فإنها تحولت مع ذلك إلى حرم آمن ومعهد ومقدس ومزار محترم لما فيها من آثار الأولياء، ولكثرة ما أقبر بها من ملوك وأمراء، كما مرت منها شخصيات أخرى مثل أبو عبد الله اليابوري دفين الرباط وأحمد بن عاشر دفين سلا، كما اتخذها لسان الدين بن الخطيب الوزير والشاعر والمؤرخ والأديب دارا وحرمة ومزارا.
وأحاطت كذلك بموقع شالة هالة خاصة ونسجت حوله العديد من الأساطير الشعبية التي تعتبره أرضا مليئة بالجن الذي يسهر على حراسة الكنوز والطلاسم، كما أصبح أبو الحسن “السلطان الأكحل” ملكا على الجن، وأنه وابنته لالة شالة يحكمان في ما وراء الطبيعة.

حفريات غربية

يقول الباحث سيدي محمد العيوض، إن الاهتمام الأوربي بموقع شالة بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر حين مر من هناك الرحالة الألماني هينريتش بارت الذي زار الرباط خلال هذه الفترة، ووطّن في شالة مدينة سلا التي اعتبرها أحد المراكز المهمة على الساحل، كما يعتبر شارل تيسو الوحيد الذي خصص إشارات مفصلة عن المدينة في كتاباته سنة 1878.
ويضيف العيوض أن الحفريات بدأت نهاية العشرينات لتتوقف بعد ذلك نهاية الخمسينات تحت إشراف موريس أوزينا، وقد كشفت الحفريات الأولى على الضفة اليسرى لضفة أبي رقراق، عن مركز المدينة القديمة، ويتعلق الأمر بجزء من الفوروم وقوس النصر وجزء من الشارعين الرئيسيين الأفقي والعمودي وبناية من خمس غرف اعتبرها لويس شاتلان بمثابة “كابيتول المدينة”، كما كشفت الحفريات عن حمامات وبازيليك.

مآثر إسلامية

تم تشييد أربع مجموعات معمارية مستقلة ومتكاملة داخل الموقع تجسد كلها عظمة ومكانة مقبرة شالة على العهد المريني.
ففي الزاوية الغربية للموقع ترتفع بقايا النزالة التي كانت تؤوي الحجاج والزوار وفي الجزء السفلي تنتصب بقايا المقبرة المرينية المعروفة بالخلوة، والتي تضم مسجدا ومجموعة من القبب أهمها قبة السلطان أبى الحسن وزوجته شمس الضحى، والمدرسة التى تبقى منارتها المكسوة بزخرفة هندسية متشابكة ومتكاملة وزليجها المتقن الصنع نموذجا أصيلا للعمارة المغربية فى القرن الرابع العاشر.
في الجهة الجنوبية الشرقية للموقع يوجد الحمام المتميز بقببه نصف الدائرية، التي تحتضن أربع قاعات متوازية: الأولى لخلع الملابس والثانية باردة والثالثة دافئة والرابعة أكثر سخونة.
أما حوض النون، فيقع في الجهة الجنوبية الغربية للخلوة وقد كان في الأصل قاعة للوضوء لمسجد أبي يوسف، وقد نسجت حوله الذاكرة الشعبية خرافات وأساطير جعلت منه مزارا لفئة عريضة من سكان الرباط ونواحيها.

أما الحديـقـة الأندلسيـة فتمتد إلى جنوب المقبرة المرينية، وتم تجديدها في عهد الاستعمار الفرنسي، إذ جُلبت لها نباتات من مختلف بلدان العالم، وتسيل فيها يوميا مياه سبق للرومان أن استقدموها من نواحي الرباط، وتحديدا من عين عتيق، وتم تجديد هذه العين في العهد الإسلامي.
تشهد هذه الحديقة على براعة الأندلسيين فى علم الزراعة والاستنبات، إذ تغلب عليها أشجار الليمون والنخيل والموز، وأنواع من الورود وأحواض مزروعة، مختلفة الألوان والروائح، تنساب المياه فيها بجمالية تتجاور فيها الحداثة مع العراقة التاريخية.

محمد السمار : صيانــة الموجــود أهم من المفقود

> أين تتموقع شالة داخل مشروع تهيئة ضفتي أبي رقراق؟
> مشروع تهيئة مصب نهر أبي رقراق يعد أحد أهم المشاريع الوطنية، التي يوليها جلالة الملك محمد السادس عناية خاصة ويتتبعها عن قرب، كما أن تعليمات جلالته تنصب في اتجاه الحماية والحفاظ التام على التوازن الحضري والحضاري والبيئي لموقع شالة التي تشكل جوهرة أحد محاور هذا المشروع الذي ظل قيد الدراسة خاصة بعد استقدام خبراء من اليونسكو من مستوى عال من أجل هذا الغرض إذ قاموا بإنجاز أبحاث ميدانية أفرزت تقارير وتصورا لما يجب أن يكون عليه موضوع ترميم وصيانة الموقع.

> رغم الحفريات التي أنجزت حول الموقع إلا أن أغلبه مازال مطمورا ولا يظهر منه سوى جزء يسير؟
> من بين المسائل التي اتفقنا عليها مع أعضاء لجنة اليونسكو، مسألة الاهتمام بإعادة تهيئة وتثمين المآثر العمرانية والهناية بالبقايا الأركيولوجية وعدم التمييز فيها ما بين ما هو إسلامي وغير إسلامي، وتجاوز ما قام به بعض الأركيولوجيين الأوربيين خلال فترة الخمسينات، الذين عمدوا إلى طمس المعالم الإسلامية من أجل الوصول إلى البقايا الرومانية والبيزنطية، وفعلا ما زال الموقع فيه الكثير. لم ينجز لكن الاهتمام حاليا منصب حول العناية بما هو ظاهر منه وموجود وصيانته وتوفير الوسائل الممكنة لذلك، أما الجانب المطمور والمفقود فلا يمكن المغامرة بالتنقيب عنه إلى أن تتوفر له كل الوسائل بشكل علمي ومضبوط، حتى لا يتم الاقتصار فقط على استخراج المفقود، بل أيضا ضمان صيانته والحفاظ عليه.

> ما هو أهم ما أنجز منذ تأسيس وكالة تهيئة أبي رقراق بالنسبة إلى شالة؟
> منذ انطلاق المشروع في 2006 أطلقنا طلبات عروض دولية، ولم تكن هناك استجابة في البداية، وأعدنا الكرّة أكثر من مرة، لكن لم تتقدم أي جهة لتنفيذ المشروع إلى غاية 2014 حين تم إحداث شركة “الرباط تهيئة”، انتبه مسؤولوها إلى أنه لم ينفذ طيلة هذه المدة شيء لفائدة موقع شالة في الوقت الذي أنجزت فيه أشياء كثيرة في محاور أخرى من المشروع، وهكذا تبنت الملف وتم توقيع “عقد برنامج” في حضرة صاحب الجلالة، وهو الأمر الذي سرع وتيرة الترميمات التي كانت متعثرة في ما قبل، كما تمكنت من استخلاص التحويلات التي كان مفروضا أن تتم من قبل الجهات التي تمول المشروع، منها جماعتا الرباط وسلا وصندوق الحسن الثاني ومديرية الجماعات المحلية بوزارة الداخلية وغيرها، وتحت إشراف وبتنسيق مع وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق وهو الأمر الذي ساهم في تحقيق أشياء كثيرة وما زالت أشياء أخرى في طور الإنجاز منها حاليا الترميمات التي تخضع لها المدرسة المرينية والمسجد العتيق ومشروع الخلوة الخاص بالأضرحة، باحترام المعايير الأثرية الوطنية والدولية، والأهم أنه تم تدارك ما حصل من تأخير وأن الأمور تسير في اتجاه بعث هذا الموقع من جديد.
* مدير التراث والآثار بوكالة تهيئة أبي رقراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى